تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
سماح إدريس
كُتب الكثيرُ عن سهيل إدريس ومجلّة الآداب. أريد اليومَ أن أكتفي بالتحدّث قليلاً عن موقع الآداب في نفس سهيل إدريس، وعن علاقتي به بعد أن "خَلَعَها" عليَّ في نهاية العام 1991 متوقّعًا ومتوهِّمًا وطامعًا في أن يكون جسمي "لبّيسًا." مجلةُ الآداب هي أعزُّ نتاجٍ من نتاجات سهيل الثقافي. ففيها يندمج حبُّه للغة العربية، بالتزامِه السياسي، ودفاعِه عن حرية التعبير، وعشقِه للترجمة، وآرائِه الصارمةِ في الشعر، وشغفِه بتقديم الجديد دومًا، وتشجيع المواهب الشابّة، وسعيِه إلى المعارك، وهيامِه بمقارعة الأنظمة. إنّها، في ما أرى، جماعُ مواهبه، وآرائه، وطموحاته. وهي، أيضًا، المثقفُ الجمْعيّ: المنبرُ الذي يُصْدره فردٌ ليعبِّرَ فيه عن روحِ فئةٍ متوثِّبةٍ إلى التغيير الأكمل، المنبثقِِ من فهمٍ واعٍ ونقديّ للتراث.
وفي الآداب تتجلّى صورُ المثقف الذي كانه سهيل: إنَّه مثقفٌ حيٌّ، مندمجٌ بمجتمعه، محبَطٌ بهزائمه، منتشٍ بانتصاراته، واعِدٌ بتطوّره. إنَّها صوتُ سهيل إدريس حين يعلو، وصوتُه حين يَضْعف، وصوتُه حين يتلعثم، وصوتُه حين يَشْعر أنّ الصمتَ جريمة.
من هنا نَفْهم لماذا رَفَضَ سهيل أن يُغلق الآداب رغم كلّ الخسائر الماديّة، ورغم أنَّها جَنَتْ على مستقبله روائيّاً وقصّاصًا كبيرًا، ورغم الرقابة والتمزيق بل والطّحنِ أحيانًا (نعم، في أحد البلاد العربية، تمّ طحنُ مجلة الآداب مع بعض كتب دار الآداب، وهي طريقةٌ مبتكرةٌ في تدوير أوْ "رَسْكَلَة" الورق القديم بهدف استخدامه في مجالاتٍ "أنفع" كتحبير برقيّات الإشادة بالمستبدّ العربي العادل). وكان ذلك الإصرارُ على مواصلة الآداب يقترب من حدود "التيْسنة" ـ وهي مفردةٌ لم يكن سهيل يَخْجل من تردادها في مجالسه الخاصّة بلا أدنى سخرية: فقد آمن، بعمقٍ، أنّ التيسنةَ اليومَ ضروريّةٌ للحياة في عالم الزيف والاحتلالِ والرجعيةِ والقمعِ وغسيلِ الأموال، وفي عالمِ الخنوعِ لما يسمّى بـ "الواقعية" التي هي اسمٌ ملطَّفٌ مخفَّف للاستسلام.
* * *
حين كنتُ في السادسة عشرة من عمري طلب إليَّ أبي أن أكتبَ شيئًا عن مجلة الآداب في عيد يوبيلها الفضيّ. يومَها، كتبتُ في المجلة مقالةً صغيرةً، تافهةً إلى حدٍّ كبير، تليق بفتًى مغمورٍ ظَنَّ أنّ تكليفَ كاتبٍ كبيرٍ إيّاهُ بالكتابة دليلٌ على موهبته ومستقبله الواعد. إلا أنّ عنوانَ تلك المقالة التافهة كان وحده، على الأرجح، غيرَ تافه: "أختنا الكبرى." نعم، كانت الآداب طوال حياتي أختي الكبرى (بالإذن من رائدة)، تُقاسِمُ أفرادَ العائلة الإفطارَ والغداءَ والعشاءَ وأحاديثَ الأحد والأماسي. همُّها كان كهمِّ أيِّ واحدٍ منّا، وربّما حَظِيتْ أحيانًا برعايةِ سهيل أكثرَ ممّا كان يحظى به إخوتُها الصِّغار. كم سهرةٍ تغلَّبَ فيها نبأُُ منع الآداب على نبإ إنجازاتنا وإخفاقاتنا في المدرسة! تصحيحُ سهيل لِـمَلازم الآداب أو المقالات كان يتمّ على طاولة الطعام، وفي المطبخ، وفي السرير، وبين دَرْسِِ حسابٍ و"تسميعِ" مفردات.
لكنّ أبي، وهو ما لم أدركْه إلاّ بعد سنواتٍ طويلة، كان، بمكرٍ، يخطِّط لشيءٍ ما من وراء مماهاة حياتنا بمجلة الآداب. وتحديدًا، كان سهيل يحاول، بتلذُّذٍ وانتشاءٍ مليئيْن بحسّ المؤامرة، أن يُغطِّسَني في لُـجج هذه المجلة، وإنْ في عزّ تذمُّرِه أمامنا من مشاكلها المادية والسياسية والشخصية.
وهكذا صارت الآداب، بالنسبة إليَّ، ذلك الوجعَ، أو ذلك الوَخزَ، الذي لا تأتي النشوةُ من دونهما.
غريبٌ أنتَ يا أبي: كيف استطعتَ، بخبثٍ يتصنّع البراءةَ، وببراءةٍ تستبطن الخبثَ، أن تَدْفَعَني في مغامرة الآداب؟! حتّى إذا تحقّقتْ براءتُكَ الخبيثة، وألفيْتُني رئيسًا للتحرير، أتقلَّبُ بين تذمّرٍ يفُوق تذمُّرَكَ ونشوةٍ تَفُوق نشوَتكَ، ابتسمتَ ونظرتَ إليّ وأنتَ تقول كالحملِ الوديع (أو "المتوادع"):
"شِفِتْ يا سمّوحة؟ لن تستطيعَ من الآداب فِكاكًا!"
* * *
لم يكن يمضي أسبوعٌ، وأحيانًا يومٌ، لم أناقشْ فيه أبي بجدوى مواصلة إصدار هذه المجلة: فالخسائرُ تتراكم، والقرّاءُ يتراجعون، ومجلاّتُ النفط وجرائدُها ومَلاحقُها اشترت المثقفين، والرقاباتُ تزداد استئسادًا وتنمُّرًا على المنابر الحرّة رغمَ ما يُحكى زُورًا عن "القرية الكونية" المفتوحةِ الخاليةِ من الرقابات وسواطير القمع، واللغةُ العربية نفسُها باتت لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الشباب (في لبنان بشكلٍ خاصّ) مرادفةً للإيديولوجيا والمَلَل. لكنّك كنتَ دائمًا متفائلاً يا أبي بأنّ الضيقَ سيزول، وبأنّ بَعْد العُسْر يسرًا، وبأنه "لن يصحّ إلاّ الصحيح." وكان أَمَلُكَ يتعاظم يومًا بعد يومًا، مع أنّ المجلة تَخْسَر أكثرَ فأكثرَ يومًا بعد يوم.
لم أُشاركْه، لحظةًً، التفاؤلَ بالمستقبل، ولا حتميّةَ انبلاج الصباح. وكنتُ أقول له دومًا إنّ الآداب لن تستطيع الاستمرارَ بهذه الإمكانيات الضئيلة، وبهذا الطاقَمِ المهنيّ الهزيل، وبثلاثة مراسلين لا غير، وبنظامٍ بريديّ يُضيع من النُّسخ أكثرَ مما يُوصِل!... إلى أن اعترَف ذاتَ لحظةٍ قاسيةٍ بأنَّني أَبْذل من الجهد والوقت أضعافَ أضعاف ما تأتي به الآداب من نتائج. عندها سررتُ: لقد هزمتُكَ يا أبي. الآداب لن تستطيع الاستمرارَ. سأُغلقها الشهرَ القادم...
ثم يأتي الشهرُ القادم، فأجدُني منكبّاً على عددٍ جديد، موسِّعًا دائرةَ اتصالاتي بالكتّاب، مطوِّرًا مَحَاوري وملفّاتي، بل وزائدًا عددَ صفحاتي أحيانًا. وكنتُ أَدْفع بكلّ عددٍ إلى المطبعة وأنامُ مفتَّحَ العينين ساعاتٍ بطولها، لا بانتظارِ خروجه من المطبعة، بل بانتظار هاتفِ أبي قبل صياح الديك، يقول لي صبيحةَ صدورِ العدد، بعد أن يكون قد أمضى هزيعًا من الليل في تصفّحه أو قراءته، ودمعُه يَخْنق صوتَه:
ـ سماح، يلعن دينَكْ على هالعدد!
وهكذا، صار كلُّ عددٍ هديّتي إلى سهيل. كنتَ قارئي الأوَّلَ يا أبي، وتبقى رغم الموت قارئي الأول.
* * *
واليومَ، يا أبي، أراكَ تنظر إليّ معتذرًا: لقد ورّطتُكَ يا ابني. قتلتُ طموحَكَ إلى الكتابة أو التدريس أو ما شئتَ. أرهقتُكَ بالخسائر. ولأنَّني أردُتكَ دومًا، يا ابني، صوتًا صارخًا في البريّة، ها أنا ذا أجرجركَ إلى المحاكم لتواجِهَ مثقّفي السلطان ووكلاء الزمن المتعفّن.
فأردُّ يا أبي بأنّ ما خَلَعْتَهُ عليَّ ثقيلٌ، وثقيلٌ جدّاً، ولكنّه يُشْعرني ويُشْعر عائلتكَ وكلَّ أحبّائكَ بشرفِ الحياة وقيمةِ الموقف.
بيروت