تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
يقول عبد الرزّاق الصافي: "إنّ التهجّم على هذه المؤسسة ومؤسِّسها ورئيسها وعلى نشاطاتها، ومن بينها مهرجانها الثقافي، إنما هو جزء من التهجّم الظالم على العراق الجديد" (موقع المدى، 3 شباط 2008). لماذا؟ أحقّاً أنّ "العراق الجديد" على هذه الدرجة من الرخص والصغر؟ نعم، إنّ عراق اللصوص والقتلة والانتهازيين صغيرٌ كنفوسهم وعقولهم.
في 27 نوفمبر2002 كتب الصافي مقالة حماسية فنّد فيها آراءَ الشيوعي الصدّامي المتأمرك عزيز الحاج، الذي اتّهم معارضي الحرب واليسارَ الأوروبي كلَّه بأنهم "عملاء صدام." قال الصافي: "إننا نعتقد انّ فرقًا كبيرًا بين أن تتفق أطرافُ المعارضة العراقية على مشروع وطني ديمقراطي للتغيير وتطلبَ دعمًا خارجيّاً لتحقيقه من المجتمع الدولي ممثَّلاً بالأمم المتحدة بما فيها أميركا؛ وبين أن تتولّى الولاياتُ المتحدة الأميركية وبريطانيا تحقيقَ التغييرعن طريق الحرب، وتعطيَ لأطراف المعارضة دورَ تهيئة الغطاء لهذه الحرب وتبريرها رغم ما يمكن أن تَحمله من أخطار وما تجلبه من دمار لا يعرف أحدٌ مداه وتسمّيه الثمن الباهظ الذي يمكن ان يدفعه شعبنا "ببعض الآلام" على حدّ تعبير عزيز الحاج" (الشرق الأوسط، 27 نوفمبر2002). وقبل شهر واحد فقط على انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة، حدّد الحزبُ الشيوعي العراقي، على لسان الناطق باسم الحزب في بريطانيا، صبحي الجميلي، موقفَ الحزب من الحرب والاحتلال: "ندّد الجميلي بسيناريوات الاحتلال والغزو والحكم العسكري التي وردت في وسائل الإعلام الأميركية. وندّد بنيّات واشنطن للهيمنة والسيطرة على المنطقة وثرواتها النفطية، وقال: "التغيير مهمةُ جماهير شعبنا وقواه الوطنية وقواته المسلحة بقيادة تحالفٍ واسعٍ يستند إلى برنامج وطني ديموقراطي ينطلق قبل كلّ شيء من تأمين مصالح شعبنا واستقلالية قراره السياسي"" (الحياة، 12-11-2002).
ولكن في منتصف ديسمبر2002، انسلّ الشيوعيون خفيةً تحت عباءة عرقية و"لبرالية" إلى مؤتمر لندن للمعارضة، المنعقد برعاية المخابرات الأميركية. في هذا المؤتمر تمّ الإعلانُ الصريح عن حسم الخيار بواسطة الحرب وعزم القوات الأميركية على إدارة البلاد إدارةً مباشرة، أي احتلاله؛ يقول زلماي خليل زاد، الرئيسُ الحقيقي لمؤتمر لندن، على هامش أعمال المؤتمر: "الولايات المتحدة هي التي ستكون مسؤولة فعلاً عن مصير العراق بعد سقوط صدّام حسين حتى لو تم وضع هذا البلد تحت الوصاية، لأنّ الأميركيين هم الذين سيحرّرون هذا البلد" (راجع كتابي، من يصنع الديكتاتور؟، ص 202). في هذا المؤتمر لم يعد مشروعُ الحرب والاحتلال مجردَ "نيّات" أو "سيناريوات" و"حملات إعلامية." ولذلك كانت مسألتا الحرب والاحتلال نقطتي الخلاف والصدام الأساسيتين لدى بعض أطراف المعارضة العراقية. والسبب؟ خشيتُها من أن تُتهم بالعمالة "السافرة" والمساعدة "المباشرة" في تنفيذ مشروع أجنبي يتعارض جوهريّاً مع الأسس النظرية والدعائية التي تقوم عليها، وتعارُضُ فكرتي الحرب والاحتلال مع التراث الوطني العراقي ومع تراث بعض هذه القوى، وعدمُ مقدرتها على تلمّس ردود فعل الداخل على قضيتي الاحتلال والحرب بسبب بعدِها عن المجتمع العراقي زمنًا طويلاً. وقد قاد هذا الأمر الى إعلان الحزب الشيوعي وحزب الدعوة "مقاطعتهما" ومعارضتهما للمؤتمر، وأيّدتهما قوى ذاتُ ميول قومية عربية وإسلامية.
سبّب إعلانُ "النيات" الأميركية إحراجًا حتى في أوساط أكثر القوى اندفاعًا نحو المشروع الأميركي: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. لذلك ظلت بعضُ هذه القوى، ومنها الحزبُ الشيوعي، تطيل إلى أقصى حدّ ممكنٍ خطابَها السياسي الدعائي الرافضَ للحرب والاحتلال حتى منتصف عام 2003. ولكن بين الدعوة الى اجتماع واشنطن (منتصف عام 2002) ومؤتمر لندن (14-12-2002) بضعة أشهر كانت حاسمةً في كشف المواقف والنيّات. فقد كان جميع أطراف المعارضة يُقرّون سرّاً بنظرية "خيار الضرورة،" لكنهم يمارسون سياسةً إعلاميةً تضليليةً قائمةً على إنكار القبول بخياري الحرب والاحتلال. وحتى أكثر القوى سفورًا في موضوع القبول بالحرب والاحتلال لم تكن تجاهر بمواقفها علنًا، بل تبدي تحفّظًا، وأحيانًا رفضًا شديدًا لهما. يقول المجلس الأعلى للثورة الإسلامية على لسان حامد البياتي :"لم يكن هذا ما أخبرنا به ]الاحتلال[. لقد قال لنا إنهم يريدون حكومة عراقية بقاعدة عريضة دون دور أمريكي... لا يمكن لهم القيام بذلك.. فالشعب العراقي وكل فرد في الاقليم لن يقبل به ]الاحتلال[." أما حازم اليوسفي، عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، فيقول: "... لن تقبل المعارضة العراقية باحتلال أجنبي بعد كل هذه السنوات" ( سي. أن. أن. العربية، 12-10-2002). لكنّ حسن العلوي، منظّر مشروع الاحتلال ورئيس تحرير صحيفة المؤتمر، يقرر أن يهتبل الموقفَ الدعائي الكاذب الرافض للاحتلال والغزو، وأن يبتزّ حلفاءه، فنجده يقف علنًا إلى يمين المجلس الأعلى والاتحاد الوطني الكردستناني، معلنًا أنّ إقصاء المعارضة من المشاركة في "عملية الإطاحة بالنظام العراقي" خدمةٌ إنسانيةٌ عظيمة يقدّمها الأميركان للشعب العراقي "لأنّ النظام سيستخدم الأسلحة البيولوجية ضدّ العراقيين باعتبارهم خونةً رحّبوا بالاحتلال الأمريكي للبلاد" (بي. بي. سي. العربية، 28-7-2002)
كان تحبيذ الغزو "المنفرد" أو خصخصة الحرب إشاراتٍ تكسبيةً تهدف الى إبعاد المنافسين الأقوياء، والاستفرادِ بحبّ الأميركان، وإشعارِهم بأنهم يملكون أعوانًا مخلصين يستطيعون القيام بما لا يخطر على بال. كان الجميع يعمل على إقصاء الجميع وتحجيمِهم من خلال التقرب إلى الأميركان، وكانوا على أتمّ الاستعداد لتقديم كلّ شيء في سبيل إثبات حسن النيات-- بما في ذلك تقديمُ الوطن بأكمله مجّانًا للأميركان. وهذا هو السبب الرئيس (إضافةً الى انهيار النظام المريب والسريع) الذي جعل الأميركان يعدّلون خططَهم على عجل، ويجرّدون المعارضة من الحقّ الذي منحوه للمعارضة الأفغانية نفسها، ويؤخّرون على الشعب العراقي حقَّ التمتع بما تمتّع به شعبُ أفغانستان: لويا جركا.
في مؤتمر لندن بطلت الحجةُ المضلِّلةُ التي ظلّ تيارُ "خيار الضرورة" يروِّج لها طويلاً، والتي يلخّصها أحدُ دعاة هذا التيار، غسان العطيّة، في مقالة أعادت نشرَها الوكالةُ الشيعيةُ للأنباء: "ما يشغل الإدارةَ الأميركية، إضافةً الى الإعداد العسكري، هو البديل للمرحلة الانتقالية بعد التغيير. ويبدو أنّ الخيارات لا تزال مفتوحة أمامها: من حكم عسكري أميركي موقّت، إلى تشجيع انقلاب عسكري، إلى تزامن الهجوم العسكري الأميركي مع تمرد عسكري عراقي يطيح بصدّام حسين ويفتح المجال لقيام حكومة عسكرية عراقية مؤقتة."
بعد بضعة أسابيع من تلك التصريحات الرافضة، وقف الطالباني علنًا في مؤتمر لندن وقال: "القضية تمّ تدويلُها، ولنا الحقّ بالمطالبة بدعم دولي، ويجب ألاّ نخجل." ولم يقل له الشيوعيون: بل يجب أن تخجل. فلم تكن القضية لديهم قضيةَ "خجل" من الاعتراف بشرعية الاحتلال، ولكنّ الأميركان لم يعترفوا حتى ذلك التاريخ إلاّ بستّ قوى سياسية: الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والوفاق الوطني العراقي، والمؤتمر الوطني العراقي، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والحركة الملكية الدستورية، وهي القوى التي دعيت الى مؤتمر واشنطن. أما القوى الأخرى، بما فيها التي شاركت في مؤتمر لندن سرّاً أو علنًا، فلم يكن نصيبُها سوى تقاسم دعوات حضورٍ أعدّها الأميركانُ، وكان لكنعان مكّية وحده "شرفُ" توزيع ما يقرب من خمسين دعوة من مجموع ثلاثمئة ( ثم زيدت إلى ثمانين من مجموع ثلاثمئة وخمسين) على أشخاص تحت تسمية "مستقلين ولبراليين." (المؤتمر، 29-12-2002). وقد فسّر أحد المراقبين ذلك التنافس بما لا يبتعد كثيرًا عن الصورة التي كانت تُرسم في الخفاء، قائلاً إنّ الأحداث "التي جرت خلال الأربعة أشهر الماضية، كانت تؤكّد ميلَ وإصرارَ ما يسمّى مجموعة الستة على حصر المسؤولية بهم، وعدم السماح لقوى المعارضة السياسية الواسعة والشخصيات الوطنية العراقية المعروفة بالتدخل بالشؤون القيادية للمؤتمر." (الزمان، 14-15، 12، 2002).
وفي اليوم الثاني للمؤتمر أعلنت سي. أن. أن. العربية أنّ القوى التي "نظّمت المؤتمرَ سبعةُ فصائل تتلقّى الدعم المالي والسياسي من الولايات المتحدة..." ولا يُعرف ما هو الفصيل السابع، وهل كانت سي. أن. أن. مخطئة في الحساب!
الواضح أنّ السلوك الشيوعي الدعائي الرافض أو المقاطع كان يرافقه ميلٌ غامضٌ إلى المشاركة. وفي تلك الأيام كانت طائفة غير قليلة من الكوادر الشيوعية تتجه إلى المشاركة السريّة في التجمعات التي نظّمتها اللجانُ التابعةُ للمخابرات الأميركية وبعض القنوات الغربية والإسرائيلية في مجالات الإعلام والاستطلاع والدعاية والترجمة وتجميع العناصر وتوقيع البيانات. بعض هؤلاء الشيوعيين ذهب إلى غايته منفردًا، وبعضهم ذهب تحت واجهات جماعية مموّهة كالمؤتمر الوطني أو فروع الحزب في المناطق الكردية أو ما يُعرف بجماعات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان. ولم يكن هذا الميل السلوكي موضعَ محاسبة أو نقد من قِبل القيادات الرافضة (لفظيّاً) للحرب والاحتلال؛ وهو ميل تركّز على الأغلب في الدائرة الأكثر التصاقًا برئيس مؤسسة المدى، الذي ظلّ يجاهر حتى اللحظة الأخيرة السابقة للحرب بمعارضته لها. يقول فخري كريم إنه "ليس من مؤيّدي الحرب، وقمنا بالمشاركة في المظاهرات التي جرت في أوروبا والعالم العربي، وأصدرنا بيانات ضد الغزو. كريم يكشف عن أنه سافر قبل نشوب الحرب إلى لندن، ونظّم لقاء مع مثقفين عراقيين يدعو فيه إلى تجنّب الحرب."(الأهرام، 12 ابريل 2003)
ولكن مع اقتراب موعد الغزو قررت الإدارةُ الأميركية فضحَ نشاطات عملائها السريين بغية وضعهم أمام الأمر الواقع، وإرغامهم على تقبّل صفاتهم الجديدة من دون خشية أخلاقية أو اجتماعية. كان الأميركيون يهدفون الى أمرين محددين. أولهما: تجريدُ الأحزاب المتعاونة معهم من عفّتها الكاذبة التي يصرّ البعض على التمسك بها، كما هي حالُ عبد العزيز الحكيم الذي قال بعد عودته من لقاء واشنطن: "إنّ الإدارة الأميركية عرضت علينا... مساعداتٍ ماليةً وتدريبية... وأموالاً، لكننا... قلنا إننا لسنا بحاجة إلى مال ولا سلاح وتدريب" (من يصنع الديكتاتور؟، ص 212). وثانيهما: تجريد هذه الأحزاب من احتكارها لعمليات تجنيد الأفراد، وبدء مرحلة التجنيد الأميركي المباشر والعلني. ومع اقتراب موعد الحرب أخذت أميركا تميل إلى الحلول المنفردة، جاعلةً من قادة المعارضة مجردَ واجهات هدفُها تبريرُعملية الغزو وخلقُ ذرائع الاحتلال. ففي 20-10-2002، نقلت صحيفة واشنطن بوست الخبر التالي: "إنّ وزارة الدفاع الأمريكية تعتزم تدريب 5 آلاف عراقي يعيشون في المنفى على القتال في شهر نوفمبر القادم 2002،" أي في الشهر ذاته الذي الذي عقد فيه مؤتمر لندن! ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريين أمريكيين قولهم "إنّ الرئيس جورج بوش وافق على تدريب هؤلاء العراقيين تنفيذًًا لأمر سابق أصدره في الثالث من شهر أكتوبر 2002، وخصّص له مبلغ 92 مليون دولار من ميزانية البنتاجون." أما بي. بي. سي. العربية فقد نقلت في 16 -1-200 عن صادق الموسوي، المتحدث باسم الحركة الملكية الدستورية في لندن، قوله لرويترز: "إنّ العديد من العراقيين المنفيين بدأوا التجمع في دول غربية لنقلهم إلى المجر للتدريب على إدارة شؤون العراق عقب الغزو الأميركي." وذكرت المصادر نفسها أنّ المتدربين"سيتلقّون تدريبًا في الترجمة والإرشاد والاستخبارات والاتصالات."
هذا وقد نشبت مشادّاتٌ عديدةٌ بين أطراف المعارضة لأنّ بعض المتدرّبين ذهب بعيدًا في ولائه لمستأجريه الجدد، وأخذ يخفي عن تنظيماته بعضَ جوانب نشاطاته، المالية خاصة، الأمرُالذي أفقد بعضَ الأطراف الحزبية مقدرتَها على معرفة حجم المساعدات التي تتلقّاها الأطراف المنافسة. أما الشيوعيون فقد مرت عليهم تلك الأخبارُ مرورَ الكرام. ومرت مثلَها الأخبارُ التي أكّدت أنّ الدورات المذكورة تولّت إعداد الإعلاميين والمستشارين والجهاز الصِّدامي في مجال الدعاية اليومية وقادة القطاعات الثقافية، وكان جلُّهم من الشعراء والكتّاب والصحافيين والباحثين والفنانين الشيوعيين وبعض البعثيين السابقين. وبعد الاحتلال كُشف أنّ الأمر تجاوز حدودَ الأفراد إلى الأحزاب والصحف والفضائيات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية وغيرها.
كان هذا التيار يعمل بوجهين، إذن. الوجه الأول: المشاركة العملية الخفية، والوجه الثاني: الدعوة الى المعارضة والمقاطعة اللفظية. وهو في ذلك يكسب الحسنيين: ضمان البقاء عمليّاً على مسافة قريبة من الخطّ الأميركي، والبقاء نظريّاً على مسافة غير بعيدة من الأحزاب اليسارية الأوروبية والقوى العربية المناهضة للمشروع الأميركي. وينكر الحزبُ الشيوعي هذا الازدواج إنكارًا شديدًا، لكنّ الوقائع تثبته تثبيتًا لا لبس فيه. ففي مؤتمر لندن كان الحزب الشيوعي، الذي أعلن المقاطعة، ممثلاً في عناصره التي سمّيت مستقلة، إضافةً إلى تمثيله الرسمي من خلال فرعه الكردي (الحزب الشيوعي الكردستاني) الذي حضر المؤتمر وألقى كلمته العضو القيادي فتاح توفيق فتاح. وينكر الشيوعيون أن يكون الفرع قد ذهب بالتنسيق مع قيادة الحزب، لكنّ حميد مجيد يثبت هذا التنسيق (من حيث لا يدري) في المقابلة التي أجرتها معه الزمان (14-11-2002)، أي قبل أقل من شهر من انعقاد مؤتمر لندن، حينما أكدّ أنّ الفرع الكردستاني لا يتخذ قرراته بمعزل عن المركز: "لديه ]الكردستاني[ استقلالية فيما يخص الشؤون الكردستانية. لكننا في الإطار العامّ ما زلنا حزبًا واحدًا ونشترك في مؤتمر واحد هو مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي... إذن الاستقلالية ]هي[ في هذا المعنى، وليست استقلالاً منفصلاً عن الحزب الشيوعي العراقي. فنحن نعمل بانسجام جيد وتعاون، لا سيما ونحن نضع سياسة عراقية موحدة للحزب كله."
كان الحزب، إذن، ممثلاً في مؤتمر لندن، على الرغم من الإعلان الدعائي القاضي برفض المشاركة. وقد شارك الحزبُ بطرق مموّهة مماثلة في لقاءاتٍ للمعارضة المؤيّدة للاحتلال. وبعد أيام معدودات من الاحتلال، أي في 25 -4-2003 ، حينما نضجت عمليةُ تحاصص السلطة وأضحت قاب قوسين من الإشهار، اضطرّ الحزبُ الشيوعي الى إعلان مشاركته في مؤتمر مدريد، الذي دعا اليه وافتتحه أشدُّ المتحمسين للحرب على العراق، رئيسُ وزراء إسبانيا خوسيه ماريا اثنار. وفي لقاء مع قناة بي. بي. سي. العربي، على هامش اجتماع مدريد، قال صبحي الجميلي "إنّ الهدف من لقاء مدريد هو دراسة مستقبل الديمقراطية في العراق، تعزيز مؤسسات المجتمع المدني في العراق، ودستور البلاد المستقبلي، وضمانات الديمقراطية، وحقوق الإنسان والأقليات والمرأة، وعلاقات العراق مع العالم الخارجي." فجأةً اختفت تعابيرُ الاحتلال ونهب الثروة والغزو، التي كان الجميلي وغيرُه من السياسيين المغتربين يتغنّون بها حينما كان وجودُهم يحتمي باليسار والقوى الديموقراطية الأوروبية ويعتاش عليها.
قبيل الاحتلال ببضعة أشهر، في 14-11-2002 ، في مقابلة مع صحيفة الزمان، وصف حميد مجيد المحتلين وصنائعهم المحليين بالكلمات البليغة التالية: "حينما يسقط ]النظام[ بالقوة المسلحة المباشرة عبر الحرب الحديثة، فلن تكون هناك ديمقراطية، بل احتلال وإدارة عسكرية. وهناك ما تراه اليوم في أفغانستان. وقرضاي اليوم يطلب قوات أمريكية لحماية قصره، وسيارته سرقوها من باب بيته!" ولكن لم تمض سوى أشهر على هذا القول حتى رأينا بول بريمر يكشف في مذكراته أنّه قابل شخصيتين قياديتين شيوعيتين: السكرتير السابق للحزب عزيز محمد والسكرتيرالحالي حميد مجيد. وفي تموز 2003 أعلن الحزب اشتراكه في "مجلس الحكم،" ممثَّلاً في شخص سكرتيره العامّ. أما التبرير الذي قدّمه المؤتمرُ الثامنُ لهذا التحول فكان على درجة عظيمة من فقدان السويّة الأخلاقية والسياسية: "الرغبة العامة التي أمكن تلمّسُها لدى منظّمات حزبنا وفي أوساط جماهير أصدقائه ومناصريه، في أن يعتمد الحزبُ التعاملً الإيجابي في المرحلة الحسّاسة والمعقّدة التي تلت التاسعَ من نيسان ، وألاّ يوفر أيَّ ذريعة لمن يريدون الإيقاعَ به وعزلَه وحتى اضطهادَه من جديد."
بهذه الخطوة اتتقل الحزب دفعةً واحدةً من ادّعاء الرفض "المبدئي والأخلاقي" القائم على الخشية من "عواقب الحرب المدمّرة وأهوال الحرب الشاملة وعواقب الاحتلال المستقبلية على السيادة الوطنية" إلى "التعامل الإيجابي." لكنّ أكثر أجزاء هذا التحول خطورةً يكمن في إلقاء تبعية هذا التحول على عاتق قواعد الحزب والجماهير التي ادّعى المؤتمرُ الثامن أنها جعلتها تحبّذ انتهاجَ خط سياسي جديد كان الحزبُ يصفه طوال حياته بالعمالة! وهذا يعني أنّ القيادة لم تزل تحتفظ بـ "نظافة ذمتها" التاريخية من تهمة "العمالة،" وأنها ضحّت بسمعتها التاريخية وشرفها في سبيل الامتثال "الإيجابي" لإرادة الجماهير والأصدقاء والمناصرين. وهذا السلوك هو الصورة النموذجية لـ "إبداعات" ما يعرف بنهج المدى، وقد جرت ممارستُه على امتداد العقود الأربعة الماضية بمهارة فائقة، أو بـ "إعجازية" وشيوعية "سحرية،" لو أردنا استلافَ تعابير الشاعر عبّاس بيضون.