تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
آرا خاجادور
لم أتوقّّع أن يُزَجَّّ الرفيق عزيز محمّد وسط معركةٍ قضائيةٍ معروفةِ الأسباب والنتائج ضدّ مجلة الآداب (البيروتية موقعًا، والعربية والتقدّمية والإنسانية فعلاً ودورًا) بهذه السهولة، وبصفته الأمينَ سابقًا على أسرار حزبنا (الحزب الشيوعي العراقي) قبل مهادنة الاحتلال. ولم أتوقّع أن يُجرجِرَ معه اثنين من أعضاء المكتب السياسي السابقين (عبد الرزاق الصافي وكريم أحمد)، وأن تـُنتزع منه شهادةٌ عجلى، خاصةً أنه يَعلم أنّ الهدف من الدعوى/الشكوى التي أقامها فخري كريم على الآداب مجردُ محاولةٍ بائسةٍ ورعناءَ لإخراس الأصوات الحرّةِ المساندةِ للشعب العراقي المحتلّ قهرًا وعدوانًا، ومجردُ محاولةٍ فاشلةٍ لإخراسِ وتخويفِ بقية الأصوات المتألّمة على شعبنا: شعبِنا الذي أكّد بسالتَه على الرغم من هول المعركة وضخامة آليّاتها العسكرية والمالية والإعلامية والنفسية والتجسّسية والتجنيدية التي يوظّفها المحتلُّ وحلفاؤه وبعضُ القوى المحلّية التي غامرت بشرفها من أجل أوهامِ مكاسب أو آمالٍ زائفة. هذا إلى جانب أنّ الشكوى المذكورة انطوت على محاولة تبرئة شخصٍ من دون وجه حقّ، وبما يضرّ بمصلحة الحزب وسمعته وعلاقاته وتاريخه. وإنّ شهادة الثلاثة قد تجاهلت وحدةََ المصير والضمير والوجود المشترك بين مواطني البلاد العربية، وتجاهلت أيضًا موقعَ العراق في نفوسهم وذاكرتهم (ألم تكن بغداد في يومٍ ما عاصمةَ الكلّ وحاضرةَ الدنيا جمعاء؟).
ألا يكفي أنّ الشكوى موضوعَ الحديث مرفوعة من شيوعي سابق، ومستشارٍ حاليّ لـ "رئيس جهورية العراق" تحت خيمة الاحتلال، إلى جانب لواء الاستخبارات السابق وفيق السامرائي وغيره من جماعة "المستشارين"؟ ومع ذلك طرحتُ استدراكًا مع نفسي حول استدراجك، يا عزيز، مفادُه أنهم، مثلما نجحوا في جرجرتك لمقابلة الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر، قد نجحوا هذه المرة أيضًا في سحبك إلى هذه الدعوى، ولكن سحبِكَ ليس إلى الذروة أو السفح وإنما إلى ... كما فعلوا في المرة السابقة. وأقول لك ذلك بكلّ حرصٍ واحترامٍ لأيامنا المشتركة السابقة على الأقلّ.
ولأننا لم نتصادف خلال هذه السنوات العجاف الأخيرة، وبعد احتلال الوطن، وهتكِ الأعراض، وتكديسِ البشر في السجون والمقابر، وسرقةِ الزرع والضرع، وتهديدِ أمن البيوت والمدن والتاريخ، والقتلِ المجاني، والمفخَّخات، والجرائم التي لا تخطر على بال إنسانٍ سويّ، ووو... فإنّ هذه المآسي دفعتني إلى التساؤل عن بعض مواقفك: أهَزّكَ اللقاءُ ببريمر؟ أساعدَ هذا الشعورُ الذي أفترضه فيكَ، شعورُ الامتعاض من لقائه (على ما أحبّ أن أتوهّم رحمةً بأيامنا المشتركة الخوالي)، ذلك المتعجرفَ الغازيَ على الشعور بالانقباض عند ذهابكَ إليه؟ لعلّ هذا الرجل، المرتعبَ من ردّ فعل العراقيين على الاحتلال، وبحسّه الأمني، لم يثق بك؛ ولعلّه رأى فيك بقايا من شبح "فهد،" أو من الراحل برجينيف، فخلّف ذلك عنده شعورًا بعدم الارتياح، أو خانتكَ القدرةُ على الإقناع والانشراحِ أمامه، فلمّح إلى شيء من هذا في مذكّراته. وهذا هو بعضٌ من تفسيري لجملةٍ وردت في مذكّرات هذا الجاني بحقّ شعب العراق، حبّذا لو عرفتُ صحّةَ ذلك منكَ على سبيل العلم بالشيء.
وقّع الدفاعَ المشؤومَ معكَ عضوا المكتب السياسي السابقين (كريم أحمد وعبد الرزّاق الصافي). لم أتوقّع اعتراضًا من "أبي سليم" عندما طُلب منه الإدلاءُ بشهادته، ولم أستغرق كثيرًا في البحث عن أسباب موقف "أبي مخلص،" كما لم أستغرب منه ذلك لأسباب كثيرة معروفة لكم جميعًا. ولكنكم، على أيّ حال، بدفاعكم المستميت (ربما إكراهًا) عن فخري كريم، قد نقلتم القضيةَ بأكملها إلى المستوى السياسي بحكم المواقع التي شغلتموها أنتم الثلاثة في الحزب في ذلك الحين. وهنا أصبحت مقولةُ "التمسّك بقواعد الصراع الفكري" في موقع وحالةٍ يُرثى لهما وعليهما، وبات صمتي يعني المشاركة في حالةٍ شائنةٍ من جرّاء تزكية فخري كريم.
يا عزيز، هل أنتَ غيرُ مطّلع على الخروق المالية في الحزب؟ على الأقلّ أستطيع أنا التحدثَ عن بعض التحقيقات التي أنتَ على اطّلاعٍ تامّ عليها، والتي طالب أصحابُها بإيداع رسائلهم عندي شخصيّاً. وللتاريخ عند الضرورة، ومن واجبي الأخلاقي، أن أصرِّح اليومَ بذلك، ولاسيّما في ما يخصّ تلك الرسائلَ المتبادلة مع فخري. وقد أخبر هؤلاء الحزبَ رسميّاً بما أقدموا عليه.
وهل فخري، يا عزيز، هو الذي حصل على تعاقد لدعم الثقافة الجديدة من مجلة السِّلم والاشتراكية؟ وماذا عن سحب مسؤوليته عن الثقافة الجديدة في دمشق نتيجةً لضغوطٍ من داخل الحزب؟ وقد أظهر ذلك الإجراءُ ضعفَ فخري، وقلةََ شطارته وحيلته ومستوى مهارته المهنية، وتحوّلَ إلى عاطل عن العمل. وكان حبلُ نجاته هو الاحترافَ الحزبي، الظاهر لنا على الأقل، إذ لا مورادَ معلنةً عنده. وأنتَ أعطيتَه الضوءَ الأخضرَ لتأسيس مجلة النهج، الناطقة باسم الأحزاب الشيوعية العربية، وأنت تعرف ما رافق ذلك من مشاكل مع الأشقّاء. ولكنّ تأسيس النهج أَطلق يدَ فخري من دون حسيبٍ أو رقيب، وضاع الخيطُ والعصفور، الأمرُ الذي أثار استياءَ الأشقاء. إلاّ أن المشاكل حـُلّت نتيجةً لسمعة الحزب الجيدة، وأيضًا على طريقة سوق الحميدية وشارع الحمرا.
هناك ظروف ساعدت في تكدّس الأموال: فقد أَغدقت موسكو الأموالَ على النهج بفعل تطابق المصالح بين التحريفية "الغورباتشوفية" و"البيريسترويكا" من جهة، و"المستعدّين" كما قلنا قبل 20 عامًا لاستبدال النجمة الخماسية بالنجوم المتعددة على الضفة الأخرى من الأطلسي من جهة أخرى. وقد أقيمت الندواتُ والمؤتمراتُ لنشر مفاهيم غورباتشوف التصفوية التحريفية المتسرّبة من خلال عباراتها وشعاراتها الغامضة وغير الجدّية حول "العلانية والشفافية" وغيرهما من سلع غورباتشيوف ويلتسين وآخرين، من أجل تدمير الحركة الشيوعية، ليس في الاتحاد السوفيتي وحده بل وفي كل مكان أيضًا، بما في ذلك البلاد العربية. وهذه الأموال، التي أتخمت البعضَ، وصل رذاذُها إلى بعض أعضاء اللجنة المركزية في اجتماع برلين الاستثنائي للحزب، ذلك الاجتماع السيء النتيجة والممارسة والصيت.
كنتُ قد كتبتُ نصّاً منذ انفجار الأزمة الأخيرة بين الكاتب والمناضل العربي سماح إدريس الذي يهمّه مصيرُ العراق وكرامةُ شعبه، وبين أطرافٍ أقلُّ ما يقال عنها إنها لم تقِم وزنًا للوطنية العراقية ولا لشرف الأمة ومستقبلها، وذلك من خلال تصريحات تلك الأطراف المعلنة بمناسبة ومن غير مناسبة. ولا أقول هذا اعتمادًا على تفسيرات الآخرين وتقديراتهم أو "افتراءاتهم" على هذه الأطراف، ولا من خلال أحاديث تدور في غرفٍ مغلقةٍ ولا يمكن إثباتُها بوثيقةٍ ما.
نعم نازعتني رغبةٌ شديدةٌ في إدانة نقل الصراع على تقدير المواقف والآراء والأفكار إلى القضاء، كما فعل فخريكم: فعوضًا عن مقارعة الحجّة بالحجة، والرأي بالرأي، هرول إلى المحاكم. ونقول له إنّ أصحابَ الفكر شجعانٌ في الدفاع عن أفكارهم؛ وهذا ينطبق على القائمين على مجلة الآداب المعروفة والمرموقة، التي لم يقدِّم لها البنتاغون بنسًا واحدًا، وأخشى أن أقول فلسًا واحدًا خشيةَ ألاّ يُفهم قصدي من جانب الحديثي النعمة، خاصةً إذا كانت النعمةُ من مصادر أجنبية، وفي عهد بناء "الديمقراطية" تحت حراب المحتلّ ومن دماء أبطال العراق ومدنه الخوالد: "فلّوجة" البطولة، و"ثورة" الكادحين، كما هي الحالُ في كربلاء والبصرة والموصل، والسليمانية اليوم وغدًا أيضًا، ولا أتجاهل أربيلَ العزيزة، وخاصةً بعد أن أُقحمت المدينتان (أربيل والسليمانية) بما لا يُرضي ضميرَهما الجمعيَّ الحرَّ والعراقي الأصيل. أما في ما يتعلّق بالعراقيين عامةً فأقول: إنّ مَن واجهوا بهجت العطيّة وناظم كزار وصولاغ وبقيةَ المجرمين لا يخشون أرانبَ أو قططَ التربية المنزلية مهما كانت متخمةًً وسمينة!
نعم، لقد شعرتُ بواجبي تجاه الشهداء في قبورهم، وتجاه الثكلى والأرامل، وكلِّ من انتُهِكت كرامتُه وحقوقُه. وعلى أساسِ كلّ ما تقدَّم، فقد اتّخذتُ قرارًا بالاعتذار من السيد سماح سهيل إدريس، باعتباري من أكبر الشيوعيين العراقيين سنّاً، وأقدمِهم بين الأحياء في عضوية الحزب على الإطلاق، لأقول له: إنّ أحرارَ العراق والشيوعيين الحقيقين، الفهديين منهم تحديدًا، يشعرون بالامتنان لتعاطفكَ مع شعبهم، وهو في الوقت ذاته شعبُكَ كما شعبُ لبنانَ شعبُنا؛ وهذا بعد إعلان التقدير البالغ لدور مجلّتك المناضلة، التي خَدمت الفكرَ والإبداعَ التقدميين، وخَدمت نضالَ البلاد العربية عامةً من أجل التقدّم والحرية والسيادة.
لم أتعرّف شخصيّاً على السيد سماح. ولكنّ الذي أعرفه معرفةً يقينيةً هو أنّ أجيالاً من المناضلين في حزبنا وحوله كانوا يحتضنون مجلةَ الآداب وكأنّها من متطلّبات مدرستهم الثورية، التي تقوم على مبدإ صيانة حرية واستقلال الشعوب، صغيرِها وكبيرِها، وعلى قيم التضامن. ولكنني مع هذا لم أرسل خطابي إلى الدكتور إدريس الابن، وقلتُ لرفاقي ولنفسي إنني أحدُ المناضلين السياسيين، ولستُ من العاملين في الحقل الثقافي، بالمعنى الضيق للكلمة، وإنّ كلَّ معاركي تقوم على أساسٍ سياسي وفكري، لا لاعتبارات ثقافية مباشرة، أو لما قد يبدو معركةً شخصية، وإن بهامش بسيط، على أهمية هذا الهامش والميدان الثقافي ككلّ، وفي كلّ الأحوال والحالات.
لقد تردّدتُ في إرسال اعتذاري للأخ سماح كي لا يبدو الموقفُ وكأنه خوضُ معركةٍ ضدّ فخري كريم، علمًا أني لا أشعر بتقصير في كشف مواقف هذا الناشر وتصرّفاته في الصحافة الوطنية وفي نشرنا الداخلي منذ عقدين على الأقل، ولكنّ ذلك الكشف كان يتمّ على أساس الاعتبارات الحزبية والفكرية، وكلِّ ما هو مشروع، وبروحٍ أعتقد أنها كانت موضوعيةً جهدَ المستطاع.
ولقد وصلتني مناشداتٌ على صدر الصحافة، وفي مكاتباتٍ مباشرةٍ من عدد مرموق من الرفاق والمقاتلين السابقين في حركة الأنصار يطالبون فيها بشهادتي في ما جرى وما يدور حول فخري وحول افتعال الأزمة الأخيرة بسبب افتتاحيةٍ لرئيس تحرير مجلة الآداب ربيع العام الماضي. ووصلتني رسالةٌ في وقتٍ سابقٍ من الكاتب العراقي التقدّمي جمعة اللامي، ابنِ ميسان الدامية اليوم، يطلب فيها شهادةً صادقةً ونزيهةً حول ما تعرّض ويتعرّض له المثقفون في وحول حركتنا وحزبنا من بعض قادتنا الحزبيين. وكما تعلمون فإني لا أشير إلى رسالةٍ شخصيةٍ في أيّ حال؛ ولولا أنّ السيد اللامي نفسَه شاء أن يضعنا على المحكّ لنقولَ الحقَّ حلوًا أو مرّاً، أو هذا وذاك معًا، وعلنًا (ويقينًا أنكم اطّلعتم على هذه المطالبة ومطالباتٍ أخرى كثيرة غيرها منشورةٍ في أماكن عدة)، لما كتبتُ مساهمتي الأوليةَ هذه. أنا شخصيّاً أريد أن أقول كلَّ شيء، ولكن بما لا ينحدر إلى مستوى المماحكات الشخصية والابتذال والتشهير. ولكن إذا كنّا في موقع الردّ، أو فـُرض علينا الردُّ، أو أَخذت بعضُ القضايا الشخصية بعدًا سياسيّاً يمسّ نضالَنا الراهنَ ضدّ الاحتلال، أو يمسّ حياةَ الناس، فعند ذاك سنقول كلَّ ما نملك بأمانةٍ وشرفٍ وشعورٍ بالمسؤولية الوطنية والإنسانية والحزبية. كما أننا نسعى إلى تحقيق توازن وموازنة عادلين في نشر الحقائق، مع الحفاظ على المعايير السالفة الذكر، على أن لا تكون على حساب الحقائق نفسِها، ولا على حساب مشروعية مواصلة النضال ودفعِه إلى الأمام، ولا على حساب مهمّات إعادة البناء لنكون قادرين على الوقوف مع الشعب من أجل كنس الاحتلال وعزلِ خدمه من كل الأنواع والمراتب. إنّ التريّثَ في فضح المواقف الباطلة له أصولُه ووقتُه، وهذه عواملُ لا تدخل في إطار حجب المعلومات عن الشعب أو عضوية الحزب وأصدقائه.
على الصعيد العامّ، تعرّض الوطنُ لاحتلالٍ غاشمٍ باعتراف المجتمع الدولي والمحتلّ نفسِه. ولا توجد بشاعةٌ على المستوى الفردي أو العامّ أبشعُ من بشاعة الاحتلال نفسه... طبعًا ما عدا محاولات تسويقه، أو التستّر عليه، أو خدمته. والتاريخ لا يرحم في هذا المجال. وإنّ ما حلّ بالشعب العراقي لا يحتاج إلى دليل، كما لم تعد أدوارُ الأفراد والجماعات بسرٍّ على أحد. وعلى الثلاثة (عزيز وأحمد والصافي)، بل على رابعهم (فخري)، أن يعرفوا أنّ الشعب، ورجالَ الفكر الذين هم مصابيحُ رائعةٌ تضيء طريقَ الشعب والطبقة العاملة، يقارنون بين الحميّة المتوقّدة من أولئك الثلاثة على كرامة فخري كريم وتناسيهم كرامةَ ومصير الشعب العراقي كلّه. مشكورةٌ مساهمةُ مجلة الآداب في مجال الإضاءة المذكورة، ولا يقلِّل من أهمية مساهمتها الشريفة قولي إنّ الشعبَ العراقي وجميعَ الشعوب الحرة تعرف الكثيرَ الفادحَ مما يحلّ بالشعب العراقي، وتعرف أدوارَ الخونة، بل وإجورَهم، بما لا تستطيع أيةُ مجلةٍ استيعابَه ولو خصّصت كلَّ صفحاتها للشأن العراقي!
اطّلعتُ على شهاداتكم المجروحة، وحزنتُ عليكم ولأجلكم. وكان من الأنسب أن تطالبوا فخري بأن يقدِّم شهادةً ملموسةً، لا على غرار تلك التي طرحها عبر قناة "العربية،" خاصةً في الجوانب المالية. فقد تحدّث عن دعمٍ مالي من هذه الجهة وتلك، وعن حجم مالية الحزب، ولكنه لم يحدّد الفترة التي يغطّيها المليونُ دولار الذي وصفه بأعلى مبلغ وصلت إليه ماليةُ الحزب. فهل هذا المبلغ عائدُ شهرٍ، أم سنةٍ، أم هو مجرّد أعلى رقم وصلت إليه ماليةُ الحزب على الإطلاق؟ وهناك أسئلة أخرى كان من الأنسب أن تطرحوها ما دامت القضيةُ قد أصبحت قضيةَ رأيٍ عامّ بسبب صوت فخري المرتفع.
ولا أسمح لنفسي بالصمت بعد "شهادتكم" التي طـُرحت أمام الشعب. فأنا في تلك الفترة، موضوعِ الحديث، كنتُ في موقعٍ يَفرض على مَن كتبوا تلك "الشهادة" إطلاعي على العوائد المالية، بما فيها التي صرّح عنها فخري لتلفزيون "العربية" وغيره. وإنّ مجرد عدم علمي وعدم علم بقية المسؤولين في القيادة بها يعني أنّ ثمة شيئًا وراء الوراء أو خلف الزاوية... هذا من حيث المشروعية الحزبية والسياسية.
لقد فضحتُ قضية السياسة المالية للحرب، وما يحيطها من لغط، وذلك في رسائل علنية قبل 19 عامًا وإلى اليوم، من الزاوية السياسية وتأثيراتها التنظيمية. ولمّا كانت هذه المسألة تُطرح اليوم، وبهذا الحجم أمام الناس، فقد بات من قبيل المسؤولية الفردية والأخلاقية لفخري وللحزب رسميّاً أن تُطرح الحساباتُ أمام أعضاء الحزب والشعب، إن كانت هنالك إمكانيةٌ لدحر "الأكاذيب" كما يدّعي المتضامنون الثلاثة مع فخري. فشرفُ الحزب في كلّ الأحوال أغلى من كشفِ بعض الأسرار المالية، خاصة وأنّ فخري تحدّث في مقابلة "العربية" عن هِباتٍ لا يعرف بها المكتبُ السياسي للحزب نفسه، أو على الأقل أهمُّ غالبية أعضائه.
لستُ بصدد اتّهام فخري بحبّ الشهرة، بغضّ النظر عن نوعها. ويبدو أن لا مانع لديه، بل هو يستطيب، أيّة شهرة ولو في الحضيض. وقد أفشى لبعض خلاّنه بأنّ هنالك نقطةً قد يَفقد الاتهامُ ضدّه قيمتَه من جرّاء التسرّب، أو التكرار، وما تَرشحه الذاكرةُ، وما الى ذلك. وأحيانًا يُحاجج بأنه "مستهدَف" من الآخرين بسبب جدارة دوره الاستثنائي؛ وهذه حجّةٌ مردودة: فوقائع اليوم والأمس تفيد بأنه لم يحصل في تاريخ الحزب، بل والشعب كلّه، أن تعرّض شخصٌ لهذا الكمّ والنوع من الاتهامات ـ ولنقل التشهير أحيانًا. ونسأل شيوخَ "الطريقة الجديدة" في العمل الثوري ـ أي العمل الثوري تحت رعاية بريمر ومن جاء من بعده؛ نسأل الثلاثة (بعد أن مسّ فخري في غير مناسبة وحدّث بسمعتهم وكرامتهم وتآمر عليهم، بمن فيهم، بل وفي مقدّمتهم، كبيرُهم): هل فخري أجدرُ من فهد وسلام عادل والحيدري وتوفيق منير وكامل قازانجي وضاري المحمود ومحمود الحفيد والجواهري والرصافي والزهاوي والشبيبي وضياء الخطيب الهيتي وعبد الكريم الماشطه وماجد أمين وعبد الكريم قاسم وأحمد صالح العبدي أو أيّ شخص آخر عرفته الحياةُ السياسية أو العلمية أوالدينية في البلاد، ومن كلّ الاتجاهات والمواقف الفكرية والسياسية، وفي كلّ الفترات التاريخية، بمن فيهم أنتم الثلاثة، أو بعض الموظّفين عند المحتلّ، بمن فيهم أترابُه من مستشاري الرئيس و"الرئيس" نفسه؟ هل فخري أجدرُ من كلّ الناس، الأحرارِ منهم والخونة، لتُشنّ عليه كلُّ هذه الحملات "الظالمة" بقصد حرمان الشعب والحزب منه، ومن "عطاءاته" التي لا تنضب، ومن روائحه العطرة وكرمه السخي؟
إني أسعى الى إيقاف هذه المهزلة (الشكوى) الآن وفورًا. وأقول للثلاثة ولرابعهم: هل تريدون أن تأتوا على آخرِ ما تبقّى لحزبنا من شرف ومجدٍ ومآثر؟ وأعني هنا، تحديدًا، الماضي المجيدَ، إذ لا أمجاد حاليّاً، بل ولا "قول قرد"! لم يبقَ شيء مستور من موبقات هذه الأيام والأيام الخوالي؛ الموبقات التي فاحت في أوساط الحزب وأصدقائه، وأمام عامة الجماهير. أتعرفون؟ لو صارحتم أنفسَكم بشأن هذه "الدعوى" وأضرارها، وأين هي من معاناة شعبنا وهمومه، ومن حجم الأضرار التي لحقت بنا وبكم من جرّاء تلك الشكوى الصبيانية، لسارعتم إلى إيقافها، ليس من أجل السيد سماح إدريس وتصحيحِ العلاقة معه ومع عامة المثقفين غير المأجورين في آلة العدوان، ولا من أجل الحفاظ على الذكريات الطيبة لتضامن المبدعين في البلاد العربية معنا، بل على الأقلّ من أجل ألاّ يحتل السيد سماح (الذي صنعتم منه عدوّاً وهميّاً) هذه المكانةَ الكبرى في ضمير كلِّ مَن يناضل من أجل حرية الكلمة... هذا إذا كنتم كارهين له إلى هذه الدرجة الفظيعة!
إنّ خطوة فخري استكملت رسمَ خطّ الدائرة الشيطانية للحطّ من مكانة الحزب عربيّاً، علمًا أنكم اليوم مجردُ أحد أطراف الحركة الشيوعية في العراق، والطرف الذي يتحمل مسؤولياتٍ خطيرةً، ويعتمد في بقائه على الآخرين. هل تليق بتاريخكم، وبكم، ممارسةُ الدعوة إلى الديمقراطية من خلال محاكمة الفكر عبر القضاء، لا عبر الحوار بين الجماهير؟ هل يليق بكم أن تصلوا إلى هذه الديمقراطية عبر المحتلّ المتحالف مع القوى الظلامية؟ وهل هذا ممكن؟ وهل يمكن حزبًا يدّعي أنه حزبُ الطبقة العاملة أن يتحالف مع برجوازية الطوائف ولصوصها ضدّ الكادحين ومدنهم، علمًا أنّ هذا الحالة الرعناء وسلوكَ البرجوازية الطفيلية العميلة قد باتا يغطّيان العراقَ بأسره، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه؟ وإذا كان عندكم غيرُ ما نقول، فإننا نطلب إليكم طرحَه على الناس. أفتونا!
لو كنتم حقّاً لا تريدون الانتقامَ من فخري ـ وأنا هنا لا أحرّضه عليكم، لا تخافوا ـ لطلبتم منه سحبَ شكواه، وهي على منوال "ضربني وبكى وسبقني واشتكى." فهي دعوى خاسرةٌ على الصعيد الشخصي. ولكنّ الكارثة الكبرى هي على الصعيد العامّ، إذ ساهمت هذه الدعوى في تشويه حزبنا في نظر المبدعين العرب ـ وأنا هنا طبعًا لا أضع بينهم كتّابَ البترودولار الرخيص، ولا المترجمين المرافقين للاحتلال حيث تُغتصب الكرامةُ العراقية، لأنّ ملفَّ هؤلاء من فحم. وأرجو ألاّ ترفعوا دعوى ضدّي بتهمة المساهمة في تشويه سمعة "المحرِّرين." وعلى أية حال، فإنّ الوثائق في هذا الصدد وغيره كثيرة، ولو رفعتم الدعوى في واشنطن، لا في رمزِ حرية الكلمة العربية من الناحية الموضوعية والتاريخية، بيروت العظيمة، على رغم كل مصاعبها. وسوف تظلّ بيروتُ عصيّةً على كلّ غاصب ومحتلّ ومحتال، وذلك بأبنائها من أمثالِ سماح. وبحبّ الأحرار لها، لا بالفاسدين، سوف تظلّ بيروتُ شعلةً للتنوير الذي لا يخمد نورُه.
لقد قرأتُ مساهمةَ الرفيق باقر إبراهيم، عضوِ المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقًًا، إلى جانب مساهماتٍ طيبةٍ أخرى حول بعض الجوانب المتعلّقة بقضية محاولة تخويف مجلة الآداب. وفي مقالة باقر بعضُ الإشارة الأمنية بصدد فخري كريم وعادل حبه. وفي اتصال هاتفي مع الرفيق باقر ذكّرتُه بحادثةٍ أخرى غير الحادثة المرويّة في مقالته، وبمحاولة اعتقال المذكورين بعد لقائهما موفدًا إيرانيّاً في بغداد، وبالاتهام الخطير الذي وُجِّه إليهما بعد اللقاء (...). والأمرُ الذي أنقذهما هو أنّ النظام العراقي السابق كان بحاجةٍ إلى التحالف مع الحزب الشيوعي، وربما من أجل ان ينعكس ذلك إيجابًا على العلاقة مع السوفيت كما يعتقد النظام. وذكّرتُ باقرًا بطلب مكتب صدّام إلى فخري مباشرةً أعدادًا من الثقافة الجديدة، واعتقال عادل حبه في إيران، وتدخّل الرئيس الأسد الأب، والملابسات المحيطة بهذه القضية وغيرها. وكنا قد أشرنا في وقتٍ سابق إلى شهادةٍ أو معلومةٍ من نائبٍ سابق لمدير الأمن العام العراقي، قُدِّمت إلى الحزب في الشام، ولكن في وقت أصبح فيه فخري أقوى من الحزب كلِّه بفعل عواملَ لا تتعلّق بجدارته، ولا بضعف الآخرين، بل بظروف الاستضافة. ولنا عودةٌ إلى مثل هذه الموضوعات عند الضرورة، هذا مع اتفاقي مع الجوانب الأخرى في مقالة الرفيق باقر المشار إليها، وقد أكد الرفيق من جانبه ما ذهبتُ إليه.
أما بصدد التواطؤ مع المحتلّ "على أمل الديمقراطية،" فإننا نقول إنها ذريعة خسيسة. ذلك أنّ الذين خانوا مرةً يخونون مرات، والمعروف أنّ الأنانية أقصرُ الطرق إلى الغدر، والذين يؤمنون بالجواري غيرُ خليقين بالدفاع عن حقوق المرأة، والذين تورّمت جيوبُهم من السحت الحرام غير جديرين بالدفاع عن حقوق الكادحين، والذين سكتوا على الظلم داخل صفوفهم أو مارسوه غير مؤهَّلين لبناء مجتمع الحرية والعدل، ومن هانت عليهم كرامةُ بيوتهم لن يدافعوا عن شرف العراقيات والعراقيين وبيوتهم وعن الجار والأخ في العقيدة والدين والمذهب والقومية. أنه عالمُ المصالح الواطئة وقيمُها في صراعها الدائم ضدّ نقيضها.
أقول من خلال التجربة الملموسة وحسب، إنه في حياة كلّ حزبٍ توجد أو تظهر فئاتٌ يمكن توزيعُها على ثلاث مراتب: أناس سخّروا كلَّ حياتهم للحزب المعنيّ؛ وآخرون سخّروا كلَّ الحزب لخدمتهم الشخصية؛ وهناك فئةٌ ثالثةٌ هي بين بين، وينطبق عليها قولُ "ساعة لي وساعة لربي،" وينطبق عليها في الغالب وصفُ "لا غالب ولا مغلوب،" وأحيانًا تتأرجح هذه الفئة بين المرتبتين. وفي الواقع العملي، فإنّ الأولى هي التي تضحّي وتجترح الأمجادَ؛ والثانية هي التي تستثمر التضحيات، وفي الغالب تـُحرِّف الواقعَ والوقائعَ والنتائج، وأحيانًا ببشاعةٍ تثير القشعريرةَ في أصلب الأبدان، وهي لا تتورّع عن البيع والشراء؛ وتظلّ الفئةُ الثالثة على الهامش، وأحيانًا تتنقل هنا وهناك، أو تعيش أسيرةً لقوة العادة، وأقرب ما تكون إلى الجثة الهامدة.
وأخيرًا، يتبنّى الحزب الشيوعي-جناح فخري صيغةً جديدةً لبرنامجه الجديد الذي يجنح إلى أيديولوجية ما دون الاشتراكية الديمقراطية، ويمارس اللعبَ على الحبال الخطيرة من دون الإعلان عن ذلك علنًا، أي فقط من دون وضعه في العنوان الرئيس لصحافته التي لم تعد حمراء. ويعتمد على التحالفات مع القوى العرقية والطائفية، بل والإمبريالية أيضًا (تجربة مجلس الحكم وما بعدها)، ويستثمر الظروفَ الطارئة حيث محنةُ الشعب ومناضليه.
في الختام
أطلب بحزمٍ سحبَ الشكوى ضدّ مجلة الآداب ومسؤوليها فورًا. وإذا كان موعدُ المحكمة يحلّ غدًا فيجب أن تُسحب الشكوى اليوم، لأنّ استمرارَها يـُعدّ إهانةً، على الأقلّ، لماضينا المشترك. وإلاّ فسأكون في حِلٍّ من التقييد بقواعد مسك اللسان، وذلك من أجل المصلحة العامة، وإلى حدٍّ ما من أجل المصلحة الحزبية الضيقة. وإنّ شهادتكم أيها الثلاثة ودفاعَكم عن فخري كريم قد وضع القضيةَ في إطارٍ سياسيّ لا يمكن السكوتُ عنه. أحقّاً لا تدركون ما أصاب سمعةَ الشيوعية في العراق من جرّاء تلك البهلوانيات العابرة والرعناء والخائفة في الوقت ذاته؟
إني اليوم أتريّث من أجل الرفاق ذوي النوايا الطيبة، والذين ما زالوا يعتقدون أنّ التواطؤ الذي يَطبع سلوكَ البعض مع المحتلّ والقوى العرقية والطائفية مجردُ شططٍ وليس منهجًا، وذلك على الرغم من قناعتي بأنّ الأمر أبعدُ من ذلك، وأنّ الزبدَ يذهب جفاءً، ويبقى الحزبُ الذي هو من طرازٍ فهديّ ثابتًا في الضمائر والقلوب، بل ونسعى إلى أن يكون في الساحات أيضًا مع الفقراء والكادحين: من زاخو إلى الفاو.
ولن يضيع حقٌّ لشعبٍ يقاوم.
ولا نامت أعينُ الجبناء وتجّارٍ الحروب والظروف!
وأخيرًا أسأل الثلاثة: أين موقع ترّهات الدفاع عن فلان من محنة الشعب العراقي؟
يا حسرتاه على حالِ مَن غرقوا في صغائر همومهم وفقدوا الإحساسَ بمعاناة الضحايا من أبناء شعبهم.
2008-04-18