سماح إدريس

السيْر بين الألغام: واقعُ اليسار النقديّ القوميّ العلمانيّ ‏في لبنان

سُئل أبو تمّام يوماً: «لِمَ تَكتبُ ما لا يُفهم؟» فأجاب: «لِمَ لا ‏تَفهمون ما يقال!». وحال الكتّاب والناشطين النقديين اللبنانيين، القوميين ــ اليساريين خاصّة، شبيهة بحال أبي تمّام في زمنه. ‏إلا أنّ مشكلة أولئك الكتّاب والناشطين مع مجتمعهم اليوم لا تعود ‏إلى صعوبة لغتهم، كما كان وضعُ أبي تمّام، بل إلى دقّة المواقف ‏التي يتّخذونها
سماح إدريس *
ثمة قرّاء كثيرون لا يَفهمون، وبعضُهم يسيئون الفهم عمداً، أين ‏نحن! فإذا كنا ضدّ إسرائيل وأميركا والرأسماليّة، ومع المقاومة ‏والعروبة، فلماذا لا نكون مع 8 آذار؟ وإذا كنّا ضدّ ممارسات النظام ‏السوريّ داخل سوريا، وضدّ سياساته في لبنان، وضدّ الهيمنة ‏الإيرانيّة على العراق، ومع مجتمع مدنيّ لا سلطة ثيوقراطيّة تستبدّ ‏به، ومع الحريّة والسيادة والاستقلال، فلماذا لا نؤيّد معسكر 14 ‏آذار أو نتقاطع معه في الأقلّ؟ وينسى أو يَجْهل قرّاءٌ كثيرون أنّ ‏مقاربات اليساريين النقديين العلمانيين لمفاهيم المقاومة والهويّة ‏والوحدة العربيّة تختلف (وأحياناً تتناقض تناقضاً تاماً) مع مقاربات ‏حزب الله والنظام السوريّ مثلاً، وأنّ مقارباتهم لمفاهيم الحريّة ‏والسيادة والاستقلال تتناقض دائماً مع مقاربات تيّار المستقبل ‏والقوات اللبنانيّة.‏

تعالَوْا نتمرّنْ على إعلام جديد

سماح ادريس*
صبايا، شباب، تعالوْا نتمرّنْ على إعلام جديد.
أمامنا اليوم إعلانُ مبادئ هدفُه الأبعد أن يكون «بمثابة تمهيدٍ لاتفاقٍ بين الإعلاميّين والإعلاميّات على شرعة سلوكٍ مهنيّ تفصِّل القواعدَ والمعاييرَ التي يؤدّي اعتمادُها إلى تطبيق» ثمانية مبادئ أساسيّة. لقد كنتم طوال الفترة الماضية بلا مبادئ أو ضوابط. ظننتم أنّ الحرية تعني الفوضى. ولذا يجب اليومَ، على أبواب الانتخابات العتيدة، أن تنضبّوا قليلاً كي نمرّرَ هذا القطوعَ على خير. لا، طبعاً، لن يَفرض أحدٌ شيئاً عليكم. لن يحدث شيءٌ إلّا برضاكم التامّ، بل بعد أخذ تواقيعكم أيضاً. ولأنّ أكثرَكم تابعٌ لمنابرَ ومحطّاتٍ، تابعةٍ بدورها لأحزابٍ وتيّاراتٍ، تابعةٍ بدورها لزعماءَ ومراجعَ، فيكفي أن نأخذ موافقةَ الزعماء والمراجع. ولمّا كان هؤلاء، من الشيخ سعد إلى السيّد حسن، مروراً بوليد بك والحكيم والأستاذ نبيه، قد اتفقوا في الدوحة على «وقف استخدام لغة التخوين أو التحريض السياسيّ والمذهبيّ»، فهذا يعني أنكم ستلتزمون، برضاكم طبعاً، بالإعلام الجديد.

إرهاب... بذريعة الإرهاب الحرية جارية في خدمة السـياسة!

سماح إدريس *
استغلّ إعلامُ 14 آذار الاعتداءَ المشينَ الذي تعرّض له الصحافي عمر حرقوص في شارع الحمرا ليشنّ حملة عنيفة، ولا سيما في جريدة «المستقبل»، ضدّ 8 آذار وضدّ الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسّسه وعقائده وممارساته قاطبةً، وضدّ جريدة «الأخبار» وكتّابها. واللافت في حملة مثقفي 14 آذار (وديكورها اليساري) أمران بارزان يقوّضان صدقيتَهم الليبرالية المزعومة كاملة.
الأمر الأول، والأوضح، أنّ مثقفي 14 آذار يشجبون خصومهم سياسياً، لا ثقافياً. إنهم، بعبارة أخرى، لا يدينون الفعلَ بل الفاعل: لا يدينون الاعتداءَ في ذاته، بل يدينون المعتدين بسبب من انتمائهم إلى طرف سياسي مقابل. ذلك أننا لا نقرأ لأولئك المثقفين مقالات تدين اعتداءات أفظع حين يرتكبها طرف سياسيّ يؤيّدونه أو يعملون في وسائل إعلامه. فالسيد حازم صاغيّة يدين «مثقفي العبوة والهراوة وكاتم الصوت» (جريدة المستقبل، 7/12/2008)، قاصداً بهم أولئك الذين برّروا ضربَ حرقوص (مَن هم هؤلاء المثقفون المبرِّرون يا ترى؟ وكيف برَّروا؟ الله يعلم)، ولكنه يصْمت صمتَ القبور عن قطع الرؤوس والأيدي والرجْم والجَلد ومنع النساء من قيادة السيارات في البلد الديموقراطي الذي يعمل في وسائل إعلامه الديموقراطية. وهو يشجب «وقفاتِ العزّ» التي وقفها المعتدون على حرقوص، وذلك في تهكّم واضح على أنصار الحزب القومي ومؤسّسه، لكننا لا نقرأ له (مثلاً) شجباً لرقصات «العزّ» التي أدّاها خادمُ الحرمين الشريفين مع جورج دبليو بوش. وهو يقارن، في إدانته المعتدين على الزميل حرقوص، بين الحزب القومي والنازية، ولكنه لا يرسم مقارنة أخرى، قد تكون أكثرَ صحّةًً من الناحية التاريخية، بين بعض أطراف 14 آذار، كالكتائب، والفاشية مثلاً.

الافتتاحية: لماذا أَنْشر؟

أَنشر لأنني لا أعْرف مهنةً أخرى أعيشُ منها بشرفٍ وكرامة (غيرَ التعليم الذي أكرهُه).
أنشر لأنّ أبي وأمي أورثاني كمّياتٍ هائلةً من الكتب والمجلاّت. وأورثاني معها مستودعًا رطبًا ورفوفًا صدئةً وصناديقَ ونستون ومارلبورو مليئةً وفارغةً. ولا يخلو الأمرُ أيضًا من بضعة صراصير وفئران اقتاتت على وجوديّة سارتر وإباحية مورافيا وكولن ويلسون زمنًا طويلاً.
أَنشر لأنني أعجزُ عن الكتابة أحيانًا، أو لأنني أقرأ مادّةً تعبِّر عمّا كنتُ سأقولُه بنفسي فإذا بها تقوله بجَمالٍ أكبر أو قوةِِ إقناعٍ أعظم.
أَنشر لأني أبلغُ أحيانًا قمّةََ التشاؤم من الوضع العربي، أو لأنني أحلّق أحيانًا عند ذروة التفاؤل (والحالة الأخيرة لا تتعدّى الهنيْهات).
أَنشر (وأكتب) لأنني مازلتُ أؤمن بدوْرٍ للكلمة في مواجهة أعداء الحرية، كالعسكر ورأسِ المال والناطقين باسمِ الله. و بكلامٍ آخر: أَنشر كي أُسْهم في "نشرِ عرْضِ" القامعين والمنافقين وتجّارِ المرأة والوطنِ والدين.

دفاعاً عنّي... لا عن عمر!

سماح إدريس*
لم أحبّ عمر حرقوص في أكثر ما كتبه، ولا سيّما في نقده الطبقي والفئوي لاعتصام المعارضة (بغضّ النظر عن موقفنا من ذلك الاعتصام ومن هذه المعارضة الملتبسة). وما أزال أشعر بالغضب كلما تذكّرتُ اشمئزازَه من «اللحم المشويّ تحت تمثال رياض الصلح»، ومن «الأراجيل التي تمنع المرورَ،» ومن «بيوتِ الخلاء في وسط الشارع» (جريدة المستقبل 8/12/ 2006)! لكني أشعر بأنّ اللكمات التي وُجّهتْ إلى حرقوص قد وُجهت إليَّ أنا. وأشعر بأنّ الدم الذي سال منه هو جزءٌ من دمي... أو قد يكون جزءاً من دمي ودم كتّابٍ آخرين لو غضضنا الطرفَ أو قدّمنا الذرائعَ لتبرير ما حدث. إنّ الأيدي التي امتدّت إلى حرقوص تسيء، أوّلَ ما تسيء، إلى مبادئها، وإلى شهدائها الذين قضوا غيلةً في عكّار على يدِ مَن استضعفهم لعددهم القليل. وكان أجدر بحزب سعادة العريق ألا يحتجّ برفض عناصره تصويرَ حرقوص لهم. والأفظع أن يَنعت المعتدون حرقوصاً بـ«اليهودي»: فكونُ المرء يهودياً ليس عاراً، وينبغي ألا يكون كذلك... وتحديداً لدى مَن يعتنق العلمانيةَ ومحاربة الطائفية.

وفاءً للأجيال المقبلة...

بقلم: سماح ادريس
طرحنا على بعض الناشرين العرب سؤالاً بسيطاً: لماذا تنشر؟ هنا ردّ رئيس تحرير مجلّة «الآداب» أنشر لأنّني لا أعرف مهنة أخرى أعيش منها بشرفٍ وكرامة (غيرَ التعليم الذي أكرهه). أنشر لأنّ أبي وأمي أورثاني كمّياتٍ هائلة من الكتب والمجلات، ومعها مستودعٌ رطبٌ ورفوفٌ صدئةٌ وصناديقُ ونستون ومالبورو (ولا يخلو الأمرُ أيضاً من بضعة صراصير وفئران اقتاتت على وجودية سارتر وإباحية مورافيا وكولن ويلسون زمناً طويلاً). أنشر لأنني أعجز عن الكتابة أحياناً، أو لأنني أقرأ مادّةً تعبّر عمّا كنتُ سأقوله بنفسي، فإذا بها تقوله بجمالٍ أكبر أوقوةِ إقناعٍ أعظم.

جورج حبش

خصّ رئيس تحرير الآداب الدكتور سماح إدريس «الأخبار» بمقالة تنشر بعد أسابيع، في كتاب يصدر عن الراحل الكبير الدكتور جورج حبش، في الذكرى الأولى لرحيله التي تصادف في الثامن والعشرين من كانون الثاني

سماح إدريس *
ذاتَ صباح من أيلول أو تشرين الأول 1999 رنّ الهاتف. ردّت كيرستن وقالت إنّه جورج حبش. أيّة مزحةٍ ثقيلة هذه، جاوبتُها. تناولتُ الهاتف متوقّعًا أن يكون أحدُ أصدقائي السمجين على الخطّ، مقلِّدًا جورج حبش. كان المقلِّدُ مذهلاً في أدائه: النبرةُ نفسُها، وثقلُ اللسان الذي أصابه بعد فالج الثمانينيات هو ذاتُه. «كيف حالك يا سماح؟» سأل المقلِّد؟ منيح، أجبتُ. «أنا بحبَّك يا سماح، انت إنسان محترم». شكراً، أستاذ، أجبتُ. بقيتْ إجاباتي مقتضبة، ولم أخاطِبْ محدِّثي بـ«الحكيم» طوال دقيقةٍ كاملة: فالزعيم الحقيقي لا يتّصل بالجماهير وإنِ امتَدحها كلَّ الوقت، وهو بالتأكيد لا يُطْري «المثقّفين» الذين وجّهوا إليه نقداً مكتوباً غيرَ مباشر قبل أيّام.

الافتتاحية: "احترامُ" النساء... وزيْتُ الرجال

أنزل المقالة

هل تَعْلمون أنّ نظامَنا اللبنانيّ بالغُ التقدّمية حيال... النساء؟
إذن اسمعوا هذه القصّة. طلبتْ منِّي ابنتي سارية أن أستحصلَ لها على طلب إعفاء من الخضوع لامتحاناتٍ رسميةٍ معيّنة بسبب حصولها على جنسيّةٍ أخرى. غادرتُ المنزلَ من طيز الصُّبح باتجاه مبنى الأونَسكو. وبعد دقائق اهتديتُ إلى مكتب السيّدة جهينة (اسمُها على الحائط المجاور يُكْتب هكذا: جوهَيْنة!)، فهالني صفّانِ ينتظران في الممرّ أمامَه. أحدُ الصّفّين طويلٌ (12 شخصًا)، والآخرُ قصيرٌ (ثلاثة أشخاص). بكلّ براءةٍ سألتُ فتاةً في الصفّ القصير إنْ كان الصفّان ينتظران جوووهيْنة. نعم، أجابت الفتاة. فوقفتُ خلفَها، وكان أمامها فتاتان فقط، مستغربًا حماقةَ الصفّ الأوّل الذي لم يتوقّفْ عن الامتداد حتى انعطَفَ بعد قليل إلى الممرّ المجاور. تذكّرتُ نصيحةَ أمّي: "دائمًا اسألْ، يا ابني، قبل أن تقفَ في الصفّ." لكنّ فرحتي بنصيحة أمّي لم تَدُمْ: فما هي إلاّ دقائق حتى تقدَّم منِّي رجلٌ في الستّين طالبًا إليَّ أن أقفَ في الصفّ الثاني. عندها فقط، اكتشفتُ أنَّني أقفُ في صفّ النِّساء (أُسمِّيه صفًّا على سبيل التجاوز: فإذا كانت ثلاثُ نساءٍ ورجلٌ ـ هو العبدُ الفقير ـ صفّاً، فماذا نسمِّي عشرين رجلاً مصطفّين بعضهم وراء بعض؟ رَتْلاً؟ طابورًا؟). شَتمتُ الرَّجُلَ الستّينيَّ في سرِّي، وانتقلتُ من صفّ النساء إلى طابور الرجال. المفاجأة اللعينة هي أنّ نظامَ الأشياء (بالإذن من فُوكو) قضَى بأن يَدْخل مكتبَ جوهينة رجلٌ، فامرأةٌ، فرجلٌ، فامرأةٌ... وهكذا. الألعنُ (والأفكُّ رقبةً) هو أنَّني بعد انتظار ساعتيْن، زادَ صفُّ النِّساءِ ستَّ فتيات (في حين زاد صفّي أكثرَ من عشرين آخرين وقفوا ورائي). وهذا يعني أنَّ الفتاة التي جاءت للتوّ (أي الساعة الحادية عشرة) ستَدْخل قبلي بوقتٍ طويلٍ، مع أنَّني جئتُ قبلها بساعتيْن أو أكثر! فكَّرتُ في الاحتجاج، وفكَّرتُ في الانسحابِ والعودةِ في يومٍ آخر، قبل طيز الصبح، ثمّ قرّرتُ أنْ لا شيءَ يأتي قبلَ هذا الأخير (أو هذه الأخيرة). ثم ضحكتُ في عبِّي حين رأيتُ شابًّا مغرورًا جاء منذ دقيقة ووقف في آخرِ الطابور. فلينتظرْ إلى الغد، قلتُ في نفسي. بيستاهل!

عالم يسع الجميع

عالمٌ يسعّ الجميععالمٌ يسعّ الجميعلا أحد يصدِّقُ سيما، وديمةُ تقول إنَّ أختها مجنونة وتخترع المصائب لِتَلْفت انتباه أهلها. فكيف تُقْنِعُ سيما الجميع بأنّ الشبح موجود في غرفتها فعلاً؟
ولمن الكريما، والشوكولاطة، والكرزةُ الحمراء؟

عالم يسع الجميع سماح إدريس عدد الصفحات: 24 $6.00