يَشْعر بعضُ المطّلعين على الوضع اللبناني اليوم، بفراغ هائل يبحث عمّن يملأه. فالمعسكران السائدان لم يستوعبا آلاف الحالمين بوطن تسوده العدالة. و«اليسار» يتخبّط في مشاكله منذ الثمانينيات، وها قد خرج من الانتخابات الأخيرة مثخناً بالجراح، فأجرى «محاسبةً» هشّةً كرّستْ غالبيّةَ المسؤولين في مواقعهم.
سماح إدريس
ما أبعدَ فلسطينَ في يوم نكبتها!
أكتبُ هذه الكلمات وبيروتُ تَخْرج للتوّ من فصل جديد من الحرب الداخلية اللبنانية الطويلة (يخطئ مَن يظنّ أنها انتهت بتسليم الأسلحة والمراكز إلى إلى الجيش)، سببُها المباشرُ قراران أحمقان أصدرتْهما حكومةُ السنيورة ويَستهدفان سلاحَ المقاومة. والذريعة هي هي: أمنُ الدولة وسيادتُها.
لا! أنا لا أحنّ إلى الماضي؛ ففي الماضي لم تكن بيروتُ أفضلَ كثيرًا. كنّا نعيش في منطقة الجامعة العربية (معقلِ "تيّار المستقبل" اليوم)، وذُقْنا ويلاتِ أبي الزعيم و"الصاعقة" وقوات الـ 17. أما مبادئُ الحكيم جورج حبش، القائدِ العظيمِ الراحل، ومازِجِ الثقافة بالسياسة والأخلاقِ على نحوٍ فريد، فكانت أعجزَ من أن تتصدّى للزعرنات والخوّات والتشبيحات (التي كنّا نسمّيها "تجاوزات" كي لا نجد أنفسَنا، بغير علمِنا وإرادتِنا، في معسكر العداء للثورة الفلسطينية). ومع ذلك، فلم تكن بيروتُ بمثل بُعْدِها اليومَ عن فلسطين، بل بمثل بعدها عن جزءٍ أساسٍ من تاريخِها نفسِه: تاريخِها العلمانيّ والعروبيّ والمفتوحِ على العالم. صحيح أنه قد صارت لدينا محطّاتٌ فضائيةٌ كثيرة اليوم حتى توهّمنا أننا صرنا في قلب "الحضارة"؛ لكنْ هل لاحظتْم أين بات مراسلونا؟ ها هم انتقلوا من القاهرة والدار البيضاء وموسكو وباريس... واستقرّوا في بربور وعايشة بكّار وحيّ الطمليس! وقريبًا، بهمّة "شعب لبنان العظيم" بمختلف طوائفه ومذاهبه وعشائره، سيصير لكلّ محطّةٍ مراسلون داخل شُوَيْرِعات البلد (هل تسمح لي يا بابا الدكتور سهيل بهذا التصغير)؟
أسوأُ ما في الصحافة الثقافية والإعلامِ شبهِ الثقافي هو أن يتصدّى مثقفون عرب، وباسم “الوعي النقدي الحديث،” للبنى التقليدية المتخلِّفة، والغيبيةِ العربية، والسلطاتِ القومية المستبدّة، والظلامية الإسلامية، واليسارِ الديكتاتوري... لكنّهم لا يلبثون أن يَمْتدحوا الاعتدالَ السعودي والوهّابي والجنبلاطي، والمرونةَ المصرية، والواقعيةَ الفلسطينية، والعقلانيةَ الغربية. هكذا، مثلاً، نقرأ أدونيس ينتقد الهياكلَ “الثابتةَ” والأصولياتِ العربيةَ انتقادًا استشراقيّاً مليئًا بالعموميات والأحادية (على طريقة رافاييل پاتاي أحيانًا)، لكنّه يكرِّس كتابًا كاملاً، اختارَ نصوصَه وقَدَّم له هو والدكتورة خالدة سعيد، في “فكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهّاب،” وذلك ضِمْنَ سلسلة “ديوان النهضة: دراسات ونصوص تمثِّل رؤيةً جديدةً للنهضة العربية” (بيروت: دار العلم للملايين، 1983). وهكذا تَحَوَّل أحدُ عتاة الفكر الجامد والثابت، وعلى يد أحدِ رموزِ الحداثة، إلى أحد روّاد النهضة العربية!(1) وبالمثل، وإنْ على مستوًى فكريّ أدنى بكثير، نجد شاكر النابلسي، بعد أن طَلّق الماركسيةَ والقوميةَ ثلاثًا، يَمْتدح “شِعْرَ” (نَعَمْ، بكسر الشين) الأمير خالد الفيْصل، بل ويَعُدُّه من “روّاد” الحداثة والفكر العربي.(2) وكنتُ في سنةٍ ماضيةٍ قد ذكرتُ كيف تحوَّلَ كثيرٌ من مثقفي الحداثة في لبنان إلى مبخِّرين للماكينة الحريرية، بحيث “جَيَّروا” حداثتَهم وعِلْمهم الكبيرَ في مديح الرئيس الراحل رفيق الحريري، وخليفتِه الشيخ سعد، وصديقِهما الرئيس السنيورة. طبعًا مِنْ حقِّ أيٍّ كان أن يمتدح مَنْ يعتبره أهلاً للمديح؛ ولكنْ أن يصبح الحريري “شاعرَ الأمكنة” على لسان شاعر الحداثة پول شاوول (في برنامج “خلّيك بالبيت” على شاشة المستقبل شتاءَ العام 2005)، وأن يصبح الرئيسُ الراحلُ نفسُه “مثقّفًا ما بعد حداثيًّا” (لو كان حداثيًّا فقط لَفَهِمْنا!) “ذا فكرٍ مركَّبٍ، خلاّقٍ، متعدّدِ الوجوه” على لسانِ مثقفِ “العقل التحوُّلي” والناقدِ التفكيكي لـ “أوهام النخبة” علي حرب (وعلى الشاشة نفسِها)، فذلك ما يَزْرع الشكَّ في النفوس. ولا يهمّ أن يُصوَّب الشكُّ إلى المثقفين أنفسِهم، بل إلى أفكارهم الحداثية التي أَفنَوْا عقودًا في إشاعتها؛ ذلك أنّ مثلَ هذا الشكّ، خلافًا لما توهَّمه مدّاحو السلطة والثبات “الحداثيون،” سينمِّي في عقول القرّاء التفكيرَ الأصوليَّ والفكرَ التقليدي اللذيْن حاربهما أولئك المثقفون (وبتفانٍ أحيانًا) كلَّ ذلك الزمن. تصوَّروا مثلاً حالَ الناس الذين يستمعون إلى أولئك الليبراليين الحداثيين يَمْتدحون “الاعتدالَ” السعودي بعد أنْ كالوا اللعناتِ “للاستبداد البعثي” السوري والعراقي، كيف سيفكِّرون؟ ألن يميلوا، في هذه الحال، إلى تأييد السعودية بدلاً من أفكار الحداثة؟ أو تصوِّروا الناسَ يقرأون مدحًا (وإن ادّعى الموضوعية!) للإمام محمد بن عبد الوهّاب، ألن يفضِّلوا حينَها أن يناصروا الفكرَ الوهّابي بدلاً من الفكر الحداثي؟ فإذا كان الحداثيون التقدُّميون، التحوُّليون التفكيكيون، النقديّون الواعون، يصفِّقون (“موضوعيًّا”!) للوهّابية والحريريةِ والمُباركية... فلماذا لا يميل القرّاءُ “العاديون” إلى الأصلِ الممدوحِ لا إلى النسخةِ المادحة، وإلى المصفَّقِ له لا إلى المصفِّق؟
قرأتُ قبل أيّام (ولم أتبلغْ قانونيّاً بعد) الخبرَ التالي في الصحف: «أصدرتْ محكمةُ المطبوعات في بيروت حكماً يقضي بتغريم كلٍّ من سماح إدريس وعايدة مطرجي إدريس مبلغَ ستة ملايين ليرة لبنانيّة، وإلزامهما أن يدفعا بالتكافل والتضامن مبلغَ مئة ألف ليرة كتعويض رمزيّ للمدّعي فخري كريم وَلي، وبإلزامهما بنشر خلاصة عن الحكم على نفقتهما في مجلة الآداب في العدد الأول بعد تبلّغهما الحكمَ. وكان المدّعي، وهو من الجنسيّة العراقيّة، قد تقدّم بشكوى مباشرة على مجلة الآداب، ممثّلةً بصاحبيْها سهيل وسماح إدريس والمدير المسؤول في المجلة عايدة مطرجي إدريس وكاتب المقال سماح إدريس، في جرم القدح والذمّ»
حين أتذكّر جورج حبش لا أتذكّر في المُقام الأوّل لا القوميّةَ العربيّة، ولا الماركسيّةَ ــــ اللينينيّة، ولا الكفاحَ المسلّح... ولا فلسطينَ نفسَها. بل أتذكّر أوّلاً، وربما أخيرًا، أنه كان شخصاً «آدميّاً» وذا أخلاق عالية في الممارسة السياسيّة. أخلاق عالية... وفي السياسة، تتساءلون؟
هناك دجلٌ كبيرٌ يجري اليومَ باسم "كسْر الحصار عن الشعب الفلسطينيّ." ويمارِس هذا الدجلَ فنّانون عرب، مستندين إلى أدلجةٍ تنظيريّةٍ يقدِّمها لهم صحافيّون عرب وموظّفون رسميّون في السلطة الفلسطينيّة التي لا سلطة لها إلاّ على شعبها.
فلنَضعْ جانبًا كيف يدخل الفنّانون والمثقفون العرب إلى الضفة الغربيّة، أيْ بتأشيرةٍ وموافقةٍ إسرائيليّتين حكْمًا. ولننسَ لبرهةٍ أنّ الممثّلة التونسيّة هند صبري، التي دخلتْ مؤخّرًا إلى الضفّة للمشاركة في مهرجان "القصبة" من باب "كسر الحصار والتضامن مع الشعب الفلسطينيّ" كما قالت، كان يمْكن أن تمارس هذا التضامن بالاكتفاء بالمشاركة عبر أحد أفلامها، أو بالحضور صوتًا وصورةً (بالفيديو والتليفون) لا جسدًا؛ أو كان يمْكنها أن تتبرّعَ بجزءٍ من أرباحها إلى الفلسطينيين في غزّة أو في أيّ مكانٍ يعيش فيه الفلسطينيّون (فمن قال إنّ "التضامن" لا يكون إلاّ بالذهاب المباشر إلى ... رام الله؟).
ما يَحدث في مصر الآن ينتمي إلى الخيال العلميّ، ولكنْ من النوع القبيح والسمج والمقرف والمغيظ.
فبإملاءات أميركيّة، ولتوريث جمال مبارك، أغلق النظامُ المصريّ معبرَ رفح أمام الشعب الفلسطينيّ في غزّة، حارماً إيّاه الدواءَ والطعامَ والسلاح.
وبإملاءات أميركيّة، ولتوريث جمال، يضغط النظامُ المصريّ على حركة حماس (المنتخبة ديموقراطيّاً منذ عام 2006) للقبول بشروط «المصالحة» مع سلطة محمود عبّاس، المنتهية ولايتُها، والتي لا تعدو أن تكون «العمّ توم» خادمَ السيّد آرثر شلْبي (في رواية الكاتبة الأميركيّة هارييت بيتشر ستو الشهيرة). وشروطُ هذه المصالحة المزعومة هي قبولُ حماس بشروط الرباعيّة الدوليّة، أيْ: نبذ العنف (المقاومة)، والاعتراف بإسرائيل، وإقرار الاتفاقيّات المجحفة السابقة (كأوسلو)... أي القبول بما يُنهي القضيّة الفلسطينيّة فعليّاً بوصفها حركة تحرّر وطنيّ. ولا تخجل افتتاحيّةُ جريدة الجمهوريّة، الناطقة بلسان مبارك، بتاريخ 17/12/2009، من ربط فكّ الحصار المصريّ عن غزّة بهذه المصالحة ربطاً مباشراً حين تقول بالحرف: «على حماس أن تبادر بتوقيع اتفاقيّة المصالحة من أجل فتح المعابر»!
تمْطر السماءُ في هذا اليوم من كلّ عام: إنه إذاً يومُ افتتاح معرض الكتاب العربيّ! نهْرع إلى الافتتاح، مع أننا نعْلم مسبقاً ما سيقوله الحريري الأبُ والسنيورة، وقبلهما الحصّ والصلح، وبعدهم الشيخ سعد، رئيسُ حكومة «ديموقراطيّتنا التوافقيّة». نعاني ازدحامَ السير، تحت المطر الهاطل، على امتداد كورنيش البحر، ومن جهة محطّة شارل حلو، لكننا نصْبر ونشتم. ونعاني تفتيشَ الحرّاس عند بوّابة المعرض، لكننا نصْبر ونشتم. ندْخل المعرض كطفل اندفع بعد طول احتباس إلى مدينة الملاهي. نضيع بين الأجنحة. نفْرح بالسجّاد الأحمر أو الأزرق الجديد. نعبّ صدورَنا من رائحة الكتب، وكأننا لن نشمّها عاماً كاملاً. نبحث عن ناشرينا الأثيرين، فنرى في حياتهم حياتَنا... وأننا ازددنا قرباً من الهاوية.
يدمج رئيس تحرير مجلة «الآداب» سماح إدريس، في هذا المقال، ما بين إعجابه بأطروحات المفكر الفلسطيني ــ الأميركي إدوارد سعيد حول القضية الفلسطينية، وما بين نقده لبعضها. والمقال هو كلمة ألقاها إدريس في ندوةٍ تكريميّةٍ لسعيد أُقيمت في مهرجان جبلة (سوريا) في منتصف شهر تمّوز، وشارك فيها الدكتور فيصل درّاج، وأدارها ثائر ديب
تنحصر ملاحظاتي هنا في الفصل الثامن من تقرير التنمية الإنسانية العربية لهذا العام، وهو فصلٌ خُصّص لدور الاحتلال والتدخّل العسكريّ في انعدام أمن الإنسان العربيّ. وهذا هو موضوعُ جلستنا الليلة في كلّ حال. ولكنْ، بدايةً، أودّ أن أتطرّق إلى التقديم الذي جاء به التقرير. ففي الصفحة 6 نقرأ: «يرى التقريرُ أنّ سياسات القوى الخارجية لم تكن مساعدةً في هذا المجال»، والمقصود مجالُ توفير أمن الإنسان العربي طبعاً. «لم تكن مساعدة»؟ إنّ هذا التعبير لهو شديدُ الميوعة في رأيي، وكان ينبغي تغييرُه بعباراتٍ أقسى تعكس واقعَ السياسات الإمبريالية ـــــ الصهيونية الوحشية في وطننا العربيّ، ولا سيّما أنّ التقرير يعود بعد ذلك مباشرةً ليقول: «لقد تَركت التدخّلاتُ الأجنبيةُ والاحتلالاتُ وطأةً مدمِّرةً على أمن الإنسان بالمعنى المباشر للكلمة». إذاً، كان ينبغي حذفُ عبارة «لم تكن مساعدة» كي لا يتوهّمَنّ أحدٌ أنّ التقرير يرى أية إيجابية، حاصلة أو مأمولة، في الاحتلال الأجنبيّ أو التدخّلات العسكرية الأجنبية.
