4- التعبئة نهجًا، أو تعميم الشر

"القتلة، الذين ذبحوا أحلامَنا البريئة،
نعرفهم فردًا فردًا.
حين تحين الساعة،
سنبطش بهم واحدًا واحدًا:
سنجمعهم كلّهم في قبضاتنا،
ونرفع أياديَنا عاليًا في مهبّ الريح العاتية،
ثم نفتح أكفّنا."

في تلك الأيام تحديدًا، انقلب السحرُ كلُّه على السَّحَرة كلهم: سحرُ الإيديولوجيات واليوتوبيات، وسحرُ الماضي البطولي، وسحرُ الزهو بشهداء معاداة الإمبريالية. قبل تلك الساعات كان سعدي يوسف مثلاً يوصف من قِبل شيوعيّي المؤتمر الوطني بأنه "الشاعر السوفيتي" و"آخر الديناصورات الشيوعية." بعد ذلك النهار فحسب، غدا سعدي، بطرفة عين، ربيبَ الديكتاتور. أما شيوعيو المشروع الأميركي الجدد فقد أبدلوا بسعدي رفيقَي دربٍ جديدين، بريمر ورامسفيلد، اللذين تربطهما بالشعب العراقي "لحظةُ التقاء وتوافق تاريخية" و"مصالح مشتركة" تهدف إلى تحقيق حلم الكادحين العراقيين بوطن حرّ وشعب سعيد!

بأيّ معايير أخلاقية وسياسية تقاس المبادئ والقيمُ الوطنية؟ ما الفرق بين لمّة فرح ولمّة استباحة وتضليل؟
عن هذه الأسئلة يجيبنا عبد الرزّاق الصافي في آخر مدائحه: "...أذكّر بنهارات المدى، التي كان من بينها رعايةُ الزواج الجماعي لمئة وأربعين شابّاًً وشابة، وتكفّلُها بجميع نفقاته، وتسميتُه بـ "لمّة فرح" أشاعت الفرحة في بغداد المبتلاة بجرائم الإرهابيين من أنصار تنظيم القاعدة وأيتام نظام صدّام حسين." ها نحن نعود إلى مبادئ الواقعية السحرية في الأدب والفنّ والصحافة، التي ظلت حتى قيام الاحتلال الأميركي للعراق تتهم كلَّ مَن يهرب من سلطتها بالغموض والترف البرجوازي. بعد الاحتلال يرسم المسؤول السابق عن تحرير صحيفة حزب الكادحين واقعَ بغداد المبتلاة، فينسى، لشدة بهجته، العناصرَ الإرهابية الواقعية التالية: قوات الاحتلال (عديدهم ربع مليون)، والمرتزقة الأجانب (عديدهم مئة وعشرون ألفًا)، والميليشيات المحلية والعرقية (لا يعرف عددَهم سوى الله)، والعصابات الخاصة، والحمايات الشخصية والحزبية (استعصى على المجلس الوطني نفسه تحديدُ عددهم وحجم مرتّباتهم). كيف يغبى على عقل ماركسي سليم هذا الجمعُ الكبيرُ من القتلة؟ أليس هؤلاء جزءًا من الواقع ومن أخطاره الممكنة؟ وتحت أيّ غطاء طُمرالإحساسُ بآلام الشعب؟ فعلى أنقاض الواقعية الاشتراكية في الأدب، يؤسِّس شيوعيو الاحتلال واقعيةَ المحاصصة في السياسة، وواقعيةً عمياءَ بضفافٍ كونكريتيةٍ في الأدب والفن!
إنّ فقدان المنطق يشمل كلَّ شيء في زمن الفوضى الخلاقة. فعلى سبيل المثال، كتب عبد الستّار ناصر مقالتين دفاعًا عن مهرجان المدى وصاحبه، نُشرتا معا في المدى. كانت إحداهما ردّاً على مقالة استهدفت شخصَه دون غيره من الكتاّب، أما مقالته الأولى فكان سبّاقةّ في الدفاع عن فخري، وفيها أنكر حقََّ سماح إدريس في أن "يفترض أو يتكهّن أو يعتقد أو يتوهّم أو يظنّ أو يشكّ أويرتاب." لكنّ المفاجأة الثقافية التي اجترحها رئيسُ المدى يجدها المرء في الملفّ الخاص بالدعوى التي رفعها ضدّ مجلة الآداب، إذ لم يحتوِ مقالتَي عبد الستار! مثل هذه الأفعال يصعب فهمها بيسر في مملكة فخري السحرية. ومثلُ هذه المصادفات السحرية قد تعطي للبعض الحقَّ في أن "يفترض أو يتكهّن أو يعتقد أو يتوهّم أو يظنّ أو يشكّ أو يرتاب." أليس كذلك يا عبد الستّار؟
على أنّ النقد الموجّه إلى المهرجان لم يكن وليدَ الوهم والظنّ والتكهّن والافتراض والشكّ والريبة،" بل كان مبنيّاًً على يقين صادق، هو يقين العراقيين المكتوين بنيران الهجمات العرقية. إذ حين كان المجتمعون في أربيل يواصلون "استمتاعهم الباذخ،" كان لفيف من المثقفين العراقيين يتعرّضون لنيران الحقد العرقيّ. ففي 15 أبريل2007 نشرت مواقعُ الانترنيت بيانًا "إلى الديمقراطيين حول مشكلة كركوك،" رافقته حملةُ جمع تواقيع وسعارٌ إعلاميٌّ أكدّ وجود "مؤامرة كبيرة" تحاك ضد المدينة، وأنّ التأخير في تنفيذ إلحاق كركوك بالإدارة الكردية "سيخلق ظروفًا معقدة وقد يؤدّي إلى نتائج كارثية، على عكس ما تروّج لها الدوائرُ الشوفينية والإقليمية." وتوعّد كتبةُ البيان الشعبَ العراقي بأنهم على أهبة الاستعداد لرد "الكيد الى النحر."
الى أية كارثة يذهبون؟ كيدُ مَن، ونحرُ مَن؟ لا يعرف المرء أكان المهرجانيون على علم ببيانات النحر والإلحاق والتهديد بالكوارث، التي سبقت أيام المهرجان ورافقتها وتلتها، أم أنّ ذلك حدث من وراء ظهورهم؟ وربما أعمت أبصارَهم ضخامةُ الحضور وحجمُ لمّة الفرح!
سيتبرّأ كثيرون من مشكلة كركوك ومن بيانات ردّ "الكيد إلى النحر" بدعوى الجهل والغفلة. لكنّ الثمن كان أكبر من هذا لأنّ الصحف العربية التي أرسلت مندوبيها إلى المهرجان رَفضت نشرَ آراء وطنية عراقية تردّ على مَن يهدّد الشعبَ العراقي بسلخ كركوك فورًا وبقطع النحور! أليس هذا ثمنًا مدفوعًا سلفًا في هيئة دعوة إلى مهرجان ثقافي؟
وقد يقول قائل نحن نجهل هذا. والجواب نعم، إنهم يجهلون كل شيء: يجهلون حروب صدّام، وأنفال صدّام، ومقابر صدّام، ويجهلون وجود قوات محتلة، ويجهلون وجود مشروع انفصالي، ويجهلون وجود أزمة في المجتمع العراقي تستوجب النقد بالكلمة بدلاً من السلاح والملاحقات والإقصاء. ولكن، لماذا يحشرون أنفسَهم في مهرجان للمثقفين إذا كانوا على هذا القدر من العمى الثقافي؟ وما معنى التشدّق بـ "العراق الجديد" والتباكي عليه؟
لنتأمل هذا الخراب الكبير:
يقول أحد المدافعين عن فخري كريم: "لن أتوقف أمام اتهامات افتتاحية الآداب ضد السيدين بارزاني وطالباني، لسببين. أولهما أنّ هذين السيدين رئيسا دولة وإقليم، وما تعلّمتُ في حياتي أن أدافع عن حكّام. والسبب الأخرهو أنّ باب هذا الموضوع لو فُتح فإنه سيكون أشبه بحفلات الزار التي نشاهدها في الفضائيات العربية: أنت خائن، فيرد الأخر: أخرس، أنت عميل..."
مما لا شكّ فيه أنّ التعففَ عن الاقتراب من موائد الحكّام حكمةٌ وفضيلةٌ. بيد أنّ التعفف عن نقد أخطائهم أو تبريرها، والتطوعَ في حملة التصدي لمنتقديها، لا يدخلان في باب الحكمة أو الفضيلة البتّة. فلا حكمة ولا فضيلة حينما ننكر وجودَ أنصار بواسل ذهبوا إلى الجبال البعيدة بنكرانِ ذات، وعفّةٍ حقيقية، وحبٍّ عارمٍ للوطن والحرية والإنسان، فتم "نحرُهم" من قبل ميليشيات غادرة، في حفلة إعدام جماعي لم يسلم منها سوى كريم أحمد وباني خيلاني، اللذين أُسرا، ثم أفرج عنهما بعد إذاعة بيان من صوت كردستان "يدين الاستفزازات التي قادت إلى وقوع حوادث مؤسفة." ولا كرامة لمواطن يُصنّف شهداء شعبه على أنهم "حفلات زار." إنهم شهداء رائعون، ورفاق مصير أوفياء، لم تزل الجبالُ تحتفظ برفاتهم، والصخورُ ملطّخةً بدمائهم، بعد ربع قرن على نحرهم. قتلى "بشت أشان" على يد قوات الطالباني، وقتلى الأنصارعلى يد قوات عيسى سوار التابعة للبارزاني، والكوادرُ الحزبية المرسلة إلى الداخل، والمنحورةُ في أوكار كردستان، وغيرُهم، ليسوا "حفلات زار" بل أرواح وطنية طاهرة. ألا يستحقون لمّة عطف في هيئة دعوى قضائية؟ ألا يُعتبر نحرُهم جريمةَ قذفٍ بحقّ الشعب كله؟ من يجرؤ على وضع اسمه على دعوى للتضامن مع تلك الكوكبة المضيئة؟
ولا نريد أن نتحدث عن آلاف الشهداء الكرد، شهداءِ "الاقتتال الداخلي"؛ فقد قام الكتُابُ الكردُ بفضح ذلك بشجاعة لا نستطيع مجاراتَهم فيها. لكننا نعيد على مسامع الصمّ البكم شريطَ الكلمات الذي يسجّل حفلة إعدام الشهيدة الأنصارية البطلة:
شابّة في ربيع العمر، تركت أهلََها، وبيتَها، وأحلامَها الفتيّة، وذهبت إلى الجبال البعيدة، لكي تقيم مدرسةً ومركزًا طبيّاً، وتحمل البندقيةَ دفاعًا عن الحرية التي أحبّتها. لكنها فوجئت، في ليلة ظلماء، بمن جاءت لنصرتهم يزغردون وهم يرون عصابات الطالباني يغتصبون جسدَها الفتيّ الجريح، ثم يُجهزون عليها بعدد من الطلقات. كان صراخُها يختلط بطلقاتهم وبزغاريد مشجّعيهم، كما تختلط الآن كلماتُ فخري بزغاريد مناصريه، كاتمةً صرخةً منطلقةً من فم جريح. وليتهم اكتفوا بذلك: فحينما فرغوا من جريمتهم، قاموا بتعليق صورة الشهيدة العراقية المنتهكة على واجهة صحيفة حزبية متواطئة ، يحرّرها أديبٌ كونكريتيّ، مصحوبةً بتوضيح يقول: "استُشهدت في أقبية الأمن العامة"! وما اكتفوا بهذا، بل راحوا ينعتون كلَّ مَن يذّكر الناسَ بشهداء المجزرة بـ "أيتام صدام" (ورد هذا التعبير في دفاع كريم أحمد، شريك الطالباني في جريمة بشتأشان).
كم شاعرًا مهرجانيّاً خلّد مأساةَ تلك المرأة العراقية المناضلة؟ كم مثقفًا وقف دقيقة صمتٍ أمام أسماء الذين نُحروا في أعالي الجبال ودُنّست أسماؤهم وجثثهم؟ ألا يستحقّ هؤلاء صورةً مرسومةً بالقلم أو بالفحم أو حتى بالسخام؟ ألا يستحقون تفعيلةً صغيرةً هاربة من قصيدة شاعر لم تسكره أفراحُ المهرجان؟ إنّ أيّ شيوعي شريف كان من الممكن أن يكون واحدًا من تلك الكوكبة المنحورة لو تصادف وجودُه في تلك اللحظة البربرية في ذلك الموقع المصبوغ بالدم والعاروالخيانة. أين أصدقاء كاظم طوفان؟ أين أصدقاء منتصر؟ أين أصدقاء عميدة؟ أين مثقفو الحقيقة؟ ماذا سيقول الكاتبُ والفنّانُ المتباكي على مهرجان فخري لأمهات الشهداء وأبنائهم؟
لا أحد يملك الحقّ في منع أحد أو انتقاد أحد بسبب حضور مهرجان. ولكنّ هنالك دينًا في أعناق الحاضرين: إذ حين تطأ أقدامُهم أرضَ كردستان "الديموقراطية الحرة،" عليهم أن يخصّصوا يومًا من أيام المهرجان القادم للبحث عن رفات الشهداء الأنصار الذين ذبحتهم العصاباتُ العرقيّة. وحين تشارك أديبة في "عرس الحرية" القادم، عليها أن تطلب من رئاسة المهرجان تخصيصَ ساعة واحدة للشهيدات النصيرات اللواتي ذُبحن على يد ميليشيات قادة المدن الدول الكردية. أمّا الشعراء والرسامون والممثلون فهم مطالبون بأن يجعلوا مغارةَ أعدام الشهيد منتصر لمّةَ حزنٍ تاريخي تذكّر بقتلةٍ ما انفكّوا يتحكّمون بمصير شعب. لا تدعوا الغرباءَ "غير العراقيين" يَحملون نيابةً عنكم مسؤوليةَ هذه الأمانة! إنها أمانة يضعها آباءُ الضحايا وأبناؤهم وبناتُهم في أعناقكم. تكفّلوا أنتم بطرحها في مهرجان المدى القادم! أضيفوا إليها الأسئلة المتعلقة باستخدام الثقافة واجهةً لمحو تاريخٍٍ إجراميّ كامل، ووسيلةً لتمرير مشروع تمزيق الوطن.
يقول أحدُ كتّاب التعبئة الحربية الرخيصة: "أغاظتهم الوردةُ العراقية المتفتّحة للتوّ. أغاظهم مهرجانُ ثقافة عراقي عُقِدَ في أربيل... وأبكاهم حضورُ المثقفين من جهاتِ الارض كلّها وهو يخوض في بحر ثقافةٍ جديدة ٍ، ثقافة الهواء العليل..." هكذا يصوّر كتّابُ التعبئة السابقون الواقعَ العراقي الجديد، فيبدو العراق لمّةَ فرح، بالضبط كما كان جنودُ الكاتب نفسه يذهبون إلى القادسيات في لمّة فرح. إنها الأفراح العدوانية المتوارثة وما يرافقها من مشاعر مزيفة. في أية لمّة يضع رئيسُ مؤسسة المدى آلافَ الرؤوس المقطوعة؟ ما أصدقَ أدبَ التعبئة في أكاذيبه وجرائمه الأخلاقية! إنّ وردة المدى التي يتحدّثون عنها هي ذاتُها التي رُسمت على غلاف قصص الحرب العراقية-الإيرانية، ومَنحت كتّابَها شرفًا ظلّوا يتباهون به زمنًا في عهود الزهو الحربي الجميل. كان جنود ناقلات الإيفا يتضاحكون في لمّة فرح وهم يسيرون إلى قبورهم الجماعية، وكان السيد العريف ينظر من كوّة دبّابته إلى المستقبل العراقي المنير، كما يفعل الآن شاكر النابلسي ومبيضين وحازم صاغية وغيرُهم! لا نريد أن نلوم أحدًا على تاريخٍ مضى، ولكنّ التسامح مع الآخرين شرط أساسي من شروط التصالح مع الذات والحياة. دعوا زهرةً أخرى تتفتح، زهرةً أقلَّ ذبولاً وبشاعةً من زهرة النفاق التي يهبها التعبويون للطغاة في كلّ الحقب!
إنّ الخطر الأعظم الذي يهدّد الثقافة هو استغلالُها لتأصيل نوازع الشرّ والإذلال والعنف في ذات المثقف والمجتمع. في دفاع كتّاب التعبئة عن فخري نكتشف أمرين خطيرين. أولهما أنّ التعبوي يوظّف مواهبه لصالح مشترٍ جديد، ولنصرة معركةٍ تعبوية جديدة. وثانيهما أنّه يوظّف هذه المواهب لمصلحة استمرار حروبه وخلافاته وللدفاع عن مملكته الشريرة. وهذا يعني أنّ المجتمع العراقي لم يفد كثيرًا من تجربة قيام الديكتاتورية وسقوطها، ولم تنضج فيه بعد مقوِّماتُ بناء مجتمع خالٍ من العنف المباشر والسلوك العقلي والروحي المصاحِب والمتمّم للعنف. هنا يكمن الخطر: حينما تتحول الثقافة ومؤسساتُها إلى خط سير تاريخي ناقل، يحمل من جيل إلى جيل ميولَ الخراب الروحي والانحطاط النفسي وما يلازمها من نوازع الاستكلاب السياسي والاجتماعي والثقافي.
تحت سماء محتلة تعيش ثقافةُ العنف والخراب أبهى مواسمها!