الصفحة الرئيسية
  • حول مجلة الآداب
  • العدد الأخير من مجلة الآداب
  • كتّاب الآداب
  • ملفّات قادمة
  • اﻷرشيف
  • دار الآداب
  • الاشتراك
  • نشرة قاطعوا
  • اتصل بنا
  • البحث

الأعداد السابقة لمجلة الآداب

عدد ١-٢-٣/ ٢٠١٠
عدد ١١-١٢/ ٢٠٠٩
عدد ٩-١٠/ ٢٠٠٩
عدد ٧-٨/ ٢٠٠٩
عدد ٤-٥-٦ /٢٠٠٩
عدد ١-٢-٣ /٢٠٠٩
عدد ١٢ / ٢٠٠٨
عدد ١٠-١١ / ٢٠٠٨
عدد ٧-٩ / ٢٠٠٨
عدد ٤-٦ / ٢٠٠٨

مواقع صديقة

جريدة الأخبار
منتدى صوتك
مجلة الكلمة
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي


ابحث

تصفح الآداب باستخدام متصفح فايرفوكس
Firefox 3

مجلة الآداب » ١-٢-٣/ ٢٠١٠ » اللغة والجندر: اللسان الأجنبيّ عقدةً وصنّارةَ استلابٍ لهويّة المرأة المغاربيّة

اللغة والجندر: اللسان الأجنبيّ عقدةً وصنّارةَ استلابٍ لهويّة المرأة المغاربيّة

  • عدد 1-2-3 /2010
  • محمود الذوادي

منذ سنوات قرّرتْ منظّمةُ اليونسكو الاحتفالَ في 21 فبراير من كلّ عام باللغة الأمّ، حفاظًا على اللغات المهدَّدة بخطر الزوال، وتدعيمًا لمناعة حضور فسيفساء التنوّع اللغويّ في القارّات الخمس.(1) اللافت للنظر في هذا الصدد أنّ المجتمعات المغاربيّة الحديثة لا تحتفل بهذا اليوم. فحُقّ أن نتساءل: أيعود ذلك إلى أنّ اللغتين الأمّ المغاربيتيْن (العربيّة والأمازيغيّة) ليستا في خطر، أمْ أنّه لم تعد هناك لغتا أمٍّ أصلاً في تلك المجتمعات اليوم؟!

أولاً: اللغة الأمّ عند اليونسكو والمرأة التونسيّة
فالعاميّة التونسيّة، مثلاً، هي اللغة الأمّ لمعظم التونسيّات والتونسيين. وتمثّل المفرداتُ العربيّةُ الجزءَ الأكبرَ من كلماتها، تليها المفرداتُ الفرنسيّة. إنّها اليوم خليطٌ من اللغتين، نوعٌ من الفرنكوأراب، التي يزداد فيها أو يَنقص استعمالُ مفردات اللغتين وفقًا لعواملَ مختلفة، مثل نوعيّة تعليم المتحدّث وثقافته وجنسه ـ وينطبق هذا الوضعُ على المواطنات والمواطنين من الجزائر والمغرب.
أمّا بالنسبة إلى عاملَي الجنس والجندر، فتفيد أبحاثي والملاحظاتُ العامّة أنّ النساء التونسيّات المتعلّمات والمثقّفات على الخصوص يمِلن أكثرَ من الرجال التونسيين إلى استعمال الكلمات والعبارات الفرنسيّة في الحديث ـ وهو ما يتّفق أيضًا مع سلوك الجزائريّات والمغربيّات. وقد وَصف الصحفيّ التونسيّ محمد بن رجب ذلك الميلَ الكبير، فقال:
"سألتِ المذيعةُ سيّدةً في الثلاثين من عمرها، وهي خارجةٌ من المسرح الأثريّ بقرطاج بضواحي تونس العاصمة، عن رأيها في سهرة الفنّانة صوفية صادق. فقالت هذه السيّدة: الحفلة السواري طيارة فريمون. لا شانتوز صوفية عندها بلّ فوا، سي فريمون فور بلّ. يلزم التوانسة فيارْ بالفودادات متاعهم. أونا مارْ مِنْ لي ليباني الجدُد. سي فريمون طيارة صوفية، طيارة، طيارة، والسواري ميرفايوز.” (جريدة الصباح (14/08/2007) ]الترجمة” للناطقين بالعربيّة من غير التونسيين والتونسيّات: حقيقة، الحفلة ممتازة. المغنّية صوفية لها صوت جميل، إنه حقّاً قويّ الجمال. على التونسيين الافتخار بمطرباتهم. سئمنا من (المغنّين) اللبنانيين الجدد. صوفية حقّاً ممتازة، ممتازة، والحفلة رائعة].
ويعلّق بن رجب على كلام السيّدة بالقول:
“كان يمْكن أن لا تَلفتَ هذه السيّدةُ نظري تمامًا لو كانت هي وحدها التي استعملتْ هذه اللهجة التي جاء أغلبُها باللغة الفرنسيّة. لكنها لم تكن نشازًا ولا شاذّة. فلقد تحدّث جلُّ المستجوَبات إلى المذيعة بالفرنسيّة السليمة.. أو اللهجة اللقيطة التي تحتوي على جملٍ فرنسيّةٍ كاملة، أو مكسّرةٍ، أو مخلوطةٍ بكلمةٍ إيطاليّةٍ عابرةٍ أو لفظةٍ إنقليزيّةٍ مدسوسة.”
يلاحَظ أنّ بن رجب لم يشر إلى أنّ هذه “اللهجة اللقيطة” أكثرُ انتشارًا عند المرأة؛ بل أقول إنها خصوصيّة أنثويّة تحاول مقالتي هذه تفسيرَ أسبابها الثقافيّة والنفسيّة والاجتماعيّة.

ثانيًا: تسلّط الفرنسيّة على التونسيّات
تَلفت نظرَ عالم الاجتماع في السلوك اللغويّ للمرأة التونسيّة مبالغتُها في استعمال الفرنسيّة بدلاً من العاميّة العربيّة التونسيّة، وذلك في حديثها عن الألوان والمقاييس. فنحن، مثلاً، نكاد لا نسمع أيَّ تسميةٍ عربيّةٍ للألوان والطول والعرض عندما نصاحب زوجاتِنا أثناء شرائهنّ بعضَ الملابس، إذ ينْدر استعمالُ الكلمات العربيّة للأزرق والأسود والأبيض والورديّ والرماديّ في حديث النساء المشتريات والبائعات. ويشْبه هذا الوضعُ ما نجده في خجل التونسيين والتونسيّات من كتابة صكوكهم المصرفيّة باللغة العربيّة. وهناك أيضًا ميلٌ كبيرٌ عند التونسيّات إلى استعمال لغة موليير في ذكر أيّام الأسبوع. لقد نشأ عرفٌ لغويّ عامّ بينهنّ، يعطي الأولويّة للفرنسيّة، بحيث يجعلهنّ يخْجلن من استعمال العربيّة في الحديث عن تلك الأمور.
أفلا يشير هذا الوضعُ، بالمناسبة، إلى حضورٍ غير شعوريّ لرواسب الاستعمار اللغويّ الفرنسيّ بين أغلبيّة التونسيّات (والمغاربيّات) بصفة عامّة؟(2)

ثالثًا: الفرنكوأراب اللغة الأمّ عند التونسيّات
يمْكن تصنيفُ لغة الأمّ عند التونسيّات اليوم إلى ثلاثة أنواع: 1) العاميّة التونسيّة العربيّة النقيّة التي لا تَستعمل إلاّ المفردات العربيّة، وهي ظاهرةٌ نادرةٌ بين معظم التونسيّات. 2) العاميّة التونسيّة التي تحتوي على عددٍ كبيرٍ من الكلمات والجمل الفرنسيّة؛ إنها الفرنكوأراب العاميّة المتداولة في كامل المجتمع التونسيّ. 3) الفرنسيّة، وهي ظاهرة ربّما تكون أكثرَ انتشارًا من النوع الأول.
وهكذا يتجلّى أنّ اللغة الأمّ عند الأغلبيّة الساحقة من التونسيّات ليست العاميّة التونسيّة العربيّة النقيّة، وإنما الفرنكوأراب. بل قد يتفوّق رصيدُ الفرنسيّة عند العديد من التونسيّات على رصيد العربيّة في حديثهنّ كما رأينا. وهو وضعٌ ينْذر بخطر فاجعٍ على العاميّة التونسيّة العربيّة الأصيلة. وفي هذا الصدد يرى بن رجب “أنّ ما يجري على اللهجة الدارجة أمرٌ غيرُ مفهوم ولا هو مقبول. وإذا ما تهاونّا أكثر، فإنّ التونسيّ سيَفقد لهجته شيئًا فشيئًا، ولن يكون مفهومًا في جانب من الأوساط الاجتماعيّة في تونس، ثم لن يكون مفهومًا في كامل البلاد العربيّة.” ويتساءل عن أسباب غياب الوعي في المجتمع التونسيّ بهذا الأمر، وغياب السياسات اللغويّة الضروريّة لإيقاف “هذا التيّار الذي يتحرّك بقوّة، جارفًا اللهجة التونسيّة التي يعتبرها المختصّون أقربَ لهجةٍ إلى اللغة العربيّة الصافية.” لكنه لا يحاول تفسيرَ تلك الأسباب، مع أنها تكاد تكون واضحةً لأغلبيّة المعنيين بملفّ التعريب في المجتمع التونسيّ.
وكنتُ قد كتبتُ كتاب التخلّف الآخر،(3) وكثيرًا من المقالات عن علاقة التونسيّات والتونسيين باللغة العربيّة. فوجدتُ أنّ هذه الأخيرة لم تَكتسبْ، بعدَ أكثر من نصف قرن من الاستقلال، المكانةَ الأولى في قلوب التونسيّات والتونسيين وعقولهم واستعمالاتهم. ويعود ذلك إلى افتقار القيادة السياسيّة والنخب الثقافيّة التونسيّة في العهد الأوّل للاستقلال (خاصةً تحت سلطة القيادة البورقيبيّة) إلى تحمّسٍ كافٍ لقضايا التحرّر اللغويّ والثقافيّ من الاستعمار الفرنسيّ، نتيجةً لما أسمّيه “الازدواجيّة اللغويّة الأمّارة” لتلك القيادة والنُّخَب بعدم إعطاء العربيّة أولويّةَ الاستعمال. فنشأتْ، من ثم، عقليّةٌ تونسيّةٌ جماعيّةٌ غيرُ واعيةٍ حقّاً بطبيعة الاستعمار اللغويّ والثقافيّ الفرنسيّ، الذي يؤهِّل الناسَ لقبول الاستعمار الاقتصاديّ والسياسيّ والعسكريّ، كما قال المفكّرًُ الجزائريّ مالك بن نبي. ولذلك نَفهم ترحيبَ تلك العقليّة باستمرار استعمال الفرنسيّة على حساب اللغة العربيّة/الوطنيّة؛ ذلك لأنّ تلك العقليّة تعتبر استخدامَ التونسيّات والتونسيين للغة الآخر ضربًا من “التفتّح المتحضّر.”

رابعًا: اللغة الأجنبيّة وبثّ مركّب النقص
ينتشر اعتقادٌ ساذجٌ في المجتمعات المغاربيّة وغيرها أنّ تعلّم اللغات الأجنبيّة أمرٌ إيجابيٌّ بالكامل. غير أنّ البحوث تؤكّد أنّ ذلك التعلّم قد يكون سلبيّاً على عدّة مستوياتٍ تجْهلها اليومَ ـ حسب ملاحظاتي ـ الأغلبيّةُ الساحقةُ من الفئات المتعلّمة بالمغرب العربي.(4)
في حزيران 2008 قابلتُ زميلةً جامعيّةً تونسيّةً لم أكن أعرفها من قبل في إحدى الندوات بتونس العاصمة. بدأنا نتحدّث عن مواضيع الندوة، فراحت تمزج كلامَها كثيرًا بالفرنسيّة. وبعد مهلةٍ خاطبتُها قائلاً: “إني لن أستمرّ في الحديث معك إنْ أنت واصلتِ هذا النمطَ من الكلام؛ فلنا لهجتُنا العربيّة التونسيّة النقيّة، أو العربيّةُ الفصحى لغتنا الوطنيّة.” فأردفتْ قائلة: “نظرًا إلى معرفتي بلغة شكسپير، فهل تَقْبل المزجَ بالإنكليزيّة؟” وحين أجبتها بضرورة الالتزام باستعمال العربيّة في شكليْها العاميّ والفصيح، ردّت بالفرنسيّة: même pour les intellectuels? (أيْ: حتى بين المثقفين؟)
إنّ تساؤلها هذا يشير إلى أنّ معظم المثقفين والمثقفات المغاربيين ذوي الازدواجيّة الأمّارة قد تعلّموا، خطأً وجهلاً، في المدرسة والجامعة والمجتمع، أنّ العربيّة غيرُ صالحة لأن تكون أداةَ تعبيرٍ عن الفكر والثقافة والعلم بينهم. وإنّ هذه الزميلة لمثالٌ حيٌّ على علاقة الاغتراب المستمرّة بين عددٍ كبيرٍ من المتعلّمين والمثقفين التونسيين، إناثًا وذكورًا، واللغة العربيّة. وتعني حالةُ الاغتراب هنا فقدانَ شعور الغيرة على اللغة العربيّة، وندرةَ مَنْ يدافع عنها باقتناعٍ وحماسٍ، فيؤدّي ذلك إلى مشاعرَ وسلوكاتٍ تحقيريّةٍ تجاهها، وإلى بثّ الشعور بمركّبِ نقصٍ إزاء الذات والهويّة.
إنّ تنكّر زميلتي لاستعمال اللغة الوطنيّة لا يمثّل انفتاحًا على الآخر، بل هو استلابٌ يمسّ أهمَّ مكوّنات هويّة الأفراد والشعوب. والواقع أنّ هناك شروطًا لتعلّم لغة الآخر كوسيلةٍ للانفتاح عليه، لا كصنّارةٍ للانسلاخ عن الذات. ففي المجتمعات المتقدّمة تتمثّل هذه الشروطُ في محافظة اللغة/اللغات الوطنيّة على المكانة الأولى في قلوب الخاصّة والعامّة وعقولهم واستعمالاتهم. ويجب القولُ بهذا الصدد إنه لا يجوز الترحيبُ بتعلّم اللغات الأجنبيّة إذا أدّى إلى وضع اللغة/اللغات الوطنيّة في المكانة الثانية أو الثالثة بين أهلها ومجتمعاتها، أو تسبّبَ في بثّ مركّبات النقص.

خامسًا: دلالات النبرة الباريسيّة عند المرأة المغاربيّة
هناك إجماعٌ في المجتمعات المغاربيّة الثلاثة على أنّ المرأة والرجل يختلفان في نطق حرف الـ (r) الفرنسيّ أثناء حديثهما بالفرنسيّة الصرفة أو بالفرنكوأراب أو عندما يقرأان الفرنسيّة. فالمرأة تميل إلى نطقه بنبرةٍ باريسيّة، أيْ بما يشْبه نطقَ حرف الغين في العربيّة؛ وفي المقابل، يميل الرجلُ إلى نطقه كما ينطق حرفَ الراء.
إنّ الفرق في نطق الـ (r) بين الجنسين قد يكون ذا دلالاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ لدى كلٍّ منهما. وما كان لي أن أفترضَ ذلك لو أنّ سكّانَ باريس الأصليين ذكورًا وإناثًا اختلفوا في نطقه، لكنهم مشهودٌ لهم بنبرة الغين (غ) عند نطقهم إيّاه. فلماذا يختلف المغاربيُّ والمغاربيّةُ في نطق الـ (r)، في حين أنّ الباريسيّ والباريسيّة لا يختلفان؟(5)
لا حاجةَ للتدليل على أنّ جذورَ هذا الفرق النطقيّ لا تعود إلى عواملَ وراثيّةٍ (بيولوجيّة) تَسمح للأنثى بالقدرة على نطق الـ (r) بنبرة الغين وتَمنع الذكَـرَ منه؛ فالجنسان قادران بشكلٍ متساوٍ على نطق حرف الغين بالعربيّة. لذا يجد الباحثُ نفسَه مضطرّاً إلى سبر أهميّة المؤثّرات الخارجيّة (المكتسَبة) في بلورة ملامح السلوكيْن اللغوييْن. ولتحديد هذه المؤثّرات نحتاج في المقام الأول إلى معرفة نوعيّة علاقة الأنثى بالذَّكر في المجتمعات المغاربيّة. فالعلاقة بينهما لاتزال مشوبةً بعدم المساواة، ولاسيّما في ما خَصَّ التمتّعَ بـ “مكاسب الحداثة” بمفهومها الغربيّ: كحريّة الاتصال بالجنس الآخر، والتنقّلِ أثناء الليل والنهار، وارتيادِ المقاهي والسينما والمسرح، وارتداءِ اللباس المرغوب. إنّ وجود اللامساواة هذه قد يساعد على تفسير الفرق النطقيّ لحرف الـ (r) بين المغاربيّ والمغاربيّة. فالحداثة قطبٌ رئيسٌ، برّاقٌ وجذاب، لاهتمامات الأفراد، خاصةً أفراد مجتمعات العالم الثالث الذين يتعرّضون أكثرَ من غيرهم للتعليم والتثقيف الغربييْن. وهكذا فإنّ الانجذاب إلى عالم “الحداثة” أصبح محرّكًا مهمّاً لدى الأنثى يَدفع بها إلى تقليد الغرب (الغالب)، على غير مستوًى بما في ذلك المستوى اللغويّ، تعويضًا من فقدان مساواتها الكاملة. وكما قال ابن خلدون، “فالمغلوب مولعٌ دائمًا بالاقتداء بالغالب.” ومن هذا الطرح التنظيريّ لانعكاسات “الحداثة” على الجنسين، أطرحُ الآن، بشكلٍ أكثر دقّة، فرضيّاتِ أسبابِ الاختلاف النطقيّ لحرف الـ (r) بين المغاربيّ والمغاربيّة.
1 ـ إنه جزءٌ من ظاهرةٍ لغويّةٍ كبرى، ويتجلّى في تحدّثهما بالفرنسيّة الصرفة أو بالفرنكوأراب. يمْكن هنا ذكرُ صنفين من الفرنكوأراب، ذكوريّ وأنثويّ: ذلك أنّ المغاربيّات المتعلّمات على الخصوص يَمِلْن إلى استعمال كمّيةٍ أكبر من الكلمات والعبارات الفرنسيّة أثناء حديثهنّ بالعاميّة. ومن ثمّ، فالفرق في استعمال الفرنسيّة من طرف الجنسين لا يقتصر على نطق حرف الـ (r)، بل يتعدّاه إلى عدد الكلمات والجمل الفرنسيّة التي يستعملها كلٌّ منهما.
2 - لاتزال الفرنسيّة تمثّل للمغاربيّ والمغاربيّة أمرين: أ) أنها لغة الغالب، وب) أنها لغة الحداثة. والعاملان يحفّزانهما على الانجذاب إلى استعمال الفرنسيّة أكثرَ ما يمْكن من أجل الشعور بتحسين الذات. أما لماذا تتفوّق المغاربيّة المتعلّمة على المغاربيّ المتعلّم في نطق حرف الـ(r) بالنبرة الباريسيّة، وفي عدد المفردات والجمل الفرنسيّة التي تستخدمها أثناء سلوكها اللغويّ العامّ، فذلك يحدّده ما أُطلقُ عليه “قانون الحتميّة الاجتماعيّة النفسيّة والثقافيّة.”
فعلى المستوى الاجتماعيّ تشكو المرأة المغاربيّة الحديثة من دونيّةٍ مزدوجة: (أ) فهي، مثلَ نظيرها الرجل، في موضع المغلوب بالنسبة إلى المستعمر الفرنسيّ القديم الغالب، وبالنسبة إلى الغرب بصفةٍ عامّة؛ (ب) وهي تشكو من دونيّةٍ ثانيةٍ مقارنةً بزميلها الرجل من حيث مكانتها الاجتماعيّة عمومًا وتمتّعها بـ “مكاسب الحداثة” خصوصًا.(6) وبعبارةٍ أخرى، فإنّ البنى الاجتماعيّة وقيمَ المجتمع العربيّ المسلم تضع أمام المغاربيّة عراقيلَ أكثر أمام تقدّمها الاجتماعيّ وكسب رهان الحداثة، فتخضع لإحباطاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تفوق ما يَخضع له الرجل. وسعيًا منها إلى تجاوز هذه الإحباطات، فإنها تلوذ بالفرنسيّة بوصفها عالم رموز تقدّميّاً وتحديثيّاً. وعليه، فإنّ استعمالها المكثّف للفرنسيّة، ونبرتَها الباريسيّة في نطق حرف الـ (r)، عبارةٌ عن احتجاجٍ سلميّ ضدّ مجتمع ذكوريّ، من جهة، وتقليد بالكامل للآخر الفرنسيّ في لغته، من جهةٍ ثانية.
أما محافظة المغاربيّ على نطق حرف الـ (r) بنبرة الراء العربيّة، ففيها أكثرُ من إشارةٍ إلى وضعه الاجتماعيّ والنفسيّ والثقافيّ. نعم، هو منجذبٌ إلى استعمال الفرنسيّة بسبب انجذابه إلى الحداثة، وبسبب وضعه المغلوب أمام الفرنسيّ والغربيّ عامّةً. ومع ذلك يبقى وضعُه الاجتماعيّ والنفسيّ أحسنَ من وضع زميلته المرأة. وهذا ما يسمح له بالتميّز عن الباريسيّ حين يستعمل لغتَه: فكأنّه، إذ ينطق الـ (r) بنبرةٍ عربيّةٍ لا باريسيّة، يؤكّد تمسّكَه بشيءٍ من ذاتيّته/هويّته، حتى حين يقلّد الآخرَ في استعمال لغته. إنه، خلافًا للمغاربيّة، غيرُ مهيّأ اجتماعيّاً ونفسيّاً وثقافيّاً لتقليد الآخر تقليدًا كاملاُ.
نحن، إذًا، أمام صنفين من التقليد: (1) تقليد بالكامل و(2) تقليد منقوص. وكلٌّ منهما حصيلةٌ لنوعٍ خاصّ من الحتميّة الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة، ويُفصح عمّا تتعرّض له هويّةُ كلٍّ من الجنسين من درجة انصهارٍ في الآخر. ومن المفارقات هنا أن يستمرّ المغاربيّون والمغاربيّات في الاعتقاد أنّ ميلهم إلى استعمال الفرنسيّة بدلأً من العربيّة يُعدّ سلوكًا تقدّميّاً وعصريّاً؛ بل العكس هو الصحيح. وقد سبق أن أطلقتُ على ذلك الاعتقاد (وعلى السلوك اللغويّ الذي يرافقه) مصطلحَ “التخلّف الآخر،” وهو عنوان كتابين أصدرتُهما عام 2002 حول هذا الموضوع، أحدُهما بالعربيّة والآخرُ بالإنجليزيّة.(7)

خاتمة: الحداثة مصْدر مشاكل؟
ترى باحثة أمريكيّة أنّ الركض وراء الحداثة يؤدّي إلى أمراضٍ نفسيّةٍ لدى المرأة التونسيّة، بسبب التناقض بين انجذابها إلى قيم تلك الحداثة (الغالبة) من جهة وعدم سماح المجتمع التونسيّ لها بقطف ثمارها أسوةً بالرجل.(8) وهكذا يجوز تأويلُ رغبة التونسيّات في استعمال رصيدٍ ضخمٍ من الكلمات بوصفها أعراضًا مرضيّة لتعويض فقدان بعض مكاسب الحداثة التي لا ترحِّب بها ثقافةُ المجتمع التونسيّ التقليديّة. وبناءً على هذا المنظور النفسيّ يصبح مشروعًا طرحُ التفسير النفسيّ لوجود صنفين من لغة الأمّ (الفرنكوأراب والفرنسيّة). ونتيجة لهذا الوضع اللغويّ المأزوم ذي الجذور النفسيّة بين معظم التونسيّات حسب الباحثة، فإنّ ضعفَ تعاطفهنّ مع العربيّة أو العاميّة التونسيّة العربيّة النقيّة يصبح أمرًا مفهومًا.
وبغياب هذا التعاطف مع اللغة الأمّ عند أغلبيّة الأمّهات التونسيّات تتضرّر بالتأكيد علاقةُ أطفالهنّ بالعربيّة، فصحى وعاميّةً. ومن ثمّ، ينبغي عدمُ التباهي بذلك الغياب، كما تفعل تونسيّاتٌ كثيرات، لأنه ليس سوى مؤشّر على مخزون مشاكل ثقافيّة ونفسيّة واجتماعيّة لعب ويلعب فيها تسلّطُ الاستعمار اللغويّ الثقافيّ الفرنسيّ على الجندر الأنثويّ دورًا بارزًا.
تدلّ المؤشّراتُ السابقة على موقف جماعيّ غير سويّ لدى كثيرٍ من التونسيّات، والمغاربيّات عامةً، إزاء لغتهنّ الوطنيّة. إنّ الازدواجيّة اللغويّة الأمّارة لاتزال هي المهيمنة على سلوكهنّ اللغويّ، إذ لم تولَدْ بعدُ ظاهرة “الازدواجيّة اللغويّة اللوّامة” التي تلومهنّ (وتلوم الرجال أيضًا) على استعمال اللغة الأجنبيّة بدلاً من العربية في شؤون الحياة الخاصّة والعامّة. إنّ ضعف (أو غياب) الموقف اللوّام لصالح اللغة العربيّة يمثّل بوّابةٌ واسعةٌ لبثّ مركّبات نقصٍ لديهنّ؛ ذلك أنّ هناك علاقةً وثيقةً بين اللغة والهويّة الجماعيّة للشعوب.(9) وإنّ الاختلال في هاته العلاقة مصدرٌ أساسيّ لخلق شخصيّة أو هويّة نسائيّة مغاربيّة مضطربة ومرتبكة، ويُضعف من تماسك معالم الهويّة العربيّة لأغلبيّة النساء المغاربيّات المتعلّمات على الخصوص.

تونس

* ـ عالم اجتماع، جامعة تونس.

المقالة منشورة في مجلة الآداب, ١-٢-٣/ ٢٠١٠


  • المقالة السابقة: عن سرقة الموروث الموسيقيّ الفلسطينيّ
  • المقالة التالية: أميركا، إلى المافيا... سيِري!
  • علِّق
  • نسخة للطباعةنسخة للطباعة

إلى بنت الخضراء

Submitted by مجهول on اثنين, 01/02/2010 - 12:13am.

تعقيبا على تعليقك أستسمح الدكتور الذوادي أن أنقل هنا نص التعليق الذي أرسلته له ردّا على رسالة يعلمني فيها بنشر مقالته هذه
و هذا نص الرسالة

أهلا أستاذ
شكرا للتواصل و الإعلام
لقد سجلت المادة و سأطالعها بتمعّن
غير أنني لاحظت في رسالتك أنك استعملت، أو بالأحرى اضطررت إلى استعمال، لغة أجنبية لتقديم عنوان المواقع الإلكترونية الحاملة لمقالتك
إنها مشكلتنا الأبدية فنحن لن نستطيع التخلص من الخلط اللغوي طالما لم نحل إشكال الابتكار العلمي
لن نستطيع مهها صفت النيّة و قويت العزيمة
ما رأيك ؟
تحياتي و مودتي
سلوى الشرفي

  • رد

اللغة الأم

Submitted by مجهول on خميس, 28/01/2010 - 10:29pm.

أنا امرأة تونسية و أفتخر بلغتي الأم اللغة العربية ، لغة كل عربي ، ولغة القرآن . كما كانت لغة المثقفين و الأدب و الطب و الفيزياء و الفلسفة و الهندسة وعلم الفلك وكل العلوم . أيام كانت الحضارة العربية الإسلامية قبلة الغرب و أوروبا .
كما أريد التوضح في مسألة مصطلح (اللغة الوطنة )، ليس هناك لغة وطنية بل فيه لغة عربية قومية لغة كل العرب ،وفيه لهجات متعددة تشمل الوطن العربي كله .
وفي الأخير أرجو من التونسيين أن يتخلصوا من عقدة( المغلوب دائما يقتدي بالغالب ) وأن يقرأوا تاريخهم وحضارتهم بعمق وعين إيجابية.

بنت الخضراء

  • رد
© ٢٠١٠ جميع الحقوق محفوظة - مجلة ودار الآداب