على كثرة الشواهد، فإنّ أزمةَ الحكم والنظام القائم، وكذلك أزمة قوى التغيير الدمقراطيّ في لبنان، لم تتجلَّ بمثل ذلك الوضوح الذي تجلّتْ به اليومَ عبر العجز عن إقرار قانون انتخابٍ دمقراطيّ يستجيب لأبسط المعايير الوطنيّة والعالميّة للدمقراطيّة. فها نحن الآن نعود نصفَ قرنٍ إلى الوراء، أيْ إلى القانون الانتخابيّ للعام 1960 الذي يعيد إنتاجَ سائرِ مقوِّمات نظام المحاصصة الطائفيّة؛ ذلك النظام الذي يسير، خطوةً بعد أخرى، إذا ما استمرّ في البقاء، باتجاه "التقسيم بالتراضي" الذي تبدو آثارُه على الأرض بمزيدٍ من الوضوح يومًا بعد يوم.
وإذا عدنا إلى التاريخ، فإنّ قانونَ العام 1960 قد أُقرّ إثر حوادث العام 1958. وقد شهِدَ ذلك العامُ حربًا أهليّةً قصيرةَ المدى، تمخضّتْ عن غالبٍ ومغلوبٍ طائفيًّا (حاول الغالبون إخفاءَ حقيقتها برفعهم شعارَ "لا غالب ولا مغلوب" و"لبنان واحدٌ لا لبنانان"). وسَمَحَ اعتمادُ ذلك القانون برفع هيمنةٍ طائفيّةٍ معيّنةٍ جزئيًّا، وفَسَحَ في المجال لشروط تقاسمٍ جديدةٍ تتيح لكلٍّ من الطوائف الكبرى حصّةً تستقلُّ بها، فتقيم "الصفاءَ الطائفيّ" في الأغلبيّة الساحقة من الدوائر الانتخابيّة التي جرى تركيبُها بصورةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى أيِّ واقعٍ جغرافيّ، ولا إلى دورة حياةٍ اقتصاديّةٍ اجتماعيّة.
والحال أنّ الشروط المذكورة تؤدّي، في واقع الأمر، إلى أن تصبح النتائجُ الانتخابيّةُ معروفةً سلفًا على صعيد تلك المحاصصة التي يقوم النظامُ عليها!