تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
سلام عبّود
1- مهرّج ومهرجان!
"إنّ السيد عبد الحليم خداّم، الذي كان نائبًا لرئيس الجمهورية العربية السورية، وعضوًا مرموقًا في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سوريا، كان قد تساءل في اجتماع للقيادة القطرية، عُقد في أعقاب أحد المهرجانات الثقافية للمدى التي أقيمت في دمشق، قائلاً: نحن دولة، لدينا عشرات السفارات في العالم العربي وفي خارجه، ولدينا عشرات المكتبات الثقافية، لماذا نعجز عن أن نقيم مهرجانًا ثقافيّاًً واحدًا يضاهي المهرجانَ الذي تقيمه مؤسسةُ المدى ورئيسًها فخري كريم؟!"
النصّ السابق جزء من دفاع عبد الرزّاق الصافي عن رئيس مؤسسة المدى. ولهذا النص دلالاتٌ خاصةٌ: شخصية وسياسية ورمزية. الدلالة الشخصية تكمن في أنه يصدرعن شخص اشترك مع فخري كريم في مهامّ الإعلام الحزبي، وظلّ بمعيتّه يُصدرعلنًا صحيفةَ الحزب المغدور، في مرحلة قمع أعضاء الحزب الشيوعي وأنصارِه، بعد إقصاء الحزب عن المشاركة في اقتسام السلطة مع البعث. وقد خرج الصافي من قبضة الديكتاتور الحديدية، برفقة فخري كريم، مثلَ الشعرة من العجين، في الوقت الذي غُيبت إلى الأبد أجسادُ الكوادر العليا التي لم تستسلم لإرادة جهاز القمع. الدلالة السياسية نجدها في ارتباط اسم الصافي بالبيان التاريخي السيئ الصيت الذي جاهر بقمع انتفاضة الشيعة في شباط 1977، وطالب السلطة الديكتاتورية بإنزال العقاب الصارم بمن تسوِّل له نفسُه المساسَ بالعملية "الديموقراطية والحكم الوطني التقدمي." أما الدلالة الرمزية فتكمن في طبيعة النصّ اللغوية والعقلية، التي تُوجِز آليّةَ التفكير الحزبي، وعلاقةَ الثقافة بالسياسة، وصلةَ هذه العلاقة بعملية بناء العقل الوطني فرديّاً وجماعيّاً. والصافي هو الوجهُ الآخر المعكوس لفخري كريم: إنه وجهه الحزبي الخاسر أبدا، الذي سيّر ردحًا من الزمن الخطابَ الإعلامي الشيوعي لمرحلة التحالف مع البعث. لكلّ هذه الأسباب استند الصافي في شهادته إلى مرجع "قدير" من مراجع الثقافة العالمية: عضو القيادة البعثية السورية عبد الحليم خدّام، نَقل بواسطته الأسرارَ الثقافية الثمينة لاجتماع القيادة القطرية، لكي تغدو حججُه أكثرَعمقًا وأصالة، ولكي يمنح قارئه درسًا عقليّاً بليغًا في سبل تقويم المشكلات الثقافية. هذا المستوى المتواضع من الوعي الثقافي قاد مركزيّاً ًوأشرف على إعلام وثقافة أحد أشهر الأحزاب السياسية العراقية سنوات عديدة. ولم يزل هذا العقلُ يهيمن على الإرادة والتربية الحزبية، ويرسم خطوط السياسة الثقافية العامة وتفصيلاتها اليومية.
والحقّ أنّ ضخامة مهرجان المدى هي أبرزُ مظاهر نجاحه، وأبرزُ وجوه التفاخر به، سواء اعترف خدّام بذلك أو لم يعترف. وتلك نقطةُ تفوّقٍ اعتبرها بعضُهم سببًا أساسيّاً جلب على رئيس المهرجان حقدَ القوى المعادية لـ "العراق الجديد"؛ أو جعلت البعضَ "يرتعشون" بحسب ألفريد سمعان؛ أو دفعت، كما قال كريم أحمد وعزيزمحمد والصافي، "أيتامَ النظام الدكتاتوري المنهار والمرتبطين بأجهزة مخابراته والمعادين للحزب الشيوعي العراقي والعملية السياسية الجارية في العراق" إلى شنّ هجوم يائس على منابع الأمل الوطني والقومي النقيّة؛ أو أدّت، كما قال بيانُ المكتب الثقافي الكردستاني، إلى قيام "الهجمة المغولية التترية" على المدى؛ أو جعلت زمرَ الأعداء، كما يقول أحدُ المدافعين العرب (حازم مبيضين) عن رئيس المهرجان، "ترتدي ثوبًا سياسيّاً خالصًا تشنّ من بين طيّاته هجومَها على الطالباني والبرازاني والحكومة العراقية ولا توفّر السعودية."
كم عدد المشاركين في مهرجان المدى الأخير؟ يقول حازم مبيضين: "شارك فيه أكثر من 600 مثقف عراقي وعربي." أمّا باسم عبد الحميد حمودي، الذي تحمّل أكثرَ من غيره عبءَ تسويق ثقافة الموت والحروب الصداميّة، فيؤكد بثقة: "شارك فيه 700 مثقف وأديب." الفارق بين حسابات مبيضين وحمودي ما يقرب من مئة مثقف وأديب ضاعوا بين الأرجل في غبار معركة المديح. وحينما نصل الى ياسين النصير نراه يجتهد في رفع الرقم مجددًا، مضيفًا بعضَ التفصيلات، ليوهمنا، أو يوهمَ نفسَه، بأنه رفيقٌ مؤتمنٌ قادرعلى ضبط لعبة الأرقام: "800 أديب وصحفي، بينهم 600 أديب عراقي." بيد أنّ رئيس المهرجان لا يسمح لأحد بأن يشاركه "ألعابه السحرية" الخاصة، ولذلك يعمد في المقابلة التي أجراها معه تركي الدخيل على قناة "العربية" إلى جعل مريديه يصابون بالخذلان حينما يعلن أنّ العدد "850 ألفًا.. عفوًا 850 مثقفًا عراقيّاً وعربيّاً." هنا يضيع بين الأرجل مئتان وخمسون مثقفًا لا غير، أي ما يعادل مثقفي شعب كامل!
لماذا حدث هذا السهوُ في الأرقام من قِبل مادحين متحمّسين سعوا إلى إظهارعظمة المهرجان، لكنهم سَلبوا منه، جهلاً، بعضَ أسرار قوته؟ السبب يعود إلى ضخامة العدد. لذلك فإن دقّة الرقم لا تؤثّر كثيرًا- عند المدّاحين- في الجدل المتعلّق بإيجابية مهرجان المدى، ولا تُنقص هيبته. مئتان وخمسون، أكثر أو أقلّ، لا قيمة لهم حسابيّاً في معادلات العظمة. أهو إحصاءٌ عشوائي لقطيعٍ سائبٍ في البرية؟ سماجة السخرية لا تقلّل من ضخامة المهرجان: هكذا تقول كلماتُ مبيضين التبريرية. فهل يمكن قبول هذا التبرير حجةً ثقافيةً دامغة؟ ربما، لو لم يكن للدعوى القانونية على مجلة الآداب رأيٌ مغايرٌ في قضية الأرقام أيضًا: ففي حين تفننت الدعوى في تجميع الكلمات ووضعِها في سياقٍ قانونيّ محكمِ البناء ظاهريّاً، يقود إلى صناعة متَّهَمٍ مدانٍ إدانةً مطلقة، فإنها تلعثمت حين وصلت إلى الأرقام: "عددهم أكثرُ من ثمانمائة مثقف على الأقل." أين الدقة؟ أيجهل محامي المشتكي الرقمَ الحقيقي، أم أنّ خمسين مثقفًا لا قيمة لهم حسابيّاً وأخلاقيّاً ودعائيّاً؟ هل غياب الدقّّة غايةٌ قائمةٌ بذاتها؟ لماذا فقدت الوثيقةُ القضائية أمانتَها الرقابية في هذا الموضع تحديدًا؟ ومع كلّ هذه الحيطة الاحترازية والفوضى التضليلية، كيف يستطيع "عدوّ حاسدٌ" أو "حاقدٌ" أن يثبت، بيسرٍ، مصادرَ تمويل رئيس مؤسسة المدى، إذا كان محاموه والمدافعون عنه يخطئون في تحديد أسهمه البشرية وحساباته الثقافية العلنية؟!
الجواب عن هذا السؤال موجود في سؤالٍ وجّهه أحدُ المدافعين عن المشتكي: "ماذا يرجو فخري كريم من القيام بمساعدة عشرات الشبّان والشابّات على الزواج، وقيامِه بالتكاليف المادية والمعنوية، لمهرجان الفرح الكبير هذا؟" كثيرون يرجون من صاحب التساؤل أن يجيبهم عن غايات هذا الزواج، الذي يسمّيه عبد الرزاق الصافي "إبداعات المدى" (نرجو أن لا يقوم فخري بإزعاج العرسان فيطالبهم بإرسال تواقيعهم تضامنًا معه لتأكيد أهمية الزواج في محاربة أعداء العراق الجديد!)
حقّاً، ما صلة "إبداعات" الزواج بالثقافة؟ الصلة الوحيدة الممكنة هنا هي تسويقُ منتَجٍ ما. فما المنتََجُ الذي يسوّقه فخري؟ هنا يختلف الناس في الجواب: منهم من يقول إنه الكرم في أنقى صوره؛ ومنهم مَن يرى أنّ المنتََجَ هو بناءُ العراق الجديد؛ ومنهم من يراه جنونًا تملّك الرجلَ وجعله يبدّد ثروتَه في سبيل الآخرين؛ وبما أنّ "الجنون فنون،" فالرجل مصاب بجنون خدمة المثقفين العراقيين. لكنّ هذا الجنون الثقافي كله، أو الحمق الثقافي النبيل كله، لم يمنع منتقدي فخري من الظنّ أنّ ما يحدث غطاءٌ لعمليات (...) أموال سياسية وحزبية، ولم يدرأ عنه خطرَ "التهمة" التي ترى في هذا النشاط استغلالاً سياسيّاً لحاجة الفرد والمجتمع، هدفُه الدعايةُ الرخيصة. ولكن، ما صلة هذا بالأرقام؟
حينما نراجع قوائم الدعوات إلى المهرجات كافةً، نجد أنّ أسماء المدعوّين شأنٌ علني حتى في زمن الطاغية. لدى فخري وحده أضحت الأسماءُ والأعدادُ مغلّفةً ببعض السرّيّة الرومانسيّة، حتى كادت أن تكون سحرًا. لماذا؟ منهم من يرى ذلك جزءًا من تقاليد الصيانة؛ فالعراق منطقة خطيرة، بما في ذلك أربيل، والقائمون على المهرجان يريدون تجنيبَ بعض ضيوفهم لؤمَ الحسّاد. ومنهم من يرى في الأمر تقليدًاً نابعًا من خصوصية رئيس المهرجان، أو جزءًا من تقاليد المؤسسة الحزبية التي تربّت على الممارسات السرّية. ولكن هناك من يرى أنه خلف ستارة الأرقام "الإعجازية" تمدّ شياطينُ الثقافة الحزبية ألسنتها الشريرة: فبين600 و850 يمكن إخفاءُ 250 اسمًا، أي بعدد أعضاء البرلمان العراقي؛ وهو عددٌ لا يتمكّن من معرفته محامي كبير المستشارين نفسُه. وفي هذا الهامش الشكلي يوجد الجواب، وفي ثناياه يوجد الخرابُ الثقافي الحزبي المتوارث والمزمن.
إنّ هذا الإهمال الحسابي، الذي يتناقض مع رغبات الممدوح الدعائية، يرغمنا على أن نختتم تساؤلاتنا حول الأرقام بالسؤال التالي: ألم يطّلع مبيضين وحمّودي على محتوى شكوى فخري كريم - ذات الرقم المختلف عن رقميهما- قبل كتابة تضامنهما معه؟ أم أنّ تضامنهما كان قائمًا على النيّات؟ ألا تتضمّن هذه القراءةُ العمياء قدرًا من الإهانة للذات وللقارئ وللممدوح والمهرجان؟
الأرقام السحرية وعلاقتُها بالعظمة، تناقضاتُ الدوافع، الأغراضُ العرقيّة : ثلاثُ قضايا رئيسة في مقالتي هذه، جميعُها سبقني اليها ضيفٌ "لاعراقي" (تسميةُ العربيّ لدى كتّاب العراق "الجديد")، هو أحدُ ضيوف مهرجانات المدى المعزّزين، الشاعر عباّس بيضون (السفير، 5/5/2006 )، واصفًا أحدَ مهرجانات المدى.
1- الأرقام هي فخري، وفخري هو الأرقام. يقول بيضون: "الرقم السحري ليس وحده كذلك بين أفعال فخري كريم التي تشبه السحر، إذ ظلّ الرجل يلعب بأرقام اخرى. بدأ بأن أخذ تعهّدًا برعاية 200 من الأدباء المحتاجين، وظلّ الرقم يكبر كلما التقى بأحد النافذين، حتى وصل إلى 500 في اليوم الأخير. بل إنّ اقتراحاته كانت تدفق وكأنها أيضًا ألعابٌ سحرية: مجلس أعلى للثقافة، صندوق للتنمية الثقافية، صندوق للمساعدة، ولا أحد يدري نهاية ذلك كلَّه. كانت الارقام الكبيرة والإعجازية هي فخري كريم. "
2- تناقضات داخلية: "كل ما يجري هنا هو نوع من الأفعال المنفصلة. ليس غريباً أن تتحكّم الصدفةُ وأن يكون الارتجالُ سيّدًا، ما دام كل فعل تامّ (كذا) بنفسه ويصعب إجراؤه في سياق أو البناء عليه أو الاضطّراد (كذا) به."
3- سهو عرقيّ: "لم يَحضر الأكراد. هل هذا سهو، أم أنّ في الأمر شقاقاً؟ هذا سؤال آخر!"
ألم تلمس سهامُ بيضون الناعمةُ قلبَ أحدٍ من مدعوّي مهرجانات المدى السابقة؟ ألم تتوفّر لأحد من أهل البيت في مهرجان المدى الخامس عينا بيضون الراصدتان؟ لماذا يرى الآخرون "اللاعراقيون" ما لا نراه؟
إنّ العراق، قديمَه أو جديدَه، لا يستحقّ هذا القدرَالمهين من التلوّث والعمى الثقافي الذي أخذ يغزو حياتَنا. بسقوط الصنم الأكبر سقطت مركزيةُ الاستبداد، وسقطت معها مركزيةُ مصادرة العقل واستلابه. لكنّ هذا السقوط قاد إلى تشظّي الاستبداد، وتشظّى معه العقلُ المُصَادَرُ والمُستلَب، فصار مِزَقاً من عقول صغيرة، مصادَرة، مستلَبة، معروضة للبيع على قارعة الطرقات.
إنّ دوافع حفلات الزواج ودوافع اللعب بأعداد المثقفين وأسمائهم وحاجاتهم ونفوسهم واحدة.