تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
سماح إدريس
ما أبعدَ فلسطينَ في يوم نكبتها!
أكتبُ هذه الكلمات وبيروتُ تَخْرج للتوّ من فصل جديد من الحرب الداخلية اللبنانية الطويلة (يخطئ مَن يظنّ أنها انتهت بتسليم الأسلحة والمراكز إلى إلى الجيش)، سببُها المباشرُ قراران أحمقان أصدرتْهما حكومةُ السنيورة ويَستهدفان سلاحَ المقاومة. والذريعة هي هي: أمنُ الدولة وسيادتُها.
لا! أنا لا أحنّ إلى الماضي؛ ففي الماضي لم تكن بيروتُ أفضلَ كثيرًا. كنّا نعيش في منطقة الجامعة العربية (معقلِ "تيّار المستقبل" اليوم)، وذُقْنا ويلاتِ أبي الزعيم و"الصاعقة" وقوات الـ 17. أما مبادئُ الحكيم جورج حبش، القائدِ العظيمِ الراحل، ومازِجِ الثقافة بالسياسة والأخلاقِ على نحوٍ فريد، فكانت أعجزَ من أن تتصدّى للزعرنات والخوّات والتشبيحات (التي كنّا نسمّيها "تجاوزات" كي لا نجد أنفسَنا، بغير علمِنا وإرادتِنا، في معسكر العداء للثورة الفلسطينية). ومع ذلك، فلم تكن بيروتُ بمثل بُعْدِها اليومَ عن فلسطين، بل بمثل بعدها عن جزءٍ أساسٍ من تاريخِها نفسِه: تاريخِها العلمانيّ والعروبيّ والمفتوحِ على العالم. صحيح أنه قد صارت لدينا محطّاتٌ فضائيةٌ كثيرة اليوم حتى توهّمنا أننا صرنا في قلب "الحضارة"؛ لكنْ هل لاحظتْم أين بات مراسلونا؟ ها هم انتقلوا من القاهرة والدار البيضاء وموسكو وباريس... واستقرّوا في بربور وعايشة بكّار وحيّ الطمليس! وقريبًا، بهمّة "شعب لبنان العظيم" بمختلف طوائفه ومذاهبه وعشائره، سيصير لكلّ محطّةٍ مراسلون داخل شُوَيْرِعات البلد (هل تسمح لي يا بابا الدكتور سهيل بهذا التصغير)؟
سماح إدريس
كُتب الكثيرُ عن سهيل إدريس ومجلّة الآداب. أريد اليومَ أن أكتفي بالتحدّث قليلاً عن موقع الآداب في نفس سهيل إدريس، وعن علاقتي به بعد أن "خَلَعَها" عليَّ في نهاية العام 1991 متوقّعًا ومتوهِّمًا وطامعًا في أن يكون جسمي "لبّيسًا." مجلةُ الآداب هي أعزُّ نتاجٍ من نتاجات سهيل الثقافي. ففيها يندمج حبُّه للغة العربية، بالتزامِه السياسي، ودفاعِه عن حرية التعبير، وعشقِه للترجمة، وآرائِه الصارمةِ في الشعر، وشغفِه بتقديم الجديد دومًا، وتشجيع المواهب الشابّة، وسعيِه إلى المعارك، وهيامِه بمقارعة الأنظمة. إنّها، في ما أرى، جماعُ مواهبه، وآرائه، وطموحاته. وهي، أيضًا، المثقفُ الجمْعيّ: المنبرُ الذي يُصْدره فردٌ ليعبِّرَ فيه عن روحِ فئةٍ متوثِّبةٍ إلى التغيير الأكمل، المنبثقِِ من فهمٍ واعٍ ونقديّ للتراث.
أحلام مستغانمي
كنتُ في تونس مع الدكتور سهيل إدريس، رحمه اللّه، حين بَلَغَنا خبرُ وفاة الغالي نزار قبّاني. بكى سهيل إدريس يومَها كطفل. أَجْزم أنّ شيئًا منه مات يومَها بموتِ رفيقِ عمره. فقد كان، رحمه اللّه، عاطفيّاً ووفيّاً لصداقاته. أما أنا فلم أذرفْ يومَها دمعةً على نزار، ولا أدليتُ بكلمةٍ إلى الصحافة؛ فقد كان حزني عليه غيرَ قابلٍ للإشهار.
محمد جمال باروت
احتلّ سهيل إدريس مكانتَه في تاريخ الرواية العربية الحديثة وتطوّرها بفضل روايته الحيّ اللاتيني (1953) التي صدرت حين كانت الروايةُ العربيةُ تنجِز مرحلتَها الثانيةَ على يد رعيلٍ شابٍّ تباينت سبلُه وتلامعت فيه أسماءُ نجيب محفوظ وحنّا مينة وإحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي وحسيب كيّالي... ومن إرث ذلك الرعيل كانت تتلامع رواياتُ إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وتوفيق يوسف عوّاد وشكيب الجابري.1 وتمثِّل روايةُ إدريس علامةً في تطوّر الرواية العربية في مرحلتها تلك، كما في العودة إلى اكتشاف جوانبها الريادية في مرحلةٍ لاحقةٍ، وتحديدًا في إطارِ ما تمكن تسميتُه بلغة جورج طرابيشي نوعًا من تقليد الرواية الجنوسية الحضارية، أو ما وضعه محمد كامل الخطيب تحت اسم "المغامرة المعقّدة،" ونبيل سليمان تحت اسم "وعي الذات والآخر."
صبري حافظ
تمهيد وسياق
كنتُ قد بدأتُ الكتابةَ عن محنة مجلة الآداب، التي جرّها إلى المحكمة شخصٌ يُدعى فخري كريم يصف نفسَه بـ «كبير مستشاري رئيس الجمهورية العراقية» ورَفع عليها دعوى أمام القضاء اللبناني، وعلى كلٍّ من مديرتها المسؤولة عايدة مطرجي إدريس ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس. ويعرف الكثيرون أنّ فخري كريم قد أصبح شخصًا فاحشَ الثراء، يستطيع توكيلَ أكبر المحامين (...)، بينما تعاني الآداب الفقرَ وضعفَ الإمكانيات في هذا الزمن العربي الرديء. وكان مقالي الذي لم أكمله قد بدأتُه كالتالي:
«ليس دفاعًا عن مجلة الآداب. ذلك لأنّ هذه المجلة أصبحت-بفضل تاريخها العريق، وإنجازاتِها المشرقة التي حافظ أبناءُ مؤسِّسها وصانعِ مسيرتها الصديقِ الكبير الدكتور سهيل إدريس، شفاه اللهُ، على شعلتها متّقدةً برغم أعاصير التردّي والهوان التي تعصف بالثقافة العربية-صنوَ الثقافة العربية الأصيلة والشريفة والمقاومة. لذلك فإنّ الدفاع عن مجلة الآداب، كالدفاع عن كلِّ ما هو أصيلٌ وجميلٌ في الثقافة العربية، أمرٌ بديهيٌّ لا يحتاج إلى الدفاع عنه، كما لا تحتاج الشمسُ إلى مَن يدافع عنها ضدّ جحافل الظلام، أو الهواءُ النقي إلى مَن يردّ عنه أبخرةَ السوء وسمومَه الزعاف.»
فيصل درّاج
كيف نقوِّم مثقفًا راحلاً تجاوز الثمانين؟ وكيف يُقوَّم إن كان قد اتّخذ من الثقافة مهنةً وعملاً ورسالةً مدة خمسين عامًا أو يزيد؟ وإذا كان المثقف الفاعل هو ما يتبقّى منه، فما هو الأمر الثقافي الذي يتبقّى من الراحل سهيل إدريس؟
كلُّ كتابةٍ تقويميةٍ هي كتابةٌ جزئيةٌ مهما كان إخلاصُها، وبخاصةٍ إذا اختلط فيها الذاتيُّ بالموضوعي، أو إذا كان الراحلُ إنسانًا ذا طبائع متميّزة، ومثقفًا متعدّدَ الوجوه، وشخصيةً عامةً توزِّع صوتَها على قضايا كثيرة... ولقد كان سهيل إدريس ذلك كلَّه.
عبد الحقّ لبيض
أ- الحيّ اللاتيني: بحثٌ عن المغايرة في الكتابة والدلالة
يتوزّع فضاءُ الحيّ اللاتيني إلى ثلاثة أقسام، يؤطّرها تمهيدٌ وخاتمة. غير أنّ شخصية البطل تبقى إحدى العلامات المميّزة في سبك خيوط المحكيّ وتأثيث بنياته السردية. فمن سطح الباخرة التي تَمخر عبابَ البحر إلى باريس، ننفتح على فضاءٍ مكثّفٍ قابعٍ داخل وعي البطل. ومن خلال هذا الوعي تتعالق الأشياءُ، وبفضله تنتظم الحوافزُ المؤطِِّرةُ للوحدات السردية والمراقِِبة لتحوّلاتها في تيماتٍ خاصةٍ، لتَستكمل أشواطَ رحلةٍ مقلقةٍ إلى الضفة الأخرى من كينونة البطل التي تشغله أحلامُه المترقّبة للحظة التغيير.
إيلان پاپِهْ (ترجمة سماح إدريس)
هذه السنة سنةٌ تذكارية: إنّها الذكرى الستّون للنكبة، والحادية والأربعون للاحتلال [الإسرائيلي عامَ 1967]. وليس من حلٍّ منظورٍ لا لضحايا التطهير الإسرائيلي العرقي لفلسطين عامَ 1948، ولا للخاضعين لاحتلالٍ قاسٍ في الضفة الغربية وقطاع غزّة.
روني كاسريلز (ترجمة سماح إدريس)
نَبَع الحافزُ إلى حملة المقاطعة العالمية لجنوب أفريقيا الأپارتهادية من نجاحات مقاطعاتنا الداخلية المحلّية المبكّرة. وقد اتُّخذتْ هذه الأخيرةُ جزءًا من المقاومة الشعبية لقوانين العزل العنصري، وهي مقاومةٌ ارتبطتْ بـ "حملة التحدّي" في الخمسينيات، وكانت حملةُ مقاطعة البطاطا مثالاً عليها. هذه المقاطعة استَهْدفتْ مزارعي البطاطا البِيضَ، الذين كانوا يَسْتخدمون مُنتهِكي قوانين المرور من السُّود ـ أولئك الذين تحدَّوْا قوانينَ المرور البغيضة [من منطقةٍ إلى أخرى] ـ للعمل في مزارعهم، فيُخْضعونهم للذّلّ اليومي والضربِ بل والموتِ أيضًا.
إصلاح جاد
أقدِّم هنا تلخيصًا لرحلة مضيتُ فيها داخل نفسي، حول كيفية التعامل مع الطرف الإسرائيلي المحتلّ. وأودّ أن أُشْرك القرَّاءَ فيها لما قد تَحْمله من إفادةٍ لآخرين في موقعي نفسِه.
أنا مصرية من جيل عبد الناصر، فكريّاً وسياسيّاً. وبعد هزيمة 1967، تحوّلتُ إلى اليسار الراديكالي المصري، وشاركتُ في الحركة الطلاّبية المصرية عاميْ 1971 و1972. تزوّجتُ من فلسطيني، وانتقلتُ للعيش في مدينة البيرة/رام اللَّه عامَ 1979. وقد جاء قرارُ انتقالي بناءً على طلب حَمِي، عبد الجواد صالح، مؤسِّسِ الجبهة الوطنية الفلسطينية عامَ 1972 والمبعَدِ عن بيته ووطنه منذ عام 1973؛ إذ جاء لرؤيتنا، أنا وزوجي، في باريس بعد انتهائنا من دراسة الماجستير، وكنّا على وشك التسجيل للدكتوراه، فعاجَلَنا بطلبه: "بإمكانكما إنهاءُ الدكتوراه فيما بعد. زوجتي بعيدةٌ عنِّي منذ ستّ سنوات، ومن حقِّها الانضمامُ إليَّ مع طفليْنا الصغيريْن. الكبار ممنوعون من السفر، ويحتاجون إلى مَنْ يكون معهم في البيت."