سهيل إدريس: من الحيّ اللاتيني إلى الآداب

صبري حافظ

تمهيد وسياق
كنتُ قد بدأتُ الكتابةَ عن محنة مجلة الآداب، التي جرّها إلى المحكمة شخصٌ يُدعى فخري كريم يصف نفسَه بـ «كبير مستشاري رئيس الجمهورية العراقية» ورَفع عليها دعوى أمام القضاء اللبناني، وعلى كلٍّ من مديرتها المسؤولة عايدة مطرجي إدريس ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس. ويعرف الكثيرون أنّ فخري كريم قد أصبح شخصًا فاحشَ الثراء، يستطيع توكيلَ أكبر المحامين (...)، بينما تعاني الآداب الفقرَ وضعفَ الإمكانيات في هذا الزمن العربي الرديء. وكان مقالي الذي لم أكمله قد بدأتُه كالتالي:
«ليس دفاعًا عن مجلة الآداب. ذلك لأنّ هذه المجلة أصبحت-بفضل تاريخها العريق، وإنجازاتِها المشرقة التي حافظ أبناءُ مؤسِّسها وصانعِ مسيرتها الصديقِ الكبير الدكتور سهيل إدريس، شفاه اللهُ، على شعلتها متّقدةً برغم أعاصير التردّي والهوان التي تعصف بالثقافة العربية-صنوَ الثقافة العربية الأصيلة والشريفة والمقاومة. لذلك فإنّ الدفاع عن مجلة الآداب، كالدفاع عن كلِّ ما هو أصيلٌ وجميلٌ في الثقافة العربية، أمرٌ بديهيٌّ لا يحتاج إلى الدفاع عنه، كما لا تحتاج الشمسُ إلى مَن يدافع عنها ضدّ جحافل الظلام، أو الهواءُ النقي إلى مَن يردّ عنه أبخرةَ السوء وسمومَه الزعاف.»

كان هذا ما بدأتُ به مقالي الذي لم أكمله للعمود الذي أكتبه في أخبار الأدب. وكنتُ أودّ موضعةَ هذه المحنة في سياق المحنة العربية الكبرى في هذا الزمن الرديء، الذي تَستخدم فيه جحافلُ الظلام والتردّي القانونَ للردع الفكري وتنظيفِ السمعات الملوّثة ـ كعمليات غسيل الأموال القذرة ـ وإخراسِ المنابر الوطنية المعارضة لمخطط التبعية والهوان. ومن هذا القبيل استصدارُ الشيخ البدري في مصر حكمًا فضائحيّاً ببيع أثاث بيت الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، ورفعُ المتأسلمين قضيةً ضدّ نصر حامد أبو زيد انتهت بالحكم بتطليق زوجته منه ونجحت في إبعاد عقل مستنير عن التدريس في الجامعة المصرية في وقتٍ هي أحوجُ ما تكون فيه إلى المفكرين الأحرار. وكانت المفارقة المؤسية المرّة أنّ فخري كريم الذي يلجأ إلى استراتيجيات الظلاميين كان شيوعيّاً ينافح عن العقل والحرية، ويحلم حسب شعار حزبه بـ "وطن حر وشعب سعيد،" ولكنه أصبح الآن ـ كما يصف نفسه على لسان محاميه-«كبيرَ مستشاري رئيس الجمهورية العراقية» في زمن الاحتلال الأمريكي الكريه للعراق، وفي وقتٍ وصلت فيه حريةُ الوطن وسعادةُ الشعب في العراق إلى حضيضٍ غير مسبوق.
أقول إنني كنتُ قد بدأتُ الكتابة عن هذا السرطان الخبيث الذي أخذ ينهش روحَ الثقافة العربية ـ وأعني استخدامَ القانون في تكميم الأفواه ومطاردةِ الفكر الوطني والعقلي الحر،... ـ عندما بلغني خبرُ رحيل صاحب الآداب. فهل كان عبءُ هذا السرطان الخبيث على سهيل إدريس، وجرُّ مجلته وقُرّةِ عينه إلى المحكمة، أكبرَ من عبء داء الكليتين الذي عاناه بصبرٍ ومجالدةٍ في سنواته الأخيرة، فلم يستطع جسدُه الهشُّ الصمودَ أمامه؟
ظلّ هذا السؤالُ يلحّ عليّ، خاصةً وأنه لا يمكن الفصلُ بين سهيل إدريس ومجلةِ الآداب بأيّ حالٍ من الأحوال، ولا يمكن تصوّرُ أنّ ما جرى لـ الآداب لم يؤثِّر فيه. فسهيل إدريس هو الآداب، والآداب هي سهيل إدريس، ليس فقط لأنه بدأ هذا المشروعَ التنويري الكبيرَ وهو لا يزال في شرخ الشباب (فقد كان عمرُه وقتَ إصداره إيّاها ورئاستِه لتحريرها ثمانيةً وعشرين عامًا، وظلّ يعمل فيها ما يقرب من أربعين عامًا حتى سلّمها لابنه الدكتور سماح إدريس)، ولكن أيضًا لأنّ مَن يَعرف حياةَ سهيل إدريس وإنتاجَه الأدبي ومسيرتَه الثقافية مع المجلة يدرك مدى صدق هذه المقولة: "سهيل إدريس صاحب الآداب"... لا بمعنى ملكيتها فحسب، ولكن بمعنى صحبة العمر كذلك. وما جرى لـ الآداب لا ينفصل عمّا جرى لصاحبها، وعمّا جرى لوطنيه الأصغر لبنان، والأكبر الوطن العربي كله. فقد نجحت الآداب منذ بواكير مسيرتها الأدبية في أن تكون مرآةً صادقةً لأفضلِ ما في الثقافة العربية، وسجلاً حيّاً لطموحاتها وإنجازاتها ومادار في حلبتها من جدلٍ وصراعات؛ كما استطاعت في ازدهارها وتعثّراتِ مسيرتها وأزمتها معًا أن تكون شهادةً على مسار هذه الثقافة وأزمتها.
صحيح أنّ سهيل إدريس يرتبط بـ الآداب وترتبط به، وهو أمر سنعود إليه بشيء من التفصيل، ولكنه كاتبٌ لبناني عربي مهمّ قبل أن يكون صاحبَ مشروعٍ ثقافي كبير رعاه وسهر عليه أكثرً من نصف قرن. فقد خلف الرجل مجموعة مهمة من الأعمال الأدبية المتميزة: ستّ مجموعات من القصص، وثلاث روايات، ومسرحية، والعديد من الدراسات والترجمات المرموقة. وهو إنجاز أدبي مهمّ بأيّ معيارٍ من المعايير، ساهم في دفع مسيرة السرد اللبناني ومواصلتِها والحفاظِ على شعلتها متألقةً بعد الإنجازات المبكرة للجيل الذي سبقه: من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة إلى توفيق يوسف عوّاد وسعيد تقي الدين وغيرهم. وكلُّ إنجاز الرجل في مجال الإبداع لم يمنعه من الإسهام بنصيب مرموق في الدراسات الأدبية ـ التي لايجب ألاّ ننسى منها كتابَه الرائد، القصة العربية في لبنان (1953) ـ والترجمة ثم المعاجم مع معجم المنهل الشهير. وقد كوّن له هذا الإنجازُ رصيدًا أدبيّاً كبيرًا رفد بلا شكّ مشروعَه الثقافي الكبير، وكرّس مكانتَه. وكان رأسمالُ سهيل إدريس الرمزيُّ والأدبيُّ ذاك هو الذي رفد مشروعه الكبير في الآداب بالجدّية والصدقية.

الحيّ اللاتيني ومسار العلاقة الإشكالية بالغرب
ستبقى من إنجاز إدريس القصصي العريض، في ظني، روايتُه الأولى علامةً فارقةً في مسيرة الرواية العربية. إذ لعبت الحيّ اللاتيني دورًا مهمّاً في صياغة واحدةٍ من محطّات التحوّل في تناول الأدب العربي لإشكالية العلاقة المعقّدة بين العرب والغرب. فهي رواية ليس فيها شيءٌ من عثرات الروايات الأولى؛ ذلك أنه كتبها بعد فترة غير قصيرة من التمرّس بالكتابة السردية، وبعد أن نشر ثلاثَ مجموعات قصصية تمكّن عبرها من الكتابة القصصية، وبلور فيها لغتَه السردية. كما أنها روايةٌ تتّسم بالتشويق والجدّة والعمق، لأنها صادرةٌ عن خبرةٍ عريضةٍ بالموضوع والشخصيات التي تتناولها؛ فسهيل إدريس من الكتّاب الذين يلتمسون مصادرَ تجربتهم الإبداعية في ما خبروه ولمسوا عن قرب كلَّ تفاصيله، وهو من الذين يحتاج التخييلُ عندهم إلى أمراسٍ متينةٍ تشدّه إلى تجربةٍ واقعيةٍ حية استطاع الكاتب أن يسبر عن قربٍ دقائقَها وخباياها. فرواياته الثلاث هي أعمالٌ أبداعيةٌ صادرةٌ عن مراحل تجربته الثلاث المهمة: مرحلة الصبا والتكوين (الخندق الغميق)، ثم مرحلة الدرس في باريس وتوسيع أفقه الفكري ورؤيته السياسية (الحيّ اللاتيني)، ثم مرحلة تأسيس الآداب والاستقلال بها عن شريكية ومن ثم تأسيس دار الآداب وبلورة شخصيتيهما الفكرية والأدبية (أصابعنا التي تحترق). وليس غريبًَا أن تبدأ رواياتُه الثلاث بالمرحلة الوسطى من عمره وتجربته، وأن يعود بعدها إلى مرحلة الصبا والتكوين المعرفي؛ ذلك أنّ مرحلة الدراسة في الغرب كانت من المراحل الحاسمة والمفصلية في حياته، كما أنها المرحلة التي تبلورت فيها رؤيتُه التي رادت فيما بعد مسيرتَه الفكريةَ والأدبيةَ، بما فيما ذلك منظورُه في كتابة طفولته وصباه في الخندق الغميق، وليتابع بعدها مسيرتَه المهمة في الآداب والتي جعلها موضوعَ روايته الثالثة.
وإذا كان لـ الحيّ اللاتيني هذا الدور المهم في مسيرة كاتبها الأدبية والفكرية على السواء، فإنّ دورها في مسيرة تناول السرد العربي لواحدةٍ من قضاياه الملحّة والمتكررة، وأعني بها قضيةَ العلاقة بالغرب، لا يقلّ عن ذلك أهمية. فعلاقةُ الثقافة العربية الحديثة بالغرب هي من أبرز اهتماماتها منذ أن كتب الطهطاوي كتابَه الشهير، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، عام 1834. وهو اهتمامٌ عابرٌ للأجناس التعبيرية، لا يقتصر على أدب الرحلة بل يتجاوزه إلى مختلف الفنون الأدبية الأخرى من قصةٍ وروايةٍ ومسرحيةٍ ودراسةٍ أدبية. صحيح أنّ تناول هذا الموضوع اقتصر في القرن التاسع عشر على كتبٍ أقربَ إلى أدب الرحلات أو مذكّرات السير الشخصية منها إلى أيّ جنسٍ تعبيريّ آخر، لكنّ تغلغله في كثيرٍ من الكتب جعله أحدَ الموضوعات المركزية في الأدب العربي الحديث: بدءًا من كتاب الطهطاوي الأول عام 1834؛ ثم كتابه الثاني، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية عام 1869؛ وحتى الجزء الأخير من أولى وثائق السرد المهمة، وأعني حديث عيسى بن هشام لمحمد إبراهيم المويلحي في طبعته الثانية الذي تناول فيه رحلةََ باريس عام 1900؛ مرورًا بمخطوطة الشيخ محمد الصفّار المغربي المعروفة الآن بعد تحقيق سوزان ميلار لها باسم صدفة اللقاء مع الجديد عامَ 1846؛ وكتاب محمد عيّاد الطنطاوي المهمّ، تحفة الأذكيا في أخبار بلاد روسيا عام 1850؛ وكتابَي أحمد فارس الشدياق، الساق على الساق فيما هو الفارياق عامَ 1855 وكشف المخبّا عن أحوال أوروبّا عام 1862؛ وكتاب خير الدين التونسي أقوم المسالك في معرفة الممالك عام 1867؛ وكتابَي فرانسيس مرّاش، غابة الحق عام 1865 ودرّ الصدف في غرائب الصدف عام 1873؛ وكتاب محمد أمين فكري، إرشاد الألبا في محاسن أوروبا عام 1890؛ وكتاب أحمد زكي، السفر إلى المؤتمر عام 1893؛ وكتاب محمد بلخوجة التونسي، سلوك الأبرياء في مسالك باريس عام 1898. فلقد شغلت أوروبا (وكانت "أوروبا" في تلك الفترة هي فرنسا، وعاصمتها الباريسية خاصةً، وبريطانيا من بعدها، وإن بقدرٍ أقل كثيرًا من فرنسا) جلَّ كتّاب القرن التاسع عشر. ولا يقلّ انشغالُ كتّاب القرن العشرين بها عن أسلافهم في هذا المجال.
والواقع أنني درستُ معظمَ هذه النصوص في دراسةٍ لي بالإنجليزية، خلصتُ فيها إلى أنّها جميعها، باستثناء كتاب الصفار، بنتُ رغبةِ عصرِ النهضة العربي ومشروعِه التحديثي في التتلمذ على الحضارة الأوروبية. فقد اتّسم مشروعُ التحديث العربي في القرن التاسع عشر بتبنّي النمط الغربي من دون مساءلته أو التشكيك في أهلية هذا التبنّي. بل ووصل هذا التبنّي إلى حدّ تصريح الإسلاميين وقتَها بأنّ المشروع الغربي هو المشروعُ الإسلامي الحقّ، بكلِّ ما فيه من قيمِ العدل والحرية والإخاء والمساواة التي نادت بها الثورةُ الفرنسية؛ وهو الأمر الذي عبّرت عنه مقولةُ الشيخ محمد عبده الشهيرة: «لقد عثرتُ على الإسلام في أوروبا برغم أنها ليست ديارَ مسلمين، ووجدتُ المسلمين في مصر ولكني لم أعثر فيها على الإسلام.» وكانت كتابة المثقف العربي عن الغرب ومشروعه التحديثي المتحقق في حواضرها، وفي مدينة النور باريس بشكلٍ خاصّ، تنطلق كذلك من رغبة المثقف في تبرير جدارته بالإسهام في إرساء مثيل هذا المشروع في بلاده من خلال البرهنة على معرفته بالأصل معرفةً وثيقةً تؤهِّله دون غيره للاضطلاع بالدور القيادي الذي يصبو إليه منذ فجر النهضة، مع تفاوت كبير في طبيعة قدرته على تحقيقه.
واستمرّ هذا الاهتمامُ بأوروبا، وبباريس خاصةً، في الأدب العربي، وأخذ بعدًا أكثرَ كثافةً وتعقيدًا في القرن العشرين، وبعد بزوغ الأشكال السردية العربية ونضوجِها في العقود الأولى منه. بل استمرت الأسسُ الفكريةُ للتعامل مع الغرب، وتبنّي مشروعه دون مساءلته، في السيطرة على مسيرة الثقافة العربية في تلك العقود. ولأضرب مثالاً واحدًا على ذلك، وهو رغبةُ مؤسِّس صرح الرواية العربية الأكبر نجيب محفوظ حينما بدأ الكتابةَ الروائية في أن يكتب مشروعًا مماثلاً لمشروع والتر سكوت بكتابة رواياتٍ يؤرِّخ فيها لمسيرة مصر التاريخية. وقد بدأ محفوظ فعلاً بكتابة ثلاث روايات على هذا الغرار، وهي رواياته الفرعونية الأولى (عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة). بل إنه حينما اكتشف بعدها أنّ المسيرة طويلة لم يجد حرجًا في أن يولي وجهَه صوب الرواية الواقعية الغربية لمحاكاتها في مرحلته الواقعية التالية. كانت أوروبا ومنتجاتُها الثقافيةُ، إذن، نموذجًا يُحتذى من دون مساءلة. فقد أسّس روّادُ النهضة هذه الحقيقة، ولم يتم تعريضها ـ وإن بشيءٍ من التردد والخجل ـ للتمحيص والتساؤل إلاّ بعد أربعينات القرن العشرين، وخاصةً مع بدايات الثورة العربية وطرحِ أفكار التحرر من الاستعمار الغربي ونمط التفكير الغربي. وكان لـ الحي اللاتيني دور في بداية تخليق هذه المساءلة.
وإذا كانت الحي اللاتيني قد نُشرت عام 1954 فقد سبقها في تناول علاقتنا الإشكالية بالغرب نصوصٌ سرديةٌ مهمة كان أبرزَها: روايةُ توفيق الحكيم، عصفور من الشرق عام 1938؛ وكتابُ طه حسين، الأيام (ج2) عام 1939، وأديب للكاتب نفسه عام 1953؛ وقصة فؤاد الشايب، شرق وغرب عام 1944؛ وقصة يحيى حقي، قنديل أم هاشم عام 1944. وهي كلها أعمالٌ دخلت مسألةُ التلمذة على الغرب، التي انطلقت منها كتاباتُ القرن التاسع عشر، إلى بنيتها الداخلية. ذلك أنّ الحبكة الأساسية فيها إقامة علاقة إنسانية مع امرأة غربية كي يدخل بحقٍّ إلى قلب هذه الحضارة قبل عقلها. وتبدو هذه النصوص وكأنها تروي لنا سرودًا مختلفةً لحيواتِ عربٍ يعيشون تجربة الدرس في الغرب، وأثرِ هذه التجربة العقلي والعاطفي فيهم. وتعجّ ساحتُها بالجدل حول طبيعة الحياة في الغرب، وعلاقتِها بكلِّ ما يحمله بطلُها العربي ـ وهو بلا استثناء، حتى بدايات الثمانينات، رجلٌ دائمًا، ومنوطٌ به دورٌ كبيرٌ عقب عودته إلى بلاده مظفَّرًا. ولكنّ المسكوت عنه في هذه النصوص كلِّها هو ذلك التسليمُ بمسألة التلمذة على الغرب: إنها المصادَرة التي تنطلق منها هذه النصوص وكأنها حقيقةٌ مفروغٌ منها ولا تحتاج إلى أيّ جدل أو نقاش. فنحن، في عرفها، قد تخلّفنا كثيرًا، ولا بدّ أن نلحق بركب الغرب، وأن ننهل من معارفه.
وإذا ما تركنا هذه المصادَراتِ المضمرةَ جانبًا، فإننا سنجد أنّ كلّ هذه الأعمال، باستثناء قصة يحيى حقي، تنتمي موقفيّاً إلى منطلق رحلات القرن التاسع عشر، حيث تسيطر عليها فكرةُ الانبهار بأوروبا، واعتبارها نموذجًا يُحتذى بل وجديرًا بأن يُعبد. لذلك يؤطِّر توفيق الحكيم في عصفور من الشرق حبيتَه سوزي في أطارٍ أقرب ما يكون إلى معبد أبوللو عصريّ ـ شبّاك مسرح الأوديون المبنيّ على الطراز الروماني ـ حينما يصف حبيبتَه لصديقه أندريه وزوجته جيرمين قائلاً: «أراها في شبّاكها تُشرف على الناس بعينين من فيروز، وهم يمرّون أمامها الواحدُ تلو الآخر، من كلّ جنسٍ ومن كلِّ طبقة. فيهم الفقيرُ مثلي، وفيهم الموسرُ مثل ملكٍ من الملوك. فيهم الجميلُ والقبيح، وفيهم العجوزُ والشابّ. وفيهم السعداءُ والتعساء، وفيهم الأخيارُ والأشرار، وفيهم الشجعانُ والجبناء، وفيهم الجريء والخجول. نعم! يمرّ بين يديها كلََّ يوم هذا الموكبُ، وهي تبتسم من شبّاكها بين آن وآن، دون أن يعرف أحدٌ سرَّ قلبها.» إنها في هذا الوصف إلهةٌ إغريقيةٌ صغيرةٌ تشرف على عالمها من علٍ، ويتقاطر أمام شبّاكها العُبّادُ. ولذلك فما إن تَرفض هذه الباريسيةُ المعبودةُ سوزي بطلَنا محسن حتى ينهارَ العالمُ من حوله ويرتدَّ على نفسه كسيرًا محزونًا؛ فرفضُ الغرب له هو رفضُ العالم (بأداة التعريف) له. ولا يشفيه من دائه الأنطولوجي ذاك إلاّ أيفانوف الذي يتغنّى بمحاسن الشرق، وإن لم يُقنع تغنّيه محسنًا أو يشفيه من رفض حبيبته له: فقد كانت غايةُ المثقف العربي في ذلك الوقت هي أن يحبَّه الغربُ ويعترفَ به خدينًا.
صحيح أنّ نصّ الحكيم ينطوي على قدرٍ من الوعي ـ في لاوعي النصّ لا في وعيه ـ ببعض تناقضات هذا المنطلق، والتي جسّدها حسُّه التهكمي الساخر في غير مشهد. من ذلك مثلاً ردُّ فعل جيرمين، زوجةِ صديق البطل أندريه، على المشهد السابق، إذ لم يكن غريبًا ألاّ يتعرفَ الغربُ نفسُه على نفسه في هذه الصورة التي رسمها له الشرق: «فنظرت جيرمين إلى محسن مليّاً ثم قالت: أهذه المرأة في باريس، أم في كتاب ألف ليلة وليلة؟!»(عصفور من الشرق، ص 51). ويكشف ردُّ فعل جيرمين هذا عن أنّ تصوُّرَ هذه المرحلة للغرب كان محكومًا بقدرٍ من الخيال/الوهم يفوق ما فيه من المعرفة العقلية المبنية على التمحيص والأسئلة. وقد كان نصُّ الحكيم ذاك من أبرز النصوص العربية التي تناولت تلك العلاقةَ الإشكاليةَ مع الغرب. ولهذا كانت الحيّ اللاتيني التي تنطوي على موقفٍ مغايرٍ من هذا المنطلق السائد نصّاً متميّزًا في وقتها. ليس فقط لأنها مع نصّ يحيى حقي قبلها بدأت تطرح أسئلتَها المدبَّبةَ على مسلَّمات تلك المرحلة التي تصوّرتِ الغربَ ـ في نوع من الخيال أو الوهم أو الحلم ـ نموذجًا ومثالاً، ولكن أيضًا لأنها، مثل نصّ يحيى حقي أيضًا، بدأت أولَ عمليةِ فرزٍ لتصوّرنا السائد للغرب حتى ذلك الحين.
ولا بدّ ألاّ ننسى، ونحن نتناول هذه الروايةَ بعد أكثر من نصف قرن على كتابتها، أهميةَ أن نموضعها في السياق العامّ الذي كُتبت فيه. فلم يكن العالمُ العربي الذي صدرت عنه قد تحرّر بعدُ من الاستعمار. صحيح أنّ لبنان سبق، هو وسورية، بلدانًا عربيةً كثيرةً في هذا المجال، إلاّ أنّ استقلال لبنان لم يكن يعني وقتَها تحرّرَه من أسر النظرة الغربية السائدة في عالمٍ عربي مستعمَرٍ وتابع. ولم تكن القضيةُ العربية قد بدأت في التبلور بالصورة التي تجسّدت بها مع نهاية العقد الذي ظهرت فيه الرواية. صحيح أنّ عبد الناصر كان قد قام بحركته قبل صدور الرواية بعامين، لكنه كان حتى ذلك الوقت مشغولاً بتوطيد حكمه في مصر والوصولِ إلى اتفاقية الجلاء (1954) المليئةِ بالتنازلات التي رفضتها أجنحةٌ واسعةٌ من الحركة الوطنية المصرية وقتها. ولم يكن فكر عبد الناصر العربي قد تكوّن بعد، ناهيك بشيوعه والتفاف المناصرين حوله. لم يحدث أيٌّ من ذلك كله إلاّ بعد نشر الرواية بأكثر من ثلاث سنوات، وبعد العدوان الثلاثي الذي كان لحظةَ تكوين شعبية عبد الناصر المصرية والعربية. أذكِّر بهذا كلِّه لكي أبدِّد فكرةً شائعةً عن أنّ سهيل إدريس كان ناصريّاً؛ فالحقّ أنه، كما تؤكّد روايتُه الأولى هذه، كان عربيّاً وعروبيّاً قبل أن يكتشف عبدُ الناصر عروبتَه، وقبل أن يعبِّر عنها هذا الأخيرُ في توجّهاته ومسيرته السياسية التي لم تتبلور عروبيتُها إلاّ بعد سنوات من نشر تلك الرواية.

ميلادُ فكرٍ وبطلٍ ومرحلة
ولأعد، بعد هذا التذكير، إلى الرواية نفسها. تبدأ الحيّ اللاتيني بالكلمات التالية المترعة بالدلالات: «لا ما أنتَ بالحالم، وقد آن لكَ أن تصدِّقَ عينيكَ. أوَما تَشعر باهتزاز الباخرة وهي تشقّ هذه الأمواجَ، مبتعدةً بكَ عن الشاطئ، متجهةً صوب تلك المدينة التي ما فتِئت تمرُّ في خيالكَ خيالاً غامضًا كأنه المستحيل. لا ليس هو بالحلم!» (ص 5). ربما هي المصادفة النصّية أن تبدأ الحيّ اللاتيني بذلك النفي الواعي للحلم الذي لم تفلح عصفور من الشرق في التملّص من قبضته. ذلك لأنّ الرواية كلها ليست إلا نفيًا للتصوّر الحلمي السائد ـ حتى وقت كتابتها ـ للغرب. وقد رافق نفيَ الحلم في مفتتحها وعيٌ بأنّ المدينة التي يسافر إليها البطلُ اللامسمّى هي «تلك المدينة التي ما فتئت تمر في خيالك خيالا غامضا كأنه المستحيل. لا ليس هو بالحلم!». فقد كان سهيل إدريس الذي سافر إلى أوروبا وقتها ابنَ تلك الرؤية الحلمية للغرب، وهو في هذه الحال من الأبناء القلائل الذين عملوا على تغييرها ونقدِها ونقضِها معًا. وهذا ما يُكسب بطلَها اللامسمّى دلالاتٍ أوسعَ من البطل المسمَى المحدد (سامي) الذي يحيل عادةً على المؤلِّف في الروايتين التاليتين. ولا أدري إن كان إدريس قد اختار عمدًا ألاّ يَمنح بطلَه في الحيّ اللاتيني اسمًا، لكنّ هذا الأمر يوسِّع دلالات البطل ويجعله شارةً على مرحلة. ولكني أرجِّح أنه فعل ذلك عمدًا، ربما لأسباب غير تلك التي أقترحها في تأويلي للنص: فنحن نجد في روايته أصابعنا التي تحترق ضيقًا واضحًا بالإحالات التي تحاول المماهاةَ بين الكاتب وبطل الحيّ اللاتيني ـ وهو ضيقٌ لا يخلو إحيانًا من الاستمتاع بها أو استغلالها.
بعد تلك الإشارة الاستهلالية الدالّة تقدِّم لنا الروايةُ في تمهيدها نفسِه مجموعةً مهمةً من مفاتيح قراءتها. أوّلُها أنها روايةُ التحرر من الماضي، ليس فقط لأنّ منديلَ الوداع الذي يلوِّح به البطلُ لأُسرته عندما تُبحر السفينةُ من ميناء بيروت يُفلت من بين أصابعه ويحطّ على صفحة الماء، وكأنه لا يودِّع أسرتَه وحدها بل يودِّع الوداعَ نفسَه، ولكن أيضًا لأنه بعدما طار المنديل «أحسَّ برعشةٍ في جسده حين أرسل صدرُه تلك الزفرة؛ فقد خُيّل إليه أنه تحرّر من عبء كان يثقل نفسه، لعلّه هو الماضي، ماضيه يسقط عن كاهله ويضيع في النسيان»(ص5). إذن، فالرواية تريد أن تذكِّر مَن فاتته إشارةُ طيران المنديل بأهمية التخفّف من عبء الماضي لمن يريد أن يبدأ بدايةً جديدةً. وهكذا فإنّ البداية الجديدة هي ثاني مفاتيح قراءة هذه الرواية المهمة: إنها روايةُ الميلاد الجديد، وتأسيسِ الشخصية الفردية الجديدة في مجتمعٍ لم تتأسس فيه الفردانيةُ بمعناها العميق. تقول الرواية: «وللمرة الأولى منذ بدأ يعي، شعر بقوةِ هذه الإرادة التي تعصف بوجوده في أن يولد من جديد. إنه يريد أن ينسى حداثتَه، وأصحابَه، وبضعَ فتياتٍ عبرن حياتَه بغموض، ليبدأ من أول الطريق، إنسانًا جديدًا، يستلهم الحياةَ شخصيةً جديدة»(ص6). وهذا الحسّ الفردي يعي، وإن بشكل حدسي، الترابطَ الوثيق بين ميلاد الشخصية الفردية الجديدة وبين الحرية. لذلك فهو يبلور شعورهَ بالجوع إلى تلك الحرية في هذا التمهيد أيضًا: «إنّ قصارى ما يشعر به هو أنه يودّ أن يتنفس هواءً جديدًا، أن تمتلئ الصدفة بمعنى من معاني الحياة، أن يقاوم عودُ القشّ تيارَ الماء الصاخب. شيء من هذا القبيل. يريد أن .. بل هو لا يدري ما يريد»(ص6). فالحرية التي تجسّدها الرغبةُ في تنفّس هواء جديد هي موضوعُ الرواية الرئيسي، ولكنها حرية بالمعنى السارتري الذي كان سهيل إدريس من أوائل مَن طرحوه في ساحة الجدل العربي: إنها الحرية التي ترافق الالتزامَ وعبءَ المسؤولية. وهي، لهذا كله، مجردُ نشدان للحرية في بداية الرواية، يوشك أن يكون نشدانَا غامضًا وملتبسًا؛ فهو كما يقول لنا في لحظة المغادرة "لا يدري مايريد." ولكنه عندما يعود فسيدرك حقيقةَ ما يريد، وسيصوغ ملامحَ مشروعه الجديد الذي لا تتأسس أيُّ فردانية بدونه.
تنقسم الرواية بعد هذا التمهيد الدالّ إلى ثلاثة أقسام وخاتمة. في القسم الأول نتعرّف على تفاصيل حياة البطل في الحيّ اللاتيني حيث أقام في أحد فنادقه الصغيرة المجاورة لجامعة السوربون. ومنذ لحظة وصوله، تبدأ عملية الصراع بين الماضي والحاضر، بين التصوّرات المسبّقة التي صاغها عن باريس وبين الواقع الذي يتلمّس تفاصيله. وهو يدرك منذ البداية أنّ "أغلالاً ثقيلة" تربطه "بذلك الماضي"(ص12)، وأنّ على المحن أن تصهره لكي يتحرّر منه. وكان من الطبيعي أن يتعرّف أولاً على من سبقوه من العرب إلى مدينة النور، وأن يتعرّف ثانيًا على فكر سارتر ونظرياته في المسؤولية والحرية، قبل أن يتعرّف على المرأة الغربية التي يسعى الجميعُ إلى التعرف عليها- فهي جزءٌ أساسي من حبكة تلك النصوص الأولية. وتبدأ مغامراتُ البطل النسائية المخفقة: بدءًا من تلك التي يدسّ في يدها ورقةً في ظلام السينما طالبًا موعدًا كان من الطبيعي أن تُخلفه؛ مرورًا ببائعة هوًى لا يستطيع مِن خجله أن ينظر في عينيها؛ وصولاً إلى امرأةٍ نال منها وطرَه فعلاً لكنه اكتشف أنها كاذبة ألقت عليه قصيدةً لجاك بريفييرعلى أنها من شعرها وسلبته كلَّ ما كان في محفظته من نقود ومضت... لذلك لم يكن غريبًا أن تردّه كلُّ تلك الإخفاقات إلى الماضي الذي يسعى إلى التخلص منه، فيعود إلى تجربته مع ناهدة التي خلّفها وراءه في بيروت. ولا ينتهي القسمُ الأول من الرواية قبل أن يلتقي بصديق سوري، فؤاد، سيلعب دورًا كبيرًا في تخليصه من هذا الماضي، وعلى جانين مونترو التي ستكون محورَ علاقته الأساسية بالمرأة في باريس.
فجانين كما يقول لنا مفتتحُ القسم الثاني من الرواية هي «الحيبية المنشودة»(ص115)، وهي المرأة التي لا تقلّ عنه رغبةً في التخلّص من الماضي وبدء حياة جديدة. وفي هذا القسم استطاعت الرواية، خلافًا لـ عصفور من الشرق بل ولـ قنديل أم هاشم، أن تصوغ أولَ علاقة عاطفية على قدرٍ كبيرٍ من الصدق والعمق والجدية ومن النّدّية (وهذا هو الأهمّ) بين شرقيّ وغربية. فجانين سهيل إدريس ليست وهمًا خالصًا كما هو الحال مع "سوزي" توفيق الحكيم، وليست هي المرأة الغربية التي يُسلمها الشرقيُّ قيادًه فتغيِّره ثم تتخلّى عنه كما هو الحال مع "ماري" يحيى حقي. لقد استطاع سهيل إدريس في هذا القسم خلقَ علاقة حبّ حقيقية عارمة خالية من عُقد التفوّق أو الدونية بين إنسانين لهما تكوينان متباينان، ولكنه التباين الذي لا يخلو من قدرٍ كبيرٍ من التماثل الإنساني. واستطاع أن يبلور ما يجمعهما، وهو الرغبة في بداية جديدة وميلاد جديد، بقدرٍ كبيرٍ من التمكّن والإقناع. واستطاع أيضًا أن يخلق بينهما علاقةً إنسانيةً لا يقلّ ما فيها من عرامة الرغبة وقوة الحب عمّا فيها من توتّر وحساسية. إنها علاقةٌ استطاع أن يدرك فيها، كما يقول البطل، «النشوةَ الروحية واللذةَ الجسدية،» وكان من قبلُ «لم يعرف أيّاً من الشطرين إلا في أسوإ أشكاله: إمّا كبت وانغلاق وتأكل، وإما أنانية وحيوانية وانحطاط. ولم يكن يتصور أنّ بوسع إنسان أن يدرك، إلى جانب أنثى، اللذتين معًا، كما أدركهما هو إلى جانب جانين»(ص151).

والواقع أنّ ما أكسب هذه العلاقةَ أبعادًا إضافيةً من الرموز والدلالات هو أنّ القسم الثاني لم يبلور فقط علاقة البطل بجانين والوصول بها إلى أقصى درجات التحقق الإنساني، وإنما وطّد علاقته أيضًا بصديقه السوري «فؤاد» وبصديقته «فرانسواز.» وقد أقامت الرواية توازيًا مهمّاً بين العلاقتين، علاقة فؤاد بفرنسواز وعلاقة البطل بجانين، وبين التطور الفكري الذي مثّلته علاقةُ البطل بفؤاد واكتشافهما معًا لمناطق جديدة من المعرفة الإنسانية والفكرية والالتزام السياسي بقضايا مجتمعهما، لا في صورتها الضيقة (المجتمع السوري والمجتمع اللبناني)، بل في صورتها الأوسع التي تمثّلها «خدمةُ القضية القومية في بلاد العروبة كلها» (ص156). بل توشك تطوراتُ علاقة فؤاد بفرانسواز في هذا القسم أن تقدِّم استشرافَها لما ستؤُول إليه علاقةُ البطل بحبيبته، حينما يردّ فؤاد على سؤاله عن سبب عدم تفكيره في الزواج من فرانسواز التي بدت للبطل وكأنها النموذجُ المرتجى للمثقف الثاقب: «إننا مدعوّون في المستقبل ياعزيزي إلى مواجهة كثير من قضايانا القومية التي لا تعني أحدًا سوانا. وأنا لا اعتقد أنّ زوجةً أجنبيةً تستطيع أن تعين زوجَها في معاناة مثل هذه القضايا. إنني أريد أن تكون زوجتي رفيقةَ حياتي حقّاً، بكلِِّ ما في الرفقة من معنى. وإن أنا تزوجتُ يومًا، فلن أتزوّج إلاّ فتاةً عربية.»(ص158) وهناك نوعٌ آخر من الاستشراف يتخلّق عبر ثقل الوعي الوجودي بالعالم، وقد بدأ يتبلور عند البطل من خلال تلك المعرفة المزدوجة بكلٍّ من جانين وفؤاد وما فيها من توتّرات مضمرة(ص 186).
وينتهي القسمُ الثاني باقتلاعٍ يفرضه الماضي، أو يشدّه إليه، وهو يدعوه إلى السفر إلى لبنان بعدما اشتدت وطأةُ المرض على أمه. وكلُّ سفرٍ اقتلاع، ولكنّ هذا السفر يوشك أن يكون النقيضَ الكاملَ للسفر الأول الذي بدأ به النص. ويعود إلى بيروت التي يستأثر وجودُه فيها بجلّ القسم الثالث من الرواية؛ وهو قسم المواجهة الحقيقة بين البطل الجديد الذي صاغت وعيَه التجربةُ الباريسيةُ المزدوجةُ مع جانين وفؤاد، وبين كلِّ ما خلّفه وراءه من ماضٍ ثقيل الوطء تعود أمراسُه لتشدّه إليها من جديد، بل لتدمّر كلّ ما هو جميل في تلك العلاقة ولتُجهز على ثمرتها التي تركها في أحشاء جانين قبل أن يغادر. في هذا القسم يتخلق الجانب المأساوي في الرواية، ويتحول البطل إلى بطل تراجيدي بكل معاني المصطلح. بل إنه في الواقع أولُ بطلٍ تراجيدي في روايات علاقتنا الإشكالية بالغرب، وقبل أكثر من عشر سنوات من كتابة الطيب صالح للبطل التراجيدي الثاني في هذه العلاقة: مصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال. وتكشف الرسالةُ الغبيةُ القاسيةُ (ص233) التي كتبها إلى جانين تحت ضغط أمه عن كيفية انتصار التخلّف على بوادر التغيير والميلاد الجديد التي رعاها النصُّ في قسمه الثاني، وعن سقوطه (أي البطل) في أول امتحان/اختيار بالمعنى الوجودي لهذا المصطلح. وهو يعي انمحاءَ فرديته تحت وطأة التقاليد، وأنّ «ما يطعنه هو أنه قد حُرم هذا الحظَّ بالذات، حظَّ الاختيار»(ص237)، فلم يواجه قضيتَه بشخصه، وإنما بشخص أمه. والواقع أنّ الرواية كانت على قدرٍ كبيرٍ من التوفيق في الربط بين انمحاء شخصيته والتخلّص من الجنين الذي تركته علاقتُه بجانين في أحشائها: ففعل القتل ـ وهو أقلُّ ما يوصف به ما جرّته تلك الرسالةُ القاسيةُ على البطلين ـ هو أكثرُ الأفعال دلالةً على ما جرى أثناء تلك المواجهة بينه وبين أمه، أو بين الجديد والقديم في مستوًى آخر من مستويات الدلالة في هذه الرواية الجميلة. ذلك لأنّ ما قتلته الرسالة ليس الجنينَ الذي لم يقيّض له أن يولد، فحسب، وإنما جانين أيضًا، على ما تكشف لنا الأحداث.
وكما يحتاج كلُّ بطل تراجيدي إلى مطهره الخاصّ، وإلى بريته التي يعيد فيها تقييمَ ما جرى، فقد انصرف بطلُنا إلى الجبل، إلى "عاليه." وفي مطهره هذا يهبّ فؤاد إلى مساعدته للنهوض من عثرته وتحمّل مسؤوليته عن كلّ ما جرى، فيعود يبحث عن جانين. ولكنّ إدريس يفعل ذلك ببراعة الروائي المتمكّن، بحيث يُدخل القدرَ لاعبًا أساسيّاً في مصائر الشخصيات، فتترك جانين المستشفى في اليوم السابق لوصوله. وتصبح عمليةُ البحث عنها عمليةَ تفتيشٍ جديدةً عن تلك الذات الجديدة التي اغتالتها تصاريفُ التخلّف وسطوةُ الماضي والتقاليد. ويكتسب النضالُ من أجل القضية العربية، وهي الخيطُ المرافقُ لقضية الميلاد الجديد، أهميةً بديلة. فينشغل في دوّامة هذا النضال، وفي حمى إكمال دراسته حتى ينتهي من رسالته. وحينما يعثر على جانين بعد لأيٍ، يكون أوانُ العودة إليها قد فات؛ فقد ساخت أقدامُها في رمال التردّي الناعمة منذ تلك الرسالة القاسية. وتنتهي الروايةُ بخاتمةٍ تتردّد فيها كثيرٌ من كلمات الاستهلال، ولكن بعد أن أثقلتها تجربةُ ما جرى بدلالاتٍ جديدة. وتكون مغادرةُ الباخرة لمرسيليا هذه المرة، لا لبيروت، هي التي تبدد الحلم/الكابوس، وتبشِّر مع الوصول الجديد إلى بيروت بالبداية الجديدة.

الآداب والبداية الجديدة
تنتهي الحيّ اللاتيني بأمّ البطل وقد عاد إليها مظفّرًا بشهادته الجديدة فتسأله: «لقد انتهينا الآن إذن يا بنيّ، أليس كذلك؟ فأجابها من غير أن ينظرَ إليها: بل الآن نبدأ يا أمي»(ص285). والواقع أنّ أهمّ معالم البداية الجديدة لسهيل إدريس لم تقتصر على تلك الرواية الجميلة وما تبعها من إنجازٍ روائيٍّ أتوقّع أن تعود إليه الدراساتُ الأدبيةُ المتأنّيةُ في قابل الأيام بالدرس والتأمل والتحليل، ولكنه تكامَلَ بمشروعه الثقافي الكبير: الآداب. وأعتقد أنّ هذا المشروع هو ما يُكسب هذا الإنجازَ الأدبي الشخصي أبعادًا مغايرةً، إذ لا يمكن الفصلُ بين الاثنين، ولا التغاضي عن الجدل الخلاّق بينهما. فهما وجهان متلازمان لرجلٍ واحد: ذلك لأنّ هذا الجدل الخلاّق هو الذي راد اختياراتِ سهيل إدريس ومواقفه في الآداب، وهو الذي مكّنه من قيادة مشروعٍ ثقافي جادّ وناجحٍ ومستقلّ في عالمٍ عربيّ قلّ فيه نجاحُ المشروعات الجادة والناجحة والمستقلّة. وقد لعب هذا المشروع، أي الآداب، في الحياة الثقافية العربية مجموعةً من الأدوار المهمة التي لا تنفصل عن مسيرة هذه الحياة، وعن كثيرٍ مما فيها من قيمٍ ورؤًى أدبيةٍ وأخلاقيةٍ نبيلة. وكان رصيدُ سهيل إدريس الأدبي، وبصيرتُه النافذة في استشعارِ ما يمور به الواقعُ العربي من حساسياتٍ جديدة، من أهمّ عوامل نجاح مشروعه الثقافي. وكان أهمّ إنجازات الآداب في رأيي أنها نجحت بعد سنوات قليلة من ظهورها في أن تكون المجلةَ الأدبيةَ العربيةَ بلا جدال: مجلةً مفتوحةً على المستقبل، تعلي قيمةَ العقل والحوار الخلاّق، وتهبّ من صفحاتها رياحُ الحرية التي تسعى إلى تبديدِ الهواء الفاسد وتقويضِ المناخ المكتوم، وتتخلّق على صفحاتها ملامحُ الحساسية الأدبية الجديدة التي ترعاها الآداب وتواصل رفدَها بالنقد والتقويم. وقد ساعدها في ذلك نوعٌ من الاستقرار أو الازدهار النسبي للتجربة الليبرالية في لبنان ما قبل الحرب الأهلية. وأهمُّ من هذا كلّه أنها كانت مجلةً مفتوحةً على الساحة العربية الواسعة من العراق إلى المغرب، ومن سوريا إلى السودان. وعلى صفحاتها عرفتُ، أنا شخصيّاً، أهمَّ الكتابات العربية وأكثرَ إبداعات العقل العربي جرأةً وثقافةً وعمقًا، وآمنتُ معها بوحدة الثقافة العربية رغم الحدود والمؤامرات والمحن، والتقيتُ بين دفّتيها بكلّ كتاب العالم العربي من مختلف الأجيال، واكتشفتُ كيف تتصادى خطاباتُهم وأصواتُهم ورؤاهم رغم خصوصياتها الخصبة.
ولأنني سبق أن كتبتُ دراسةَ ضافيةً عن الجانب الخاصّ بالنقد الأدبي في دور مجلة الآداب، وذلك في الندوة التي أقيمت عنها في عمّان بمناسبة مرور أربعين عامًا على تأسيسها، ونُشرت في عدد خاص من الآداب، فإنني أحبّ هنا أن أشيرَ بسرعة إلى مجموعة من الأدوار الأخرى التي لعبتها في حياتنا الثقافية. فلا يمكن تصوّرُ نجاح مشروع "شعر التفعيلة" وانتشارِه الواسعِ في الثقافة العربية، وما حقّقه نجومه البارزون من إنجازات (من السيّاب ونازك ولميعة والبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر في العراق، إلى عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ومحمد إبراهيم أبو سنة في مصر، وخليل حاوي في لبنان، ونزار قباني وسليمان العيسى وعلي الجندي وعبد الباسط الصوفي وعلي كنعان وممدوح عدوان في سوريا، وقاسم حداد في البحرين، وفدوى طوقان ومحمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وراشد حسين وأحمد دحبور ومريد البرغوثي من فلسطين، وعشرات غيرهم في مختلف أقطار الوطن العربي لا يتسع المجال لذكر كل أسمائهم)، من دون دور مجلة الآداب، لا في نشر قصائد كلّ هؤلاء الشعراء (ودواوينهم في دار الآداب فحسب)، وإنما أيضًا في إدارة حوار نقدي خلاّق حوله، وفي نشر دراسات ضافية حول دواوينه، وأحيانًا حول قصائد بعينها كما كان الحال مع السيّاب.
كان دعم الآداب لشعر التفعيلة من أسباب نجاح هذا النهج الشعري، واجتذابِ الكثير من المواهب الجديدة إليه، واحتلالِه مكانةً بارزةً على الخريطة الأدبية بالرغم ممّا تعرّض له من هجوم شديد من أنصار التقليد ودعاة الجمود. صحيح أنّ حدوسَ صاحب الآداب الصائبةَ لعبت دورًا كبيرًا في نهضة الشعر العربي، لكنّ هذه الحدوس كانت مرتبطةً من البداية بمجموعةٍ من القيم الوطنية والفكرية الأساسية التي تعرَّفنا على ملامحها في روايته الأولى، الحيّ اللاتيني. وهذا ما يميّز مشروعَ الآداب الشعري عن مشروع مجلة شعر الذي طرح نفسَه نقيضًا لمشروع الشعر الوطني الملتزم الحر. فتلك القيم ـ الوطنية والفكرية ـ هي التي رادت معاركَ الآداب المختلفة ووجّهت اختياراتِها، سواء تعلّق الأمرُ بمعركتها من أجل شعر التفعيلة أو الشعر الحديث، أو معركتها ضدّ مجلة حوار، وهي معركةٌ لعب فيها كاتبُ هذه السطور مع الصديق القديم صلاح عيسى دورًا مؤثّرًا. وأظن الآن أنّ موقف الآداب ضدّ قصيدة النثر ـ وكنتُ من الذين أيّدوه زمنًا طويلاً، وإن استثنيتُ وقتها إنجازَ الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط ـ قد عرقل مسيرتَها لعقود عدة. وهذا دليل على سطوة الآداب الكبيرة وفعّاليتها المؤثّرة في الساحة الثقافية لزمنٍ طويل، وقبل أن يدور الزمنُ دورةُ معاكسة، فتتعرّض رواسي مشروع الآداب، بل المشروعُ العربيُّ برمّته، لهجماتٍ ضاريةٍ من كلاب حراسةِ الأنظمة، وكلابِ حراسةِ التحالف غير المقدّس في المنطقة العربية بين "النفيطيات العربية" كما سمّاهم أحدُ النجوم الذين خلقتهم الآداب ـ وهو الروائي السوري الراحل هاني الراهب الذي فازت روايته، المهزومون، بأول مسابقة روائية عربية مستقلّة نظّمتها الآداب.
وكان لـ الآداب أيضًا دور كبير في طرح مجموعةٍ مهمةٍ من الرؤى على الساحة العربية، لا رؤى الفكر القومي العربي الذي أخلص له سهيل إدريس حتى في زمن الانتكاسات فحسب، وإنما رؤى الكاتب والمفكر الفرنسي الكبير جان بول سارتر أيضًا. فقد كان لسهيل إدريس شخصيّاً، ولمجلة الآداب ودار الآداب ناشرتين، دورٌ كبيرٌ في طرح أفكار هذا المفكر الفرنسي على القارئ العربي، وفي ترجمة الكثير من أعماله، هو ورفيقة عمره سيمون دو بوفوار. وهذا العمل وضع اللغةَ العربيةَ في مكانة متميزة في هذا المجال: فبينما نشرت دار الآداب سلسلة «مواقف» الشهيرة لسارتر في الستينيات ومطلع السبعينات، لم تكتشف اللغةُ الإنجليزيةُ أهميةَ هذه السلسلة فتترجمها إلاّ مع بدايات القرن الحادي والعشرين. وبينما نشرت الآداب (دارًا ومجلة) أعمالَ سيمون دو بوفوار في الستينيات، لم تنتبه الحركةُ النسويةُ الأمريكيةُ إليها إلاّ في الثمانينات. ناهيك بعدد كبير من أعلام الفكر الغربي الذين اهتمت الآداب بنشر أفكارهم وترجمة كتبهم. فقد كان انفتاحُها على الثقافة الغربية لا يقلّ أهميةً عن انفتاحها على الثقافة العربية في مختلف أرجاء الوطن العربي. وهناك كثير من الكتّاب والمفكّرين الغربيين الذين يدينون بوجودهم الفاعل في الساحة الثقافية العربية لمجلة الآداب ولدارها.
ولا يقلّ الدور الذي أدّته مجلةُ الآداب ودارُ نشرها للقصة العربية والمسرحية عن دورهما في الانتصار لشعر التفعيلة. فقد نشرتا لأهمّ كتّاب القصة والرواية العرب منذ بداياتها وحتى الآن. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان للمجلة والدار دور كبير في طرح أسماء قصصية عربية كبيرة لم يكن لها وجودٌ على الساحة أو لم يكن وجودها قويّاً: من زكريا تامر وهاني الراهب وحيدر حيدر وسعد الله ونوس وحنّا مينة في سوريا، إلى يوسف إدريس ـ الذي نشرت دارُ الآداب أفضلَ مجموعاته القصصية في الخمسينات، وهي حادثة شرف ـ وسليمان فياض وبهاء طاهر وأبو المعاطي أبو النجا في مصر، إلى فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومهدي عيسى الصقر ومحمد خضير وعشراتٍ غيرهم من العراق، وحتى محمد زفزاف ومحمد شكري ومحمد برادة ومحمد عز الدين التازي في المغرب، والطاهر وطّار وأحلام مستغانمي في الجزائر. والواقع أنّ أدوار مجلة الآداب وسياقات مسيرتها الثقافية تستحقّ أكثرَ من دراسة، وقد كتبت عنها الباحثة الإيطالية مونيكا روكو رسالةً للدكتوراة نشرتها باللغة الإيطالية قبل أكثر من عشرة أعوام، وأنتظرُ أن تُكتب عنها وعن سهيل إدريس ـ وعلى ثقافتنا أن تتعلّم من حياته ومن مشروعه كثيرًا من الدروس والعبر ـ رسائلُ بحثيةٌ ضافيةٌ في اللغة العربية إن كان لثقافتنا أن تنهض من كبوتها وأن تحتفي بقيمها الأصيلة والنبيلة.
ولا يكتمل حديثي عن مجلة الآداب من دون أن أدعمَ هذا الحديثَ بشيءٍ من الشهادة الشخصية. فقد كان لهذه المجلة العظيمة دورٌ كبيرٌ في حياتي الأدبية. فعلى صفحاتها نشرتُ أهمّ بداياتي النقدية، وتحقّقَ بها وجودي النقدي على الساحة العربية الكبيرة. ولا يمضي عامٌ دون أن يذكِّرَني شخصٌ أو حدثٌ بدور تلك المجلة الكبير في طرح اسمي على الساحة النقدية والثقافية؛ وكان آخرها قبل عامين، حينما كنتُ أستاذًا زائرًا بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كنتُ أدرِّس مساقًا عن الرواية العربية لطلاّب الدكتوراة في هذه الجامعة، بعنوان "الرواية ونقّادها." وكان كلُّ طالب يختار روايةً ومجموعةً من النصوص النقدية التي كُتبت عنها، فيقرأها الطلاب، ونعقد حلقةً دراسيةً لمناقشتها. وقد اختار أحدُ الطلاّب روايةَ غسان كنفاني الجميلة، رجال في الشمس، ففوجئتُ بأنه أتى بدراسةٍ لي في الآداب عام 1964 بعنوان «نكبة فلسطين في الرواية العربية» تناولتُ فيها أربعَ روايات كانت روايةُ كنفاني من أهمّها. وقد استغرب الطلابُ أنني كتبتُ هذه الدراسة وأنا في عمرٍ يماثل أعمارَهم، بل ويَصغر بعضَهم.
أقول إنه لا يمضي عامٌ لا يذكّرني بأيام الآداب الجميلة ودورها في حياتي. ولكني سأكتفي هنا بواقعتين تكشفان عن دور هذه المجلة وقدرتها المذهلة على تخليقِ ما يدعوه بيير بورديو بـ "رأس المال الرمزي" للمثقف، وأهميتها البالغة في هذا المجال. تعود أولاهما إلى مطالع الستينيات، وكنتُ قد بدأتُ الكتابة في الآداب التي احتفت بمقالاتي من دون أن يَعرفني صاحبُها، ولم أكن قد التقيتُ به حتى نَشر لي عدة مقالات فيها. وكما بعثتُ إلى الآداب بمقالاتي فقد قدّمتُ أحدَها إلى مجلة المجلة بالقاهرة، التي كان يرأس تحريرَها أستاذُنا الكبير يحيى حقي. وكانت مجلة مهيبة تحمل عنوانًا فرعيّاً مخيفًا إلى حدٍّ ما، لنا نحن الشبان في ذلك الوقت، هو «سجلّ الثقافة الرفيعة،» ولا يكتب فيها إلاّ مشاهيرُ الكتّاب وأساتذةُ الجامعة الكبار. وكنتُ قد قدّمتُ لها مراجعةً لكِتاب، إذ لم أكن أجرؤ على تقديم مقالة أساسية بالرغم من أنني كنتُ قد نشرت عددًا من المقالات الأساسية في الآداب التي كانت أكثرَ ديموقراطيةً من غيرها من المجلات الأدبية المرموقة. ومضت عدة شهور دون أن تُنشر المراجعة، فيئستُ من نشرها في مجلة المجلة. ولكن جاء من يخبرني بأنهم يبحثون عني في المجلة، ولما ذهبتُ قال لي مدير تحريرها الراحل فؤاد دوّارة إنّ حقّي يبحث عني، وطلب إليّ المجيء في اليوم التالي لمقابلته. ولما سألتُه عن السبب ("فأنتم لم تنشروا مقالي الذي قدّمتُه إليكم منذ سبعة أشهر") قال إنّ الأستاذ يحيى قرأ لي مقالاً في الآداب وسأله إن كان يعرف شخصًا اسمه صبري حافظ، فقال له دوّارة إنني أتيتُ إليهم بمراجعة كتاب منذ سبعة أشهر، فطلبها، وطلب منه أن يبعث لي كي أقابله. وحينما قابلتُه في اليوم التالي جاء بمجلة الآداب، وكان على الصفحات التي نُشر فيها مقالي (وهو بعنوان «مسرح اللاّمعقول عند يونسكو») كثير من العلامات بالقلم الحبر، وأخذ يناقشني بجدّيةٍ في المقال الذي أبدى أولاً إعجابَه الشديد به، ثم نبّهني إلى خطإٍ في المعلومات ارتكبتُه فيه. بعدها أخذ يسألني، بأسلوبه الودّي العذب، عن حياتي، وطلب إليَّ في نهاية المقابلة الكتابة في المجلة والمعاونة في تحريرها، بعد أن لقّنني أولَ درسٍ في التحرير من خلال تلك المناقشة التفصيلية الضافية لهذا المقال. وقد غيّر عملي معه في المجلة حياتي في تلك المرحلة، ولكني لم أنسَ أبدًا أنّ اعتراف الواقع الثقافي في بلدي بي لم يجئ إلا عن طريق الآداب.
أما الواقعة الثانية فقد جرت بعد ما يقرب من عقد من الزمان، حين تلقّيتُ أول دعوة للمشاركة في حدثٍ أدبي خارج مصر، وكانت تلك هي المرةَ الأولى التي أسافر فيها خارجها أيضًا. كان ذلك عام 1971 في مهرجان أبي تمّام في الموصل، وكنتُ قد واصلت الكتابة في الآداب منذ نشرتُ فيها أولى مقالاتي عام 1962 باطّراد وانتظام، وأصبحتُ بعد تحققي النقدي فيها ممن يكتبون في بعض الأحيان في باب «قرأتُ العددَ الماضي من الآداب.» عندما وصلتُ إلى مطار بغداد ضمن مجموعة كبيرة من الكتّاب المصريين كان هناك من يستقبلنا في المطار بالطبع، ولكن جاء اثنان يسألان عني تحديدًا. وما إن تعرّفا عليَّ حتى قالا لي إنهما ليسا من المستقبلين الرسميين بل جاءا لاستقبالي لأنهما من قرائي في الآداب. كانا هذان الشخصان هما فؤاد التكرلي ومحمد الجزائري، وكنتُ أنا أيضا من قرّائهما في الآداب، فكان لقاؤنا أقربَ إلى لقاء أصدقاء قدامي ويتّسم بقدرٍ كبيرٍ من الحميمية. ومع أنّ الوفد ضمّ عددًا كبيرًا من الكتّاب وأساتذة الجامعة المعروفين، إلاّ أنّ شبّان الآداب ـ وكنا ثلاثة في هذه الزيارة: محمد عفيفي مطر وسامي خشبة وأنا ـ حظُوا باهتمامٍ خاصّ، إلى الحدّ الذي دفع أحدَ أساتذة الجامعة الشباب الذي كان يرافق أساتذته الأكبر سنا إلى التساؤل: "كيف يأتي الجميع إليكم، ولا يسألون عن الأساتذة الكبار؟» ولم يكن يدرك ـ أو كان من الصعب أن يدرك ـ أنّ الآداب خلقت لنا رأسمالاً رمزيّاً يفوق ما يحظى به أساتذتُه «الكبارُ» هؤلاء.
ولم تنتهٍ القصةُ عند ذلك الحدّ الذي أثار غيرةََ الكثيرين من أعضاء الوفد المصري الأكبر سنّاً وشهرةً في مصر، بينما كنا نحن الشبان الأكثر شهرةً خارجها بفضل الآداب. فقد جاء في اليوم التالي شاعرٌ عراقي شابّ وقتها، هو عيسى حسن الياسري، ليقول لي إنني غيّرتُ حياته حينما كتبتُ عن قصيدته في باب «قرأتُ العدد الماضي من الآداب.» وتذكّرتُه على الفور: فقد أطريتُ قصيدته، بل اعتبرتُها أهمَّ قصائد أحد الأعداد. وحكي لي شيئًا مماثلاً لحادثتي مع يحيى حقي: فما إن ظهر ذلك العدد من الآداب الذي أطريتُ فيه قصيدته حتى نشرت له الأقلام العراقية وغيرُها من المنابر الثقافية قصائده التي كانت مركونةً في أدراجها منذ شهور طويلة! بل واستُقدم من البلدة الصغيرة التي كان يعمل فيها مدرِّسًا مغمورًا، وأُلحق بالعمل في وزارة الإعلام التي كانت مسؤولةً عن الثقافة وقتها. وأصبح، هو الآخر، وبفضل الآداب، وبفضل تلك السطوة الرمزية التي كان يمتلكها الناقدُ المصريُّ وقتها، ونقّادُ الآداب خاصةً، أحدَ نجوم الحياة الثقافية في بلده الذي سبق أن جحده طويلا. هكذا كانت قدرة الآداب على التأثير في الحياة الثقافية العربية حينما كانت معاييرُ هذه الحياة على درجةٍ كبيرةٍ من الصحة والسلامة، وكانت القيمةُ الأدبيةُ والفكريةُ هي المعيار الأساسي للحكم ولمراكمة رأس المال الرمزي، وحينما كان هناك مشروع عربي فكري عقلي حر تحرري ومستنير، ولم تكن الثقافةُ قد عانت الهجمةَ النفطية بعد، أو الهجمةَ الوهّابيةَ التي نشرت الظلامَ والتخلف، وحوّلت كلابَ حراسة الأنظمة (الفاقدة للمشروع والمشروعية معًا) إلى نجوم يتحكّمون في الواقع الثقافي وينشرون فيه عملةً رديئةً مزيّفةً نجحت إلى حدّ كبير في طرد العملة الجيدة من السوق.
ويردُّنا هذا إلى ما بدأتُ به من إشارة إلى المحنة التي تعانيها الآداب وقد جُرّت إلى المحكمة. فهل ستكون هذه المحاكمةُ الشائنةُ محاكمةً لعصرٍ ولمشروع؟ وهل سيصبح رحيلُ سهيل إدريس بعد محنة جرّ مجلته، وجرّ مشروعه من ورائها، إلى محاكم الزور، رحيلاً لعصرٍ بأكمله؟ هل سنواري الثرى، مع جثمانه، كلَّ تلك الأفكار والرؤى التي نافح عنها، وناضلت من أجلها أجيالٌ من المثقفين المستنيرين على مدّ الساحة العربية- وأعني بها قيمَ العقل والعروبة والوطنية والمقاومة في زمنٍ يسمّي المقاومةَ إرهابًا، والخنوعَ للمستعمِر وتنفيذ مخطّطاته المشبوهة حكمةً واعتدالاً؟ هل ستستطيع القيمُ والرؤى التي مثّلها إدريس ونافحت عنها مجلتُه أن تتغلّب على جحافل الظلام المدعومةِ بالمال وبالمستعمِر الجديد معًا؟ هذه أسئلة أرجو أن تفكّر ثقافتُنا العربيةُ فيها مليّاً. كما أرجو أن تكون تلك المعركةُ التي تخوضها الآداب بدايةً للتفكير في محنتنا الراهنة، وفي سبل التغلّبِ عليها والخروجِ من سراديبها المظلمة.
لندن

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 4-6 / 2008