2- مذاق الشر: مملكة مام فخري

يعود تعبير "لمّة فرح" إلى زمن أقدم من "نهارات المدى،" زمنِ الحرب العراقية-الإيرانية، التي وصفها أحدُ الكتّاب العرب بـ "مبتدإ الفرح." هذا التعبير المنافق والتعبوي والدعائي عاد ليطفو فجأةً على سطح نهارات ومهرجانات المدى، بقوة الإرث الثقافي والعقلي، وبفعل تنافس سلالات القتلة. ففي كلمة المثقفين العرب، التي ألقاها شاكر النابلسي، وهو أحدُ مُجنّدي وزارة الدفاع الأميركية، والمكلَّفُ بالتنسيق بين الروابط الإعلامية العربية، والمثقفُ العراقي بالتبنّي (حمل اسمُه الرقمَ 94 في قائمةٍ من المتقفين العراقين "يهنئون بوش وبلير...")، جاء أنّ "العراق العظيم شهد منذ فجر التاسع من نيسان المجيد 2003 أولَ فجرٍ للحرية، وأولى الخطوات على طريق الديمقراطية... التي يدفع العراقُ يوميّاً، ومنذ أربع سنوات مضت، ثمنًا باهظًا لها من دماء أبنائه الزكية... للحرية بابٌ بكلِّ يدٍ مضرَّجةٍ يُدَقُّ.. وها هي بغداد تدقّ أبوابَ الحرية كلَّ يوم، ليس بيدٍ مضرّجةٍ واحدة، ولكن بملايين الأيدي العاشقة للحرية والديمقراطية." (لاحظوا أنّ ديمقراطيي المارينز يخشون اللغة نفسَها؛ وهكذا خلع مبشِّرو الحرية نعتَ "الحمراء" للحرية من نصّ شوقي، كما خلعوا ماضيَهم. ومن سخريات الثقافة والقدر أنّ النصّ، الذي كُتب في نكبة دمشق ذمّاً للمستعمرين، تحوَّل إلى مديح يمجّد مستعمري بغداد!). وأضاف النابلسي: "ها نحن المثقفين العرب والكرد ]يعتبر البعض ُ أنّ التركمان والآشوريين والكلدان أكرادٌ فيدراليون![ نجتمع اليوم في أربيل الكرد والعرب على السواء، لا لنحتفل فقط بمهرجان المدى الثقافي الخامس.. هذا المهرجان الذي يضمّ اليومَ صفوةَ المثقفين الكرد والعرب ]![... ولكن لنحتفل أيضًا بعيد الحرية في العراق كلِّه، وعيد فجر الديمقراطية في العراق كلِّه."
إنه فجرالحرية وعيد الديموقراطية "المضرّج بالدم،" إذن. لكنّ النابلسي لا يقول لنا دم مَن هذا؟ لا يقول لنا لماذا يتوجّب علينا أن ندفع ضرائبَ الدم نيابةً عن الآخرين؟ ولماذا يدقّ القتلةُ جميعُهم على جماجمنا، في العراق أو فلسطين أو غيرهما، بمعاول الدّم؟ مَن مَنَحَ مبشّري رسالات الدّم هذا الحقَّ الأزلي في احتكار دمائنا ونهبها وتحاصصها؟ كلُّ هذا لا يهمّ؛ فنحن في "عيد الحرية" و"فجر الحرية،" وهذا هدف غال. ولكن كيف يمكننا أن نكون في "لمّة فرح" عظيمة الضخامة، لم يَشهد لها العراقُ مثيلاً، ونحن ندفع كلَّ يوم "ثمنًا باهظًا لها من دماء أبنائه الزكية"؟ أليست هذه التعابير المنافقة هي المعادلَ التاريخي لتعابير "عرس سيحان" و"عروس مندلي" و"أعياد النصر" و"مبتدأ الفرح" الصداميّة؟ هكذا لخّص البعضُ وقائع المهرجان، وقد صَدَقوا في ذلك... عدا منغِّصات بسيطة، كإشارة عبّاس بيضون إلى حربٍ أهليةٍ كادت أن تقترب لكنها ولّت هاربةً، وغيرِها من الإشارات الحزينة التي كادت أن تجعل من بيضون أحدَ "أيتام صدّام" وأحدَ "أعداء العراق الجديد" لولا عباراتٌ ذكرها من قبيل "العراق الكردي" و"الأرض الحرة" زَرعت حسنَ النيّة في نفوس المضيفين وجعلت المدى تخصّه بلقب "الكاتب والشاعر الكبير."
على الرغم من تلك المنغِّصات العابرة، إذن، كان الفرح حقيقةً أساسيّةً من حقائق المهرجان. بيد أنّ سماء بغداد كانت تمطر بارودًا ودمًا، وكانت صرخاتُ الأرامل والثكالى والأطفال اليتامى تتعالى في الدرابين وفي المقابر وعلى أبواب ثلاّجات حفظ الموتى وعلى منابت النخل. كانت أنخابُ "عيد الحرية" تُقرع، بينما كانت أحذيةُ المحتلين تدوس كنوزَ التاريخ الثقافي العراقي. كانت قوات "ألفا" تنبش آخرَ أسرار بابل، وقواتُ فيلق المارينز في قاعدة كركوك تحرث فسيفساءَ التاريخ الأسطوري بدبّاباتها. كان المحتلفون يتباهون بغبطتهم، بينما كان السياسيّون "الزقاقيّون" يتبارون في نهب الثروة علنًا. كان الشعراء مهمومين بتحرير نصوصهم من التفعيلة لإلقائها على مسامع المحتفلين في بقعةٍ خُلعت من واجهاتها الحكومية آخرُ بقايا اللغة العربية، بينما كان القتلةُ مهمومين بتحرير رؤوس الضحايا من أبدانها لإلقائها في مزابل العراق الجديد المُحرّر من هويته. كان هناك مَن يؤرِّخ لتاريخ البنطلون كواحدة من عجائب الطفولة الثقافية العراقية السبع، غافلا أن يؤرِّخ لتاريخ البنطلون الزيتوني، متناسيًا بنطلونَ الحرس القومي، وبنطلونَ القائد وعريف القادسية، وبنطلونات مرتزقة الماء الأسود ((black water والمارينز. كان هناك من يحرّر شهاداتِ الفرح والأعياد الثقافية، وفي أروقة السياسيين تُمهر بالدم قوانينُ نهب الوطن وفقراتُ تمزيقه عرقيّا وطائفيّا. كانت هناك لمّةُ فرح حقيقي في قاعات المهرجان، وفي أزقة الوطن كانت لمّةُ أحزان ودماءٌ وعويل. أيهما كان الوطن؟
هاتان الصورتان ليستا نصّاً خياليّاً. فمن يعد الى أسبوع المدى، يجد أنّ العراق كان عراقين: عراقًا مسجًّى على الأرض، مثقوبَ الرأس، عاريًا، بلا كفن؛ وعراقًا آخر، تصدح في سمائه ناياتُ الفرح السحرية.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
"كان المثقفون يلغون هنا بالثقافة ومسائلها، والناسُ في غير واد." هكذا لخّص عبّاس بيضون المشهدَ العراقي الحزين، واصفًا أحزانَ عبد الستّار ناصر وهو ينقل للمهرجانيين نبأَ اختطاف ابن الشاعر خزعل الماجدي. حدث ذلك ذاتَ مهرجان، في لحظة صدقٍ سابقة، لحسها قائلوها وناقلوها وسامعوها، فلم تتكرر، على الرغم من أنّ الوطن بأكمله بات مختطَفًا.
سيقول قائلٌ من أنصار الفرح، مستخفّاً بأحزاننا: وهل تريدون من مثقفي بلادنا أن يجلسوا للندب واللطم لأنّ في "وطن الحضارات" الذي تتحدثون عنه مليونَ أرملة وخمسةَ ملايين يتيم؟ أتريدون أن نغرق في الكآبة لأنّ أربعة ملايين نكرة تركوا بيوتَهم وأرضَهم ويمّموا شطرَ المجهول؟ أتريدون أن نغرق في التعاسة لأنّ الصحف المعادية تتحدث زورًا وبهتانًا عن سقوط عشرات الآلاف من صبايا هذا الشعب بين مخالب عصابات الجنس الرخيص في بلاد الله الواسعة؟ أهذا ما تريدونه؟ ما هذا البلاء الثقافي!
حقّاً، إنه البلاء الثقافي! ولكنّ أحدَنا هو البلاءُ الثقافي: لمّة الفرح في وطن الدم، أو لمّة الأحزان في بغداد المحتلة الجريحة الباكية. أحدنا عديمُ الضمير، مستهترٌ بالقيم والأعراف المهنية والأخلاقية والسلوكية والعقلية.
كان صدّام يقيم أفراحَه على الجبهات. المربد نفسُه أضحى جبهةً للحرب، لا موقعًا للتثاقف. كان صدّام يدفع الحربَ إلى الخارج، إلى الحدود، لكي تتسنّى له السيطرةُ على حرب الداخل. وكان المثقف يُرغَم على الرحيل إلى جبهة الحرب لكي "يقتنص" لحظةَ الفرح العراقي سلطويّاً، ماسحًا بها الصورةََ الكئيبةَ للوطن الكئيب المزروع في قلوب الشعب وعيونه. كان الشِعر يرتحل إلى الجبهات، تحرسه الراجماتُ، وتلعنه الأمّهاتُ المكلومات. أما اليوم فإنّ رئيس مؤسسة المدى يقوم برحلة الفرح المعاكسة: يأخذ أبناءَ الجبهة المحاربة إلى واحة السلام، نموذجِِ العراق المصغّر، لكي يتذوّق الشعراءُ والكتّابُ طعمَ الفرح المرّ، الفرح المستحيل. إنها الرحلة ذاتها: رحلةُ تزوير المشاعر، رحلةُ الفصام بين الشارع والثقافة، رحلةُ تغييب العقل وشراء الذمم الرخيصة.
مشاعرالفرح والعيد الجماعي منحت بعضَ الحزبيين دفعةً مُبالَغًا فيها من الخيال. فحينما عاد الشاعرُ الحزبي من مهرجان المدى إلى بغداد، اكتشف "حاجبًا" بكى تحت ظلاله القاتمة الآباءُ والأمهاتُ والأطفال. لكن حين عاد الشاعرُ الفرِح الحرّ من "لمة الفرح،" وجد أنّ جدران الفصل العنصري التي أقامها الاحتلالُ في قلب بغداد أضحت أقواسًا للنصر، عيدًا وملعبًا للطفولة البغدادية الحالمة، لمّةً عذريّةً، وعنوانًا للعراق الحرّ السعيد: "صبيّة وفتى (من ساعتين) وهما يمرقان جيئةً ورواحًا - جوٌّ من المرح والعذوبة يلفّ مدار سيرهما - مستمتعان فوق المتعة للحاجب الإسمنتي المانع لفضول الشارع بعرباته وسوّاقها وركابها- إنهما يحسبان الكونكريت قـَمريةً ويريانه بلونِ وطعمِ ورائحةِ العنب. قبل إسدال الستار
الصبية والفتى شاعران، وإن لم يتقفّيا؛ ومن ليس مثلَهما فغاوون، عُميٌ إلاّ من العيونْ."
بهذا العقل الأعمى والمريض، يكتب شاعرُ التعبئة الجديدة عن جدران الفصل العنصري، راسمًا لمّةَ فرح على شفاه القوات "الحليفة،" صانعًا من الكونكريت الروحي "قمريةً بلون وطعم ورائحة العنب،" وجاعلاً من تقطيع أوصال المدينة الجريحة وتمزيق شوارع الروح جوّاً "من المرح والعذوبة." وبعد بضعة أشهر سيقول لنا هذا الشاعرُ المسعورُ إنه كان مرغمًا على كتابة ذلك النصّ لأنّ أحد عملاء الاحتلال البغيض كان يصوِّب مسدّسًا إلى رأسه ويهدّده بقطع رقاب أبنائه إذا لم يكتب قصيدته الكونكريتية. وبعد بضعة أشهر، وهو يلقي قصيدته الجديدة في حضرة حاكم جديد، سيسوّق نفسَه "ضحيةً" تطالب بتعويض شرعي. أما نحن، فربما نغدو في قصائده القادمة أيتامَ الاحتلال!
لكن إلى جوار شاعر الكونكريت، يجلس على سطح السفينة الغارقة ذاتِها شيوعيٌّ آخر، أقلُّ ميلاً إلى الكونكريت وأقلُّ ائتلافًا مع الأسلاك الشائكة. شيوعي لم يزل يرى أسرارَ البيت البغداديّ بعين وضمير وذائقة مغايرة، ويرى الحاجز الكونكريتي كابوسًا يدمّر وداعةَ الحياة وجمالَها وأمنَها. طوال قرون، ظلّ الشيوعيون ينعتون هذا الخيالَ الوجل الرقيقَ بالهروب من الواقع. لكنه ما عاد اليوم هروبًا من واقع واحد. ففي وطن محتلّ من الداخل والخارج، يغدو الهروبُ مزدوجًا: هروباً من سجن الواقع إلى الخيال، وهروباً من سجن الذات الحزبيّة ألى جنة الحلم:
"قبل أن تمضي في سبيلك، أن تتجوّل طويلاً في شوارع لويفن الصغيرة... وتذهب حتى نهاياتها لتتأكّد أن لا حواجزُ كونكريتية هناك، ولا أسلاكٌ شائكة، ولا نقاطُ تفتيش، ولا حرسٌ متأهّبون لإطلاق النار... أن تخرج حين تشاء، لتتمشّى أو تلعب أو تقصد دارَ السينما. ألاّ ترى الدمَ في الشوارع.... ولا بقايا جثث محروقة وسيارات محطّمة، ولا ندوبَ الحروب الصغيرة على واجهات العمارات السكنية...ألاّ يطاردَكَ شبحُ الخوف ممّا هو مرئيٌّ أو غيرُ مرئي، وتختبئَ من رصاصة طائشة فتبتعد عن النافذة، وتهجرَ الحديقة والشرفة. ألاّ تحلمَ بإطلاق آخر رصاصة، وانفجارِ آخرِ عبوة ناسفة، وغيابِ آخرِ انتحاري! أن تجلسَ عند المساء في غرفتك الهادئة، وتستمعَ إلى الموسيقى التي تحبّ. سوف لا يزعجك ضجيجُ طائرات مروحية دانية... حينها سندرك سرّ بغداد دون صورة أو خبر..."
ليس من اليسير تجميلُ البشاعة حتى في الخيال؛ ذلك لأنّ بشاعة الواقع تتمرّد على إرادة الحزب. فإذا كان الشيوعي المتماهي مع سلطة الحزب قادرًا دائمًا على التغنّي بالكونكريت وبكلِّ ما يتيحه التآلفُ مع الواقع الشرّير، فإنّ المأزق القاتل هو مأزقُ الشاعر الماركسي المتماهي مع ذاته الخيّرة، إذ يتحتّم أن يحقق هروبين: هروباً من الواقع المادي يجرّده من ماركسيته التي يفتخر بها، وهروباً من سلطة الحزب، من هويته التنظيمية، التي تعتقل روحَه وجسدَه. وسببُ هذا التمرد يعود إلى أنّ الشيوعية في العراق كانت منذ ولادتها شيوعيتين: شيوعيةَ الواقع وشيوعية اليوتوبيا، شيوعيةَ الحزب وشيوعية الشارع، شيوعيةَ الكادر الحزبي وشيوعية التربية الشعبية، شيوعيةَ تحاصُص السلطة وشيوعية حكم الجماهير، شيوعية الحبال والدم وشيوعية الوطن الحرالسعيد، شيوعية الشاعرالكونكريتي وشيوعية الشاعرالحالم بوطن خيالي، مملكة فخري كريم ومملكة الكادر الفلاحي "فعل ضمد." في العراق لا يستطيع أحدٌ احتكارَ الشيوعية ووضعَها في أقفاصٍ حزبيةٍ صدئة اسمُها "الحكم الوطني" أو "الاتحاد الاشتراكي" أو "الجبهة الوطنية" أو "مجلس الحكم." إنّ الشيوعية، على الرغم من انكساراتها الدائمة، هي كالعراق: عصيّةٌ، متمرّدةٌ، ملهمة.
سيظنّ البعض أنّ نقد المهرجان يهدف إلى حثّ الحاضرين على الكتابة ضد الأسوار الكونكريتية، والطائرات المحلّقة فوق البيوت، والجماجم المجهولة الهوية، أو الكتابة عن الدستور الجديد، وقوانين نهب العراق، وسبل توظيف الثروة الوطنية وترشيدها. وربما يطالبهم النقدُ بإقامة جرد ثقافي للمكتبات ومواقعِ الآثار والجامعات، ومراقبة المناهج وأوضاع التعليم، وتقييم أوضاع الفنون وعمل الفضائيات ومواقع الإعلام والنشر، ودراسة تأثير الاحتلال في الواقع الثقافي، وسبلِ ردم الهوّة بين الداخل والخارج، وأسباب ضمورالوطنية العراقية في الثقافة وخفوت صوت المثقف الديموقراطي المستقلّ، وأسباب غياب البرامج الوطنية الخاصة بالبطالة والرعاية الاجتماعية والأسرية، ودراسة سبل تحقيق مصالحة ثقافية وطنية تاريخية، أو دراسة بنية النظام السياسي في المدن الدول الكردية، ودور الميليشيات العرقية في نهب مراكز الثقافة والإحصاء العراقية وتدميرها، أو دراسة واقع الاستكلاب العرقي، وواقع المرأة الكردية، وأسباب "الإشاعات الملفّقة" التي تروّجها الهيئاتُ الأميركية للدفاع عن حقوق النساء من أنّ 2220 امرأة قتلن أو أقدمن على الانتحار حرقًا بين2003 و2006، أو أسباب الهجرات الجماعية من جنّة كردستان، وغيرها من "الترّهات" التي يتداولها المنحرفون من أعداء العراق الجديد والحزب.
قد يظنّ البعض أنّ نقد المهرجان يضع على عاتق ثمانمئة وخمسين مثقفًا مهامَّ الإجابة عن تلك الأسئلة "المُغرضة." هذا ظنٌّ خاطئٌ تمامًا. فمثل هذا النقد لا يثق بجدوى منتَجٍ ثقافيّ لا يُكتب طوعًا، ولا بمنتَجٍ ثقافيٍّ يصنعه أو يرعاه قطاع الطرق الثقافية. ذلك لأنّ الثقافة الحرة نتاجٌ للوعي الحرّ، والإرادة الحرة المتسامية.
ولكن، ألا يحقّ للعراقي الذي لا يحتمل قلبُه المريضُ رؤيةَ "لمّة فرح" تقام في مأتم، أو رؤيةَ عيدٍ للحرية تحت سماءٍ تمزّقها الطائراتُ المغيرة، أن يفعل ذلك؟ ألا يحقّ لنا القول: لكم أفراحُكم ولنا أحزانُنا؟ لماذا يغدو المرءُ مطاردًا، مهنيّاً وثقافيّاً وقضائيّاً، حالما يقوم بنقل وقائع الحرب الدائرة على الجبهة الثانية، المقابلةِ لجبهة لمّة الفرح هذه؟
هذا السؤال أثيرَ في زمن الصنم الأكبر. وها هو التاريخ يردده في زمن الفوضى الروحية الخلاّقة و"التحرير" والأصنام الصغيرة البشعة. ما الذي تغيّر؟ إنه العقل الثقافي ذاته يتناسل بحيوية وصلافة وجنون. أحقّاً تقع مشكلةُ أزمة الحكم، وأزمة الضمير الملازمة لها، على عاتق صدّام أو بريمر؟ أم أنّ المشكلة تكمن في ضمائرنا نحن؟ إنّ المشكلة تكمن في أمر واحد: إلى أيّ عراق ننتسب؟ أإلى عراق الجبهات، عراقِِِ الديكتاتورية والطائفية والعرقية والإرهاب والاحتلال؟ أم إلى عراقِ أمّهاتنا ومياهنا وثرواتنا وتاريخنا وأطفالنا وأعمارنا وقبور موتانا ومستقبلِ أبنائنا؟ هناك عراقان: عراقٌ للمحتلين واللصوص والقتلة، وعراقٌ لنا. فأيُّ العراقين عراقُكَ؟ هذا هو السؤال.

تحاصص الشر
لنخرج من الجزئيات إلى ما هو جوهريّ. إنّ غموضَ مصادر تمويل المدى (يدّعي فخري أنه حصل عليها من محسنٍ نافذٍ مجهولٍ وبعضِ المتصدِّقين!)، وغموضَ عناصر القوة الداخلية المحرِّكة للفعل السياسي والثقافي (يدّعي فخري أنه حصل على أسرار كوبونات النفط من شبحٍ مجهولٍ سرقها من مكتب بريمر!)، وغموضَِ الأهداف الحقيقية البعيدة المدى (يدّعي فخري أنه استلهمها من رُسُل الحرية والديموقراطية السريين) هي جوهرُ النشاط الثقافي السياسي لمؤسسة المدى.
إنّ إماطة اللثام عن التناقض الذي يطبع سلوك صاحب مؤسسة المدى تكشف لنا أنّ هذا النهج الثقافي يتكوّن من دعاية واسعة، مبهرجة، تسعى إلى جذب الاهتمام بقعقعاتها العالية، يرافقها ميلٌ معاكسٌ تمامًا: حيّزٌ سريّ، وهامشٌ للفعل المريب، محاطٌ بالغموض. ويستطيع المرء مقارنة هذا الأمر بملفّات كوبونات النفط: لماذا يحتفظ فخري بهذه الملفّات؟ من منحه إيّاها؟ وهل تنطلي على أحد حكايةُ اختطافها من مكتب بريمر؟ ولماذا التسترُ على بعض أسمائها؟ ولماذا استُخدمت أصلاً وهي مجرد لعبة تافهة؟ ما الفرق بين كوبون نفط ودولار؟ ولماذا يكون الدولار أطهرَ من كوبون النفط؟ وأيُّهما أقوى في شراء الذمم: كوبون نفط مجهول القيمة، أم دولار أخضر؟ أسئلة كثيرة أخرى يمكن طرحُها على رئيس مؤسسة المدى، وهي أسئلة لها شفرتان جارحتان من شفرات شخصيته، الأسرار المغلقة والدعاية الفاضحة: لماذا هاجمت القواتُ الأميركية والعراقية مكاتبَ فخري كريم؟ أليس هو حليفَ الطرف الأول، ومريدَ الطرف الثاني؟ ما هي في تقدير فخري نفسه أسبابُ هذا الاعتداء المستنكر الذي وقع على حليفٍ ترتعد من اسمه أبدانُ أعداء "العراق الجديد" وعقولُهم؟
لنتأمل بعض مشاهد لمّة الفرح البغدادي، كما تصفها المدى نفسُها، بعد بضعة أسابيع من قيام مهرجان عيد الحرية: "قامت ثلةٌ من القوات الأمريكية بعملية دهم شرسة بتاريخ 4/10/2007 لمبنى مؤسسة المدى نفسه، وكسرت أقفالَ أقسامها المختلفة وتفتيشها دون أن يكون هناك أيّ مسوّغ قانوني يسمح لهم بمثل هذا التجاوز الفظّ." كما قامت "باستباحة مبنى مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون في بغداد، واستيلائها على مجموعة من الوثائق والكتب والكراريس من أرشيفها." ويختتم ناقلو المشهد وصفَهم بهذه الكلمات الوطنية: "إنّ السكوت على مثل هذا العمل سيكون فاتحةً لأعمالِ استباحةٍ سافرةٍ أخرى ضد أية مؤسسة إعلامية أو ثقافية أو مجتمع مدني في العراق."
"سيكون" و"فاتحة"؟ خمس سنوات من الإذلال والنهب والتدمير البربري، ولم تزل المدى في سورتي "سيكون" و"الفاتحة"؟! ألا يدخل احتلالُ الأوطان وتخريبُها ودكُُّ المدن ونهبُ كنوزها الثقافية ضمن قائمة "الاستباحات السافرة"؟
لقد قرأ المثقفون بيانات "فاتحة" تستنكر سرقةَ "كراريس" فخري، لكنهم لم يقرأوا كلمةً واحدةً مفيدةً تَحلّ هذا اللغزَ العلني: أفخري أبٌ روحيّ وثقافيّ لـ "فجر الحرية" الذي بشّر به شاكر النابلسي، أم عدوّ للعراق الجديد وللقوات المحرِّرة؟
هذه التناقضات هي المحتوى المميّز لسياسة مؤسسة المدى الحاليّة وتاريخها السابق كلّه. وهي تناقضاتٌ تُطابق تمامَا جوهرَ المرحلة الراهنة من مراحل تطور المشروع الانفصالي العرقي، الذي يقوم على سلسلة لانهائية من التناقضات المماثلة: الحرص على أمن العراق، ثم "استضافة" حزب العمّال التركي المسلّح؛ اعتبار البيشمركة قوة وطنية عند الحديث عن التخصيصات المالية والفرهود والتمدّد العرقي، ثم اعتبارُها قوةً "نائمة" عند الحديث عن حماية الجزء الشمالي من التدخل التركي؛ الحديث عن المشاركة في بناء العراق الموحّد، ثم الاحتفاظُ بفقرات سياسية تؤكّد مبدأ الانفصال؛ إدانةُ نائب رئيس جهاز الاستخبارات بجرائم الأنفال، ثم تبرئةُ رئيس الجهاز؛ اتهام مجرمين صغار بجرائم حلبجة، ثم تعيينُ قائد جهاز مخابرات صدّام مستشارًا أمنيّاً للرئيس! وهنا يمكن أيََّ مراقبٍ محايدٍ أن يمدّ سلسلةَ الأمثلة التي تؤكّد ذلك التناقض: تحرير واحتلال؛ حرية وسجون؛ مكافحةُ إرهاب واحتضانُ إرهاب؛ فوضى خلاقة وفرضٌ للقانون؛ تفكيكُ دولة وبناءُ مجتمع؛ دعوةٌ للعصرية وتغذيةٌ للعشائرية؛ خدمات اجتماعية دعائية كاذبة فاشلة ونهبٌ علنيٌّ محموم وناجح؛ فسادٌ مطلق في رحم محاصصةٍ لصوصيةٍ مصونةٍ قانونيّاً وديموقراطية سياسية شاذة؛ جنة مزدهرة وهجرات خارجية مزدهرة؛ إعادةُ حقّ قومي واغتصابُ حقوق قومية؛ حريةُ تعبير ومطاردةٌ للفكر النقدي (تم تسجيلُ أكثر من ستّ محاكمات ضدّ صحافيين أكراد وعرب وأجانب أقامتها القياداتُ الكردية، حُكم في إحداها على الصحفي الكردي كمال سيد قادر بثلاثين عامًا)، إلى آخر السلسلة المرعبة من التناقضات.