تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
فيصل درّاج
كيف نقوِّم مثقفًا راحلاً تجاوز الثمانين؟ وكيف يُقوَّم إن كان قد اتّخذ من الثقافة مهنةً وعملاً ورسالةً مدة خمسين عامًا أو يزيد؟ وإذا كان المثقف الفاعل هو ما يتبقّى منه، فما هو الأمر الثقافي الذي يتبقّى من الراحل سهيل إدريس؟
كلُّ كتابةٍ تقويميةٍ هي كتابةٌ جزئيةٌ مهما كان إخلاصُها، وبخاصةٍ إذا اختلط فيها الذاتيُّ بالموضوعي، أو إذا كان الراحلُ إنسانًا ذا طبائع متميّزة، ومثقفًا متعدّدَ الوجوه، وشخصيةً عامةً توزِّع صوتَها على قضايا كثيرة... ولقد كان سهيل إدريس ذلك كلَّه.
على أنّ الأبسط في تقويم إدريس إنما هو الوقوفُ أمام وجوهه المتعدّدة. فهو الروائي الذي احتفى المثقفون الشباب، ذاتَ مرّة، بعمله الجريء الأول، الحيّ اللاتيني، الذي أيقظ في الشباب الحالمين صورةَ الثقافة في جامعات باريس، وصورَ مناخٍ متحرّرٍ يخلِّّص المكبوتَ الشرقي من حرمانه. وهو المترجِمُ الذي احتفل طويلاً بجان بول سارتر، ثم ابتعد عنه. وهو اللغوي المجتهدُ الذي وضع قاموسًا فرنسيّاًــ عربيّاً ممتازًا، وعمل سحابةَ عقود على معجمين عربي- فرنسي وعربي-عربي. وهو صاحبُ السيرة الذاتية الذي اقتفى، سهوًا ربما، آثارَ طه حسين في غير مكان. وهو صاحبُ مجلة الآداب، التي كان النشرُ فيها شهادةً وامتيازًا. وهو صاحبُ دار الآداب، التي فتحت عقلَ القارئ العربي على الثقافة العالمية، وهو....
نعم، يستطيع القارئُ الذي يقبلُ بالتقويم العفوي البسيط أن يتأمّل كلَّ وجه من وجوه سهيل إدريس على حدة، وأن يفصِّل فيه، منتهيًا إلى صورة مثقفٍ رحيب، أراد أن يترك وراءه أكثرَ من أثر، وأن يبرهن أنّ الثقافةٌ نهج في الحياة.
لكنني أميلُ، توسّلاً للسهولة ربما، أن أقرأ د. سهيل في زمانه، وأن أراه في "روح العصر" كما يقال. ذلك أنّ الزمن المحظوظ، الذي جَرّب فيه إدريس حظوظَه الثقافية، كان مغايرًا لزمنٍ نعيشه اليوم: زمنٍ فارقته الروحُ، أو بقي منها شظايا قليلةٌ. فالرسالة القومية المنشودة تبدّدت مِزَقًا، وتحرُّرُ العقل المأمول سقط ولم يستطع النهوضَ، و"الأدبُ المسؤولُ" ما عاد مسؤولاً منذ أن تحوّلت "الحكايةُ" أو "السرديةُ الكبرى" إلى أثرٍ من الماضي يكاد لا يُرى. ولهذا لم يتبقََّ من إدريس إلاّ جهدُه الشخصي، القابلُ للمعاينة، بعيدًا عن أحلامه الأولى، التي توزّعها مع غيره، وعالجتها الحياةُ بقسوةٍ ظالمة.
في الحديث عن "روح العصر" نسأل مثلاً: ما الذي جمع بين اللبناني سهيل إدريس والفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا؟ الحقّ أنهما تقاسما إيماناتٍ ثلاثة. الأول هو الإيمانُ بقوةِ الثقافة، التي تغيّر الأرواحَ والعقولَ والعادات، وتُحِلُّ مكانَ الزمن الرتيب الضيّق الموروث زمنًا حيّاً واسعًا متجدّدًا يستجيب لإمكانيات الإنسان العربي وأشواقه المتعددة. والثاني هو الإيمانُ بقضية فلسطين العادلة، بل وبانتصارِها؛ ذلك أنّ العربي الذي "كسّر أغلالَه" قادرٌ على زحزحة الجبال. والثالث يستضيف ما سبقه، قائلاً بمجتمعٍ عربي متحرّر، يسير وفقًا لمنطق العقل الحرّ، الذي يلازم إنسانًا حرّاً يعيّن بدايةَ طريقه ونهايتها. والحال أنه لا غرابة في أن يتقاسم الطرفان اهتماماتٍ مشتركةً، وأن ينظرا إلى أفقٍ واحدٍ رغم اختلافٍ هنا وتباينٍ هناك: فقد كان جبرا روائيّاً، بل روائيّاً مُجيدًا وإن شاب لغتَه بعضُ الانفعال، وكان كاتبَ قصةٍ قصيرة، ومترجِمًا يحسن اختيارَ نصوصه، وناقدًا أدبيّاً، وصاحبَ مقالة، كصاحبه سهيل إدريس؛ وكان أيضًا فاعلاً في أكثر من مجلة، وناقدًا تشكيليّاً. ومع أنّ تواضعَ د. سهيل الرهيف منعه من اعتبار المثقف "قائدًا لذوق الناس" كما أراد جبرا، فقد تقاسم المثقفان اللبناني والفلسطيني (إن كان للصفتين الأخيرتين معنًى) أمرين أساسيين. الأول هو تعدديةُ الرسالة الثقافية، التي أرادت أن تعطي للثقافة العربية أسسًا جديدةً في مجالاتٍ متعددة، أكان ذلك في الرسم أم النقد أم الترجمة. والثاني هو الحديثُ عن مسؤولية المثقف بصيغة الجمع: فهو، عندهما، مسؤولٌ عن الذوق والتربية والوعي القومي، ومسؤولٌ عن بناء روحٍ ثقافيةٍ نقدية. ترافدت المسؤولياتُ متطلّعةً إلى حلمٍ كبير، قَصَمت ظهرَه هزيمةُ حزيران التاريخية، وطاردت (ولا تزال) ما تبقّّى من الحالمين إلى اليوم، فجرّدت هزيمةُ حزيران جبرا من أحلامه، وردّته- شيئًا فشيئًا- إلى "مثقفٍ احترافيّ" (بلغة إدوارد سعيد)، يكتب روايةً بعد أخرى، ويتطلّع إلى الوراء. والسؤال القلق المتوتّر هو التالي: ماذا تبقّى من المثقف الفلسطيني الرحيب جبرا إبراهيم جبرا؟ إذا قبلنا بمكر الزمان وجحود الذاكرة نقول: يتبقّى منه روايةٌ عنوانُها: السفينة.
كاثرت "روحُ العصر،" في زمنٍ تولّى، الأرواحَ المضيئةَ، التي تجلّت في أسماء كثيرة: ساطع الحصري ورسالتِه القومية، عبد الله العلايلي وفقهِ اللغة التحديثي، رئيف خوري الاشتراكي الحرّ وصديقِ سهيل ورفيقِه، قسطنطين زريق المبشِّر في الصحراء، خالد محمد خالد والإسلام التنويري، حسين مروّة الباحثِ عن التراث في صفحات المادية التاريخية أو العكس،... ولأنّ سهيل إدريس، الوسيمَ الذي لا تُجاوز قامتُه قامةَ الفلسطيني ــ اللبناني نجيب نصّار، كان في روح زمانه، فقد عَرف الوجوهَ التي أعطت زمانه تلك الروحَ. فقد كان في وعيه، أو لاوعيه، مكانٌ واسعٌ للمصري الفريد طه حسين. فهذا الأخير، الذي صدّ فقدانَ البصر بقوّة البصيرة، درس بدوره في باريس، وكان نصيرًا للترجمة، وكان روائيّاً وناقدًا وصحفيّاً، وأنشأ مجلتَه القصيرةَ العمر، الكاتب المصري، وأشفعها (كما يقول البعضُ) بدار نشرٍ حديثةٍ جمعت بين القديم والحديث. وإذا كان الشابّ سهيل إدريس، الذي نصر بطلَ روايته الحيّ اللاتيني على جميع خصومه، قريبًا من أفكار سارتر وفلسفته، فقد كان السيد العميد طه حسين مؤمنًا بأفكار الفرنسي ديكارت ومدافعًا عنها. وضِمن روح العصر، تقاسم التلميذُ اللبناني النجيبُ مع "أستاذه" المصري المضمَر أشياء كثيرةً، وافترقا في أمور أخرى. ذلك أنّ حسين رأى في التحديث الاجتماعي مقدّمةًً أولى لأيّ مشروع سياسي، ولذا جاء على اسم القومية العربية همسًا، في حين دعا إليها سهيل إدريس بصوتٍ جهير. ومع أنّ الأول عرف أنّ زمن المثقفين الحالمين ذهب مع مجيء الثورة الناصرية عام 1952، فقد اعتقد الثاني، صادقًا، أنّ "الثورة المباركة" تجسيدٌ للأحلام وبدايةٌ تُقَلّ حلمَ المثقف إلى شاطئه الأخير. وعلى الرغم من المسافة القائمة بين الليبرالي والقومي، أو بين الفرعوني والعروبي، وبين الديكارتي والسارتري، فقد حصدت هزيمةُ حزيران الأحلامَ وبقايا الأحلام. فرحل حسين حزينًا عام 1973 (على ما أعلن في مقابلة شهيرة له مع الراحل غالي شكري)؛ ورحل إدريس عام 2008 بعد أن بدأ يؤسِّس لأحزانه القادمة منذ عام 1975، بداية الحرب الأهلية في لبنان التي لم تنتهِ بعد. وهكذا خاب سعيُ "الأستاذ" و"تلميذه،" بأشكالٍ مختلفة وفي أزمنةٍ متعاقبة: فلا الحريةُ التي قال بها سارتر انتصرت، ولا الوعيُ القومي الذي صاهر تلك الحريةَ على مبعدةٍ وصل إلى غايته. فقد اجتثّت وحدةُ السلطات العربية المستبدّة والرعيةِ التابعةِ جذورَ العقلانية، سواء جاءت من جهة ديكارت أو من جهات ابن رشد ومحمد عبده ومصطفى السباعي! وهكذا لم يتبقَّ من آثار "أستاذ" سهيل إدريس المضمر، أي طه حسين، إلاّ أمران: أحدُهما مجرّدُ احتمالٍ، عنوانُه صلابةُ المثقف ونزاهتُه؛ وثانيهما سيرةٌ ذاتيةٌ بديعةُ المستهلّ والمضمون هي الأيام.
يمكن أن نرى إلى سهيل إدريس في مرآةِ جبرا من دون أن نقترح لهما نهايةً واحدة. ذلك أنّ جبرا الفلسطيني، الفرِحَ دائمًا، كان هو أيضًا روائيّاً موهوبًا محترفًا. ويمكن أن نرى إلى إدريس في مرآةِ طه حسين من دون نوزِّع عليهما نهايةً متماثلة، لأنّ الأيام هي السيرة الذاتية الأكثر فرادةً في تاريخ الأدب العربي، والحيّ اللاتيني قامت بإعادة تأسيس الرواية اللبنانية. وقد حوّل إدريس الكتابة الروائية، لاحقًا، إلى نشاطٍ ثانوي، فترك روايتَه الأولى معلّقةً في الفضاء، وحاول بدوره في سنوات عمره الأخيرة أن يسجّل سيرتَه الذاتية في أكثر من طور منها، من غير أن يصيب نجاحًا كبيرًا. فلقد كان إدريس مهجوسًا، ربما، بشاغلٍ أكبر، جَمَعَ بين المجلّة ودارِ النشر والترجمة والتأليفِ المعجمي والعملِ الثقافي العامّ، شاغلٍ يمكن أن يدعى بـ "ـالمشروع الثقافي الكبير." ورغم الشرح والوصف والتبرير، يبقى السؤال الذي لا بدّ منه: ماذا يتبقّى من الراحل الكبير سهيل إدريس؟
يتبقّّى أمران. أولُهما هو حالةُ سهيل إدريس، وأعني: اتساقَه الفكري الطويلَ الذي لم يعرف التبدّلَ والمساومةَ؛ ودأبَه الملحاحَ الذي أملى عليه أن يقدِّس العملَ والنظام؛ وتحويلَه الثقافةَ إلى مشروع؛ وممارستَه العملَ الثقافي بصيغه المتعدّدة؛ ووفاءَه للأموات والشهداء؛ واحتفاءَه بالقيم. والحقّ أنّ قيمَ الإنسان المثقف الذي كانه سهيل إدريس هي النصُّ الأكثرُ إشراقًًا ورحابةً بين جميع النصوص التي كتبها وترجمها وأشرفَ على نشرها. إنّ سهيل إدريس هو شيءٌ قريبٌ من رئيف خوري، الذي كانت حياتُه الشخصيةُ هي النصَّ الأكبرَ بين نصوصه جميعًا.
أمّا الأمر الثاني الذي يتبقّى من سهيل إدريس فيتمثّل في مجلة الآداب، التي كانت وستظلّ تحمل اسمَه... أكان الزمانُ واعدًا أم شاحبًا يخالطه الموات. وإذا كان أفقُ البطل الروائي يتمثّل في استمراريته البيولوجية، لأنّ مَن لا نسلَ له ينتهي بنهاية الحكاية، فإنّ استمراريةَ سهيل إدريس الثقافية قائمةٌ في مجلته القديمةــ الجديدة: مجلةِ الآداب.
عمّان