5- مهرجان مناعة ضد الوطنية العراقية

الديموقراطية للاحتلال والحكم الذاتي للعراق

الجنرال عون ضدّ بول شاوول. هوشيار زيباري يجرّد النائبَ العراقي سامي العسكري، مستشارَ رئيس الوزراء العراقي، من لقبه المحبّب لعدة أياّم بتهديده قضائيّاً. نرمين المفتي تقف أمام القضاء الثقافي الكردي. الحكومة المصرية ضدّ معدّة قناة «الجزيرة» الفضائية هويدا طه. فخري كريم ضدّ سماح إدريس! هل أضحى القضاءُ لعبةَ السياسيين، ويدَهم الطويلة التي يلوون بها أعناقَ من لا يستطيعون وضعهم في قبضاتهم؟

ستتّسع القائمة لأنّ المشكلة ليست في السياسي الذي استحوذ على الأرض كلّها، بل إنّ خور ذات المثقف وهشاشتَها وتمزقََها هي التي جعلت السياسي يتمادى فيمدّ مخالبَه لكي يستولي على فضاء الفكر والأدب. هنا يكون المثقف، لا السياسي، هو المدان. "ميثاق شرف" التضامن مع مجلة الآداب في وجه الدعوى التي رفعها فخري كريم جذب في المقام الأول كتلة الأخبار والآداب، وبيان الحياة للتضامن مع بول شاوول جذب فريق النهار والمستقبل. وهم يدركون جميعًا أنّ مبادئ الشرف المهني والثقافي تتجاوز حدودَ الاتفاق والاختلاف حول سياسة الجنرال عون أو الجنرال طالباني أو " كبير مستشاري" الجنرالين، وهي أرحبُ وأنزهُ وأبقى من مواثيق التحالفات السياسية الأنانيّة الوقتية.
خلف دعوى" كبير مستشاري الرئيس" هرع كثيرون ممن حضروا مهرجان المدى وأسرعوا الى وضع تواقيعهم. المثقف الهشّ يصطفّ خلف المكان، خلف المقعد الذي يجلس عليه، خلف حزب "من حضر ومن لم يحضر،" لا خلف مبادئ العقل والضمير! لهذا السبب وجد السياسيون الغانمون ضالّتَهم في القضاء، جاعلين منه ساحةً لتمديد سلطانهم وطغيانهم ووسيلةً لتخويف منتقديهم وإخفاء عوراتهم، بدلاً من أن يجعلوا القضاء ميدانًا نزيهًا، محايدًا، إنسانيّاً، لنصرة مستضعف، وساحةً مقدسةً للدفاع عن حقٍ منتهك.
حينما يسيء المثقف استخدامَ اسمه، واستخدامَ حقه في اختيار مبادئه، يتحتّم على السياسي استغلال هذا الخلل الثقافي العضوي لصالحه.
لا لوم على عون أو فخري أو هوشيار. اللوم كلّه يقع على عاتق شاعر أو صحافي أو فنان يذهب إلى محفل ثقافي ويغرق في ثقافة تبرير الأخطاء السياسية باسم "إنجاح نشاط" ثقافي معين، في حين أنّ المقياس الوحيد لنجاح نشاط ثقافي يكمن في تحرّره من عبودية الآخر، المشتري، وفي مقدرته على حمل قضايا الفن والجمال والحق بصدق ونزاهة. اللوم كلّه يقع على صحفي يذهب الى أرض محتلة من قبل الأميركان أو الأتراك أو غيرهم ولا يدين أو يهمس بوجود "نشاطٍ" يهدّد مستقبلَ شعبه ووطنه ووجودهما.

إنّ كشف وحشية الجريمة غايةٌ سامية، بصرف النظرعمن يرتكبها. والتستر الدعائي على الجريمة غايةَ شرّيرة، بصرف النظر عمن يقوم بها. وهذا ينطبق على مشروع المدى كله. أما كان اَولى برئيس مؤسسة المدى أن يقيم دعواه على منتهكي حرمة مؤسسته؟ ولكن إلى أيّ قضاء "حرّ" سيقدّم دعواه؟ وهل يحق للعبد أن يشكو سيدَه؟! (هنا تكمن نقطة خلافي مع تعابيرعباس بيضون عن "الأرض الحرّة" و"المهرجان الحرّ"ّ)
هل من مجيب؟
نعم، هناك من يجيب بصوت مهرجانيّ عال. الدكتور ديندار زيباري، منسّق حكومة إقليم كردستان في الأمم المتحدة، يجيب عن هذه الأسئلة في مؤتمر صحفي ينتقد فيه تقريرَ الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في مناطق الحكم الكردي قائلاً: "...نحن نؤكد بأنّ القضايا الخاصة بالصحفيين ما هي إلا مسائل قضائية ليس للحكومة دور فيها... كان من المفروض بالتقرير أن يذكُر الخطوات الإيجابية التي قامت بها حكومةُ كردستان بخصوص حرية الصحافة وتحسين أوضاع السجون."
أهيئة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة جزء من "أيتام صدام،" فلا يُؤخذ بانتقاداتها وملاحظاتها؟
لماذا تثير مقالةٌ واحدةٌ ]افتتاحية سماح إدريس[ كلَّ هذا النشاط الإعلامي (الثقافي) في وطن يستباح من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، ومن سمائه إلى جوفه، ولا أحد يتضامن معه أو يبكي عليه أو يستمع إلى أنينه؟ ما الذي يستفزّ روحَ المثقف ويحفّز أعماقه؟ أحقّاً أن فخري أكبر من العراق؟
لهذا السبب يُذبح وطنُنا من الوريد إلى الوريد على يد كلّ عابر سبيل. ولهذا السبب الأناني يسوقنا القتلةُ من حرب إلى حرب، مثل قطيع من الخراف المصابة بـ "الثول"!
ثقافة أم سياسة: بيضة فخري أم دجاجة البارزاني؟

في الدعوى التي أقامها فخري كريم على مجلة الآداب جرى تثبيتُ علاقة الثقافة بالسياسة في عدد من الفقرات القضائية. وحينما نقرأ هذه الفقرات مجتمعةً نجد أنها تصلح لأن تكون معيارًا تقويميّاً يحدّد محتوى الجدل حول محاكمة المثقفين، ويحسم الخلافَ حول تركة مؤسسة المدى "الثقافية" ومحتواها وطبيعتها الملتبسة والمريبة.
لقد كان في استطاعة المشتكي أن يكتفي بالتهم الثلاث: "الذمّ والقدح والشتم." لكنه آثر أن يضيف إليها جريمة رقابية، على "أساس" قضائي، تتعلق بتدنيس شرف القانون الحكومي وسلطة رقابة المطبوعات اللبناني! هنا يتحوّل "الديمقراطيون" العراقيون إلى شرطة رقابية إقليمية، وإلى رقيب على الرقيب. ولو جوّزنا لهم ذلك تسامحًا أو مزاحًا، فكيف يمكن تجويزُ هذا الفصل الغريب بين السياسة والثقافة، الذي هو العصب الحسّاس المسيِّّر للعقل الثقافي العرقي والعشائري؟! كيف جرؤ هذا العقل وأنتج هذه المزحةَ الرقابيةَ البليدة؟ أهو دليلُ تحولٍ من معارضة إلى دولة، أم أنه احتيالٌ ساذجٌ على سلطة المثقف الرّثّ؟
تقول الدعوى: "2- بما أنّ الآداب مجلة ثقافية كما تقدّم نفسَها وكما هو ترخيصها، أي مجلة غير سياسية؛ وبما أنّ المادة 13 من قانون المطبوعات، للرسم الاشتراعي رقم 104 – 1977، تنصّ على أنه "لا يجوز للمطبوعات غير السياسية أن تنشر أبحاثًا وأخبارًا أو رسومًا أو تعليقات ذاتَ صبغة سياسية"؛ على هذا الأساس تكون مجلة الآداب في افتتاحيتها التي كتبها صاحبُها ورئيسُ تحريرها السيد سماح إدريس تحت عنوان "نقد الوعي النقدي: كردستان العراق نموذجًا" قد خالفت قانونَ المطبوعات لأنها نشرت مقالاً سياسيّاً تجاوز حتى البحث السياسي الرصين إلى أنواع شتّى من الذمّ والقدح والشتم السياسي البعيد عن الموضوعية والنقد المباح. 3- أما المخالفة الثانية لقانون المطبوعات التي ارتكبتها مجلةُ الآداب الثقافية غير السياسية، فهي تعرّضُ مقال السيد سماح إدريس إلى رئيس الجمهورية العراقية السيد جلال الطالباني واتهامُه..."
في هذا النص القانوني يتم تشخيصُ الخطر على أنه عدوان ظالم من قِبل الثقافة على السياسة. ذلك لأنّ المساس بالسياسة من قِبل الثقافة جريمةٌ تخالف القانون، في نظر القيادات العرقيّة الحاكمة في العراق. إنّ القبول بهذه الحجج القضائية لا يعني سوى أمر واحد: أن تُساق إلى المحاكم الصحفُ والمواقعُ الثقافية كلُّها، وأولُها المواقعُ الثقافيةُ التابعة للقيادات الكردية الحاكمة!
الفصل القسري بين الثقافة والسياسة، وربطُه بقانون المطبوعات وقوانين الرقابة الحكومية، تطورٌ جديدٌ في أساليب القمع الثقافي، أخذنا نراه في السنوات الأخيرة على أيادي حكّام المدن الدول الكردية ومستشاريهم. وقد استُخدم ضدّ كتّاب وصحافيين "خلطوا السياسة بالأدب"... باستثناء الذين خلطوها لمصلحة القيادات العرقية والعشائرية الحاكمة: فأولئك لا تسري عليهم جرائمُ الاختلاط الثقافي وقوانينُ الرقابة والمطبوعات. أهذا ما يريد المشروعُ "الديموقراطي" الثقافي العرقي قولَه؟
نعم، هذا ما نريده. هكذا يجيب قادةُ الميليشيات العرقية وأنصارُهم. فلنتأمل الأجوبة مأخوذةً من أفواههم مباشرة. يقول عبد الرزاق الصافي لـ المدى:
"إنّ مشاركة سياسيين في مهرجان المدى الثقافي تعكس الاهتمام بهذا المهرجان وبالرسالة التي يقوم بها في توحيد وجهات نظر مختلف شرائح الشعب تجاه القضايا التي تواجه الوطن. ولا حاجة للتأكيد على دور كل من هاتين الشريحتين (السياسية والثقافية) في النضال السابق للخلاص من النظام الديكتاتوري وفي رسم آفاق تطور العراق في المستقبل..."
أما وزير الموارد المائية فيقول على هامش المهرجان الخامس لـ المدى:
"إنّ على المثقف والسياسي العمل معًا من أجل تحسين الأوضاع في العراق...انّ المواطن العراقي، ونتيجةً للظروف الاستثنائية التي يمرّ بها العراق، أصبح يتدخّل في كل تفاصيل السياسة، ما سبّب ضغطاً على أداء السياسي العراقي...أعتقد أنّ على المثقف العراقي أن يعمل مع السياسي من أجل تحسين الوضع في العراق، وهذا جزء من واجبه لأنّ إدراكه للأمور أوسعُ من إدراك الفرد العادي الذي ما انفكّ يتوجّه للحكومة بمطالبه السياسية المتعددة."
إذن، المثقف مرتزق السلطة، كلبُها الوفيّ في مواجهة المواطن الشره الانتهازي! هكذا ترى القيادةُ العرقية الحرة دورَ المثقف في هذه "الظروف الاستثنائية." وهكذا تَرسم له آفاقَ التعاون المشترك... المباح.

ما أشكال التعاون المطلوبة من المثقف العراقي الآن؟ عن هذا يجيبنا قائدُ أعلى سلطة في كردستان مسعود البارزاني، في افتتاح مهرجان المدى، في كلمة ألقاها نيابةً عنه فاضل ميراني:
"قد لا تقرأون لافتة عربية مرفوعة على مؤسساتنا الحكومية أو إشارات مرورية باللغة العربية، لكنكم لن تعثروا أيها الأصدقاء على أيّ مظهر يعكس ضعفَ محبتنا وشعورنا بالأخوّة والصداقة والمصير المشترك معكم. افلا يدلّل على ذلك أننا كنا دائماً نربط بين كفاحنا لنيل حقوقنا القومية بالكفاح العربي الكردي المشترك لتحقيق الديمقراطية؟"
بئس الدليل، وبئس الأخوّة الثقافية!
"... ومن حقنا ان نتساءل معًا (لماذا معًا؟ كيف تخلط السياسي بالثقافي؟): أهو تعجيز أيها الإخوة المثقفون...، أن نطالب برفع الحيف الذي لحق بشعبنا، وإعادة الامور إلى ما كانت عليه، قبل ان يعمد النظام السابق إلى شنّ حملة الإبادة والتهجير والتغيير السكاني لطابع وهوية مدن وقصبات كردستانية دائماً؟..أمن التعجير في شيء أن نطالب على سبيل المثال بالاعتماد على استفتاء ديمقراطي نزيه وحر لتقرير مصير مدينة عراقية كردستانية الهوية، مثل كركوك، بعد تطبيعها؟ أليس من حقنا ان نطالب بتجنّب أيّ تدخل في شؤون إقليمنا، مثلما نعلن التزامنا بكل مسؤولية عدم التدخل في شؤون الآخرين جيرانأ كانوا أم جوارًا ابعد؟ لن أواصل الاستطراد في السياسة، لكي لا أدع تداعياتها تضعف مناعاتكم الثقافية وأنتم مقبلون على أسبوع من النقاش وتبادل الرأي والمساجلات الديمقراطية..."
أيها المثقف العراقي، أيها الأجنبي الغريب في وطنك، يا بن الجيران "الآخرين": حينما كنت تمارس فرحك في مهرجان المدى، كانت كركوك وسهل نينوى، وستظلان، هدفًا مباشرًا للمعركة الدائرة خلف أسوار المهرجان. ونسألكم: هل "الإلحاق" و"ردّ الكيد إلى النحر" وتمزيق الوطن ونهبه هدف سياسي، أم أنه "مناعة" أدبية خالصة ومهرجان ثقافي محض؟
### ### ###
"قد تكون ذمةُ فخري كريم نظيفة وقد لا تكون. لكن المشكلة ليست هنا. ليست في الشخص نفسه." هذا الاستنتاج ورد في سياق الدفاع عن فخري كريم، نُشر في الحياة في 10/2/2008 بقلم دلال البزري، وأعيد نشره على صفحات المدى نفسها.
أين المشكلة إذن، إذا لم تكن في "نظافة الذمّة"؟
إنّ مؤسسات الثقافة المشوّهة، التي تخلط خلطا هجينًا بين قيم العشيرة والعصرية، بين الحرية والاحتلال، بين الديموقراطية والفساد، بين نقاوة الضمير وعفونته، هي الحواضن البشرية الوحيدة التي تمنح السياسيين والمثقفين حقَّ التباهي علناً بوساخة ذممهم!
بعضُ الكتّاب العرب برّر للطاغية طغيانَه بالطريقة ذاتها. لم تكن المشكلة لديهم في استبداده وصلفه وحمقه، بل ولا في شخصه. ذلك أنّ الجور والمحارق ونهب الثروات لا َتنزع من المستبدّ صفته كرمز أعلى للسيادة الوطنية. لذلك لم يكن "المساس" بتلك السيادة شرعيّاً، كما تنصّ الفقرتان الأولى والثالثة من المادة السادسة عشرة من قانون رقابة المطبوعات العراقي، المعمول به في زمن الطاغية!

والآن، كيف تناقََش قضايا الطغيان والنهب وعدم "نظافة الذمة"؟ بأية وسيلة؟ وضمن أيّ باب من أبواب الحرية أو المسؤولية الثقافية؟
لا سبيل إلى مناقشة ذلك. لقد أضحى عدمُ "المساس" بصاحب مؤسسة الحكم والمال قدرًا ثقافيّاً خالصًا، قانونًا مقدّسًا يتوارثه السياسيّون الحاكمون وخَدَمُهم الثقافيون. إن أبرز ما يميّز ملامحَ المثقف الأناني، المتماهي مع الذات السلطوية الشريرة، هو أنه حينما تزيح قناعَه عن رأسه لا تجد له وجهًا!
وهذا هو ملخّص القضية كلها، قضية فخري كريم أو غيرِه من زعماء المافيات وقطاع الطرق الثقافية الصغار والكبار.

السويد