تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
فيصل جلول
كاتب وصحافي لبناني مقيم في باريس.
يروي فرنسوا ماسبيرو في كتابه الرائع شرف سانت ارنو، مستعينًا بتقريرٍ أعدّه ألكسيس دوتوكفيل عن الحال التربوية في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي وبعده، أنّ مقاطعة قسنطينة كانت مزدهرةً تربويّاً إلى حدّ أنها تخرّج نخبةً من الطلاب الذين لا يقلّون شأنًا عن نظرائهم الأوروبيين (بمقاييس الحضارتين الإسلامية والغربية)، وأنّ الأمير عبد القادر الجزائري كان يخطّط لإقامة مكتبة عامة في المدينة شبيهة بالمكتبة الوطنية في فرنسا (وفق المقاييس نفسها). ويؤكّد ماسبيرو، نقلاُ عن المصدر نفسه، أنّ عدد المدارس والكلّيات في المدينة قد سجّل انخفاضًا ملحوظًا في السنوات التالية لغزوها الوحشي (قتل الناس في مغارات جبلية خنقًا وحرقًا) بقوات الجنرال "سانت ارنو" المتوحشة. لا أعرف تفاصيل تالية لهذه القضية، لكنّ ما أصبح معروفًا من بعد هو أنّ نسبة المتعلمين (التعليم الغربي) من السكّان الأصليين في الجزائر لم تتجاوز 5 بالمئة بعد أكثر من قرن وربع القرن من الاحتلال الفرنسي الشامل لهذا البلد.
تذهب هذه النتيجة في الاتجاه المعاكس لرهان كارل ماركس على "تحديث" الجزائر عبر استعمارها. كما تذهب نتائجُ فظيعةٌ لاحتلالِ دولٍ أخرى المذهبَ نفسَه. ولعلّ لمحة خاطفة في أحوال إفريقيا ما بعد الكولونيالية وحتى يومنا هذا تفيد في قياس مدى التوحش الذي بلغته دولٌ غربية "حديثة" سوّقت أعمالَ النهب القياسية لهذه القارة ولغيرها بشعاراتٍ "تحديثيةٍ" منافقة، ولوّحت لأممها الضعيفة ولبعض نُخبها الساذجة بقيم إنسانية عالية الشأن.
كان من المتوقّع في عالمنا العربي أن يستخلص "تلامذةُ ماركس" و"مريدو توكفيل" على السواء دروسًا مفيدةً من سطوٍ تاريخي يبزّ غزوات القرون الوسطى في نوع وحجم الخراب والضحايا. بيد أنّ يوميات العراق الدموية التي تجتاح شاشاتنا ومواقعنا الإلكترونية، فضلاً عن مطبوعاتنا، تفصح عن أنّ 850 مثقفًا عربيّاً وغيرعربي ـ بالتمام والكمال ـ وفق إحصاء الراعي (الماركسي؟) فخري كريم تجرّأوا على تلبية دعوة لتظاهرة ثقافية نُظّمت وسط خرائبِ بلدٍ حرثتها ترسانةُ المحتلّ العسكرية وقطّعت أوصالَها إربًا إربًا.
وكان من المتوقّع ان يرجع بعضُ التلامذة المعنيين من أرض كردستان المحتلة بانطباع (هذا أضعف الإيمان) اوليٍّ، مفادُه أنّ تهديمَ الدولة العراقية وتحطيمَ الجيش والمؤسسات القائمة دفعا الناس دفعًا إلى طلب الحماية والتحكيم من قبائلهم وطوائفهم التي أعيد تنظيمُها وتسليحُها عرقيّاً وطائفيّاً، بتمويلٍ من المحتلّ، وبنصحيةٍ علنيةٍ ومكتوبةٍ من بعض ملهميه ومستشاريه (توماس فريدمان مثلاً). لكن يبدو أنّ التلامذة "ياعم حمزة" لا يسمعون من هذه الأذن وإنما من الأذن الأخرى التي تصغي إلى المتعاون المحلّي مع أمريكا إذ يصف الاحتلالَ بـ "التحرير" والمحتلَّ بـ "المحرِّر" والأرضَ التي دنّستها البساطيرُ الأمريكية بـ "الحرة"..
ولو اقتصر الأمرعلى هذا الجانب بالنسبة إلى مهرجان كردستان الشهير (الثقافي ..عفوًا)، لكان بوسعنا تعيينُ خطّ الدفاع الإيديولوجي عن الاحتلال الأمريكي للعراق في سياق الموقف الماركسي المعروف من حرب الجزائر ومساهمة ألكسيس دو توكفيل في ترتيب الإضبارات التربوية والاجتماعية للاحتلال. في هذه الحالة قد يجد المرءُ نفسَه مجرّدًا من كلّ وسيلة مفيدة في إقناع مريد ماركسي أو ليبرالي عنيد بقرينة تاريخية ثابتة تفيد أنّ المعلِّمين الماركسي والليبرالي ارتكبا خطأً تاريخيّاً في الجزائر وأنّ تلامذتهما غيرُ ملزمين باعتماد هذا الموقف الخاطئ في العراق.
بيد أنّ الامر يتعدى (على ما ظهر من بعد) خطَّ الدفاع الإيديولوجي الصرف إلى حشر "الأخلاق الوطنية" والشخصية في الدفاع عن الاحتلال، سواء عبر المشاركة في المهرجان أو في تأييد السيد فخري كريم والتضامن معه في دعوى قدح وذمّ أقامها ضدّ سماح إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب البيروتية. هكذا، إذن، يتحوّل الرافضُ للاحتلال الأمريكي للعراق إلى متّهَم، والراضي بهذا الاحتلال إلى متّهِم (بكسرالهاء وتشديدها) وبدعم من المشاركين (الأرجح بعضهم) في المهرجان المذكور صمتًا أو تلميحًا أو تصريحًا.وهكذا، إذن، يجرؤ الراضي بالاحتلال، بل المتعاونُ معه كما سنبيّن للتوّ، على مقاضاة المناهض للمحتلّ ويطلب ثأرًا قضائيّاً لبنانيّاً لكرامته التي يدّعي أنها جُرحت جرّاء مقال سماح إدريس، وليس بسبب احتلال بلاده وإهانة شعبها تشريدًا وتطييفًا وقتلاً عمدًا!
ليس كاتبُ هذه السطور معنيّاً بالنقاش حول سؤال هل قبض السيد المذكور أموالاً أم لم يقبض. ما يعنيني في المقام الأول هو ما يقوله وما يفعله إزاء قضية الاحتلال التي تفوق بخطورتها كلَّ ما عداها. فلنصغِ إليه بدقة عندما يبرّر دعواه المشار إليها: "...الشتم والسبّ والتعريض والاتهامات المجانية بدون الاستناد إلى أية وثيقة. هل هذا حرية الصحافة وحرية الثقافة؟"
نعم هذا ليس حرية صحافة، لكنّ وصفَ التعامل مع المحتلّ بما يستحقّ ليس اعتباطيّاً تمامًا. لذا يجدر التدقيق في أسس "الاتهامات المجانية،" وما إذا كانت واقعةُ الرضى بالاحتلال والتعاون معه واقعةً صحيحةً أم مختلقةً. ولنستند في البحث ـ حصرًا ـ إلى تصريحات موثّقة للسيد كريم الذي يقول حرفيّاً: ".. يشرّفني أن أكون مستشارَ رئيس الجمهورية الذي يقال إنه خيمة للعراقيين." المقصود هنا جلال الطالباني، رئيسُ الدولة العراقية الذي يتعامل يوميّاً مع المحتلّ ويعمل تحت السقف الذي يريده. فكيف يمكن لمستشاره ان يكون بمنأًى عن التعاطي مع الاحتلال؟ لنتخيّل مستشارًا للماريشال بيتان يقول: "يشرّفني أن أكون مستشاره، لكنّ موقعي الاستشاري يعصمني عن التعاون مع النازية!" سيبدو مثلُ هذا القول مضحكًا أثناء الاحتلال، ومن بعد ربما قرينةً على التعامل. وهذا النوع من القرائن أدّى خلال محاكمة بيتان إلى إلحاق الأذى بكثيرين، وإلى تجريد كثيرين من حقوقهم المدنية. في الحالة العراقية، يمكن للمتعاونين والمستشارين أن يطمئنّوا إلى مصيرهم: فالراجح أنّ الحرب الأهلية العراقية التي نظّمها المحتلًّ عن سابقِ تصورٍ وتصميمٍ قد تستمرّ إلى ما بعد رحيله، وقد يتعذّر معها سؤالُ المعنيين عن أدوارهم خلال الاحتلال. أضف إلى ذلك أنّ بعض هؤلاء يتمتّع بحمايةٍ إثنيةٍ تحرّره من كل مساءلة افتراضية، خصوصًا إذا ما اختار الإقامة في المناطق الكردية ذاتِ القضاء الإثني الخالص.
ولنتابع مع السيد فخري كريم إذ يوضح: "أنا لم أكن في يوم من الأيام، ولا الآن، على مقربة من المشروع الأمريكي، أو لديّ علاقات مع الأمريكان، سوى أنني ألتقي في اللقاءات العامة مثلما يلتقي أيُّ مسؤول عربي مع الأمريكان في أيّ مكان من الأماكن!"
لا يا سيد كريم، لستَ كأيّ مسؤول عربي، بل أنت تنتمي إلى بلد محتلّ، وكلُّ لقاءٍ بمسؤولٍ أمريكي هو لقاءٌ بمسؤولٍ محتلّ... هذا إذا استندنا إلى الثقافة السياسية المتداولة عندنا وعند غيرنا في هذا المجال وإلى القانون الدولي والقانون اللبناني الذي ارتضيتًه حَكَمًا في قضيتك المرفوعة ضد سماح إدريس.
وردّاً على سؤالِ محاوِرِه تركي الدخيل: "هل تعتبر ما هو موجود (في العراق) احتلالاً؟" يقول السيد فخري كريم: "لأ. شوف. جرى احتلال قطعًا. وأُرسي بقرار من الأمم المتحدة. الآن هو وجود للقوات الأجنبية، بما فيه الأمريكية، وتمارس بشكل من الأشكال مهمات الاحتلال سواء قالت أم لا، ولكن هذا بإرادة الحكومة العراقية وبهدف التخلص من بعض الإشكاليات التي لا تستطيع التخلص منها." ثم يضيف: "الاحتلال الامريكي حقّق ربما مطمحًا لم يكن العراقي يستطيع أن يقوم به أبدًا.." (العبارات المحصورة بين معترضين مقتطعة من برنامج "إضاءات" الذي بثّته قناةُ "العربية" بتاريخ 1 / 2 / 2008).
نستخلص من كلام السيد كريم أنّ الاحتلال قائم في العراق لكن بموافقة الحكومة العراقية، تمامًا كما كان الاحتلال النازي لفرنسا قائمًا بموافقة حكومة فيشي خلال الحرب العالمية الثانية. ولعلّ لغة "الفيشيين" نفسها تتسلّل من الاستنتاج الاخير بأنّ الاحتلال حقّق "طموحًا" لم يكن بوسع العراقيين تحقيقه. لماذا، إذن، لا تشكر المحتلّ يا سيد كريم مادام العراقيون، وأنت منهم، يعترفون بأياديه البيضاء في العراق؟ ولماذا انت متعثّر؟ وممَّ تخشى؟ لماذا لا تسير على رسم بعض مواطنيك الذين يتميّزون بشفافية مدهشة إذ يقولون إنّ جندي المارينز المقتول على أرض العراق جديرٌ بالتحية والشكر لأنه ضحّى بنفسه من أجل "مطمح" ما كان "بوسع العراقي تحقيقه أبدًا" على غرار ما يؤكّد كامل السعدون حرفيّاً: "بوركت طائراتُ الحليف الأمريكي الذي غسل بدماء ألف من أبناءه (الصحيح أبنائه) وجهَ العراق البهيّ" (10 سبتمبر 2004، موقع "صوت العراق")؛ أو ما يقوله خضير طاهر: "تحية حبّ إلى الجهد النبيل الذي يقوم به الجنديُّ الأمريكي لنشر الحرية، والبناء، وتطهير المجتمع بالدم من الجرائيم الفتاكة التي تهدد ما تبقى من العراق" (موقع إيلاف، 9 ابريل 2004).
أكبر الظن أنّ قسمًا كبيرًا من أفراد النخبة العراقية المناهضة للنظام العراقي السابق ممن صرف جزءًا من العمر في منافحة "الإمبريالية" في فلسطين ولبنان واليمن والأردن والمنافي الاجنبية لم يكن مهيّأً لمواجهة "الإمبريالية " نفسها في بلاد الرافدين. ذلك أنّ ثقافته السياسية تكوّنت في سياق الصراع مع الرئيس الراحل صدّام حسين، حتى صار رحيلُ هذا الأخير هو المبتغى أو "المطمح" الوحيد، ولو تمّ على يد الشيطان. لقد صار هؤلاء فجأةً ملزمين بموقفٍ من المحتل، فكان أن اكتشفوا "فضيلة" المساواة مع عرب آخرين يخضعون لإملاءات أمريكية. لكنّ ما فاتهم، أو ما أرادوا تفويته، هو أنّ الاحتلال الأمريكي وقع على أرض العراق، لا على أملاك صدّام حسين الخاصة!
كان يمكن تفهّمُ مشاعر بعض العراقيين الذين أنهكهم القمعُ المروِّعُ في بلادهم قبل الاحتلال لو أنّ هؤلاء تصرّفوا إزاء الغزو الاجنبي كأمر واقع وامتنعوا عن المشاركة في "العملية السياسية"-- وهي الاسم الحركي للمشروع الأمريكي. أما أن يعمد البعض إلى الدفاع عن تلك العملية وإلقاء دروس في الأخلاق الوطنية والشخصية على الذين تصدّوا للمحتلّ، فهو أمرٌ من الصعب المرورُ عليه مرورَ الكرام.
لا أعرف التفاصيلَ القضائية التقنية للدعوى التي أقامها السيد فخري كريم على سماح إدريس. ما أعرفه هو أنّ القضاء اللبناني المكلّف بإقامة العدل ورفع الظلم لن يكون عالي القدر إذا ما أصدر حكمًا بإدانة رئيس تحرير الآداب في قضية متصلة في جوهرها بالاحتلال والمقاومة في بلاد الرافدين.
وفي كل الحالات لن يؤدي حكمٌ قضائيٌّ، كما لن يؤدّي اشتراكُ كل مثقفي العالم في مهرجان ثقافي في كردستان، إلى تغيير مقاييس الشرف والكرامة والأخلاق عمومًا، المحكومة في نهاية المطاف بحدٍّ فاصلٍ بين الخضوع للمحتل ومقاومته.
يبقى الرهان مشروعًا تمامًا على فشل صاحب الدعوى أمام القضاء اللبناني، علّه يدرك هذه المرة مع قضية سماح ادريس ما أدركه في بداية الغزو مع قضية جمال الغيطاني: من أنّ التصويب من أرض محتلة على رافضي الاحتلال الأمريكي للعراق لا ينقذ سمعة شخصية أصيبت بعطب قاتل في 9مارس عام 2003. هنا الزهرة، وهنا كان عليها أن ترقص، وليس أمام المحكمة اللبنانية أو على إيقاع "الكوبونات" النفطية.