الصفحة الرئيسية

إعادة نشر المقال

في وجه قرار المحكمة الظالم تجاه الآداب ورئيس تحريرها ومديرها المسؤول، لا يسع الآداب في هذه العجالة إلا إعادة نشر المقال ـ موضوع الدعوى الجائرة، الإفتتاحية: نقد الوعي "النقدي": كردستان-العراق نموذجاً، ويعلن رئيس تحريرها تشبثه بكل كلمة جاء فيه، وقراره الاستئناف... لا في المحكمة فقط بل في فضح أدعياء اليسار ومبرري الاحتلال ومستشاري السلاطين وأعداء الحرية

  • حول مجلة الآداب
  • العدد الأخير من مجلة الآداب
  • كتّاب الآداب
  • اﻷرشيف
  • دار الآداب
  • الاشتراك
  • نشرة قاطعوا
  • اتصل بنا
  • البحث

الأعداد السابقة لمجلة الآداب

عدد ١-٢-٣/ ٢٠١٠
عدد ١١-١٢/ ٢٠٠٩
عدد ٩-١٠/ ٢٠٠٩
عدد ٧-٨/ ٢٠٠٩
عدد ٤-٥-٦ /٢٠٠٩
عدد ١-٢-٣ /٢٠٠٩
عدد ١٢ / ٢٠٠٨
عدد ١٠-١١ / ٢٠٠٨
عدد ٧-٩ / ٢٠٠٨
عدد ٤-٦ / ٢٠٠٨

مواقع صديقة

نادي اصدقاء الآداب
جريدة الأخبار
منتدى صوتك
مجلة الكلمة
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي


ابحث

تصفح الآداب باستخدام متصفح فايرفوكس
Firefox 3

مجلة الآداب » ١١-١٢/ ٢٠٠٩ » الدولة الواحدة كمشروع إنقاذٍ فلسطينيّ

الدولة الواحدة كمشروع إنقاذٍ فلسطينيّ

  • عدد 11-12/ 2009
  • أسعد غانم

أنزل/ي المقالة بصيغة PDF

تمخّضت الأحداثُ التي عصفتْ بالفلسطينيين منذ النكبة وحتى يومنا هذا عن تعثّر كلّ المشاريع الوطنيّة، ووصولِ الفلسطينيين مع بداية القرن الحادي والعشرين إلى وضعيّة الإخفاق التامّ في تحقيق أيٍّ من الأهداف الوطنيّة الجماعيّة أو المنفردة للأجزاء المختلفة من الشعب الفلسطينيّ.
فاللاجئون أصبحوا بعيدين عن حقّ العودة أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى. أمّا الدولة الفلسطينيّة المستقلّة كما حدّدتْها مبادرةُ الاستقلال الفلسطينيّ عام 1988، وإنهاءُ الاحتلال، وإعادةُ القدس الشرقيّة إلى السيطرة الفلسطينيّة، فهي أمورٌ تجاوزتْها التطوّراتُ السياسيّة ولم تعد قابلةً للتحقيق. وفي المقابل فإنّ فلسطيني الداخل، الذين اعتمدوا إستراتيجيّة المساواة بأوجهها المختلفة، لم يستطيعوا حتى الآن إحداثَ أيّ اختراقٍ استراتيجيّ في مبنى الدولة الإثنيّ وسياساتها المعتمدة على إبراز تفوّق اليهود على غيرهم.

يعود الإخفاقُ الفلسطينيّ إلى عدة عوامل. أهمُّها ما يتعلّق بالممارسات الإسرائيليّة، وسياسات التطهير العرقيّ، والتصفية، والتفرقة، والاحتلال، والتمييز العنصريّ، ضدّ الفلسطينيين. كما أنّ الغرب بقيادة الولايات المتحدة انحاز بشكلٍ واضحٍ إلى جانب إسرائيل. ومن المؤكّد أنّ الضعف العربيّ، وسياساتِ بعض الدول العربية تجاه الفلسطينيين، هي من أسباب الإخفاق الفلسطينيّ. وكلّها أسبابٌ وجيهة تستحقّ التدقيق، لكنني سوف أكتفي بالتطرّق إلى تحليل الأسباب الذاتيّة التي أوصلتِ الفلسطينيين إلى حالة "الحركة الوطنية الفاشلة."
الحجّة المركزيّة التي تسوقها هذه المقالة هي أنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وصلتْ إلى طريقٍ مسدود، واقتربتْ من التفكّك في بداية القرن الحالي. ولذلك فهي تحتاج إلى تطوير مشروعها الوطنيّ الجماعيّ بشكلٍ يكْفل جمعَ الفلسطينيين من حوله، وتحويلَ الفكرة إلى رافعةٍ للانطلاق التنظيميّ والبرنامجيّ للشعب الفلسطينيّ. إننا، باختصار، في حاجة إلى مشروع إنقاذٍ فلسطينيّ شامل.
في مرحلة ما بعد عرفات نضجت الأوضاعُ الداخليّة والخارجيّة للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وأدّت إلى فشل هذه الحركة. وينعكس فشلُها بشكلٍ محدّد في حقيقة بلوغها مرحلة الصدام المدمّر والانهيار الداخليّ. فبروز "حماس" بديلاً من منظمة التحرير الفلسطينيّة (م.ت.ف) في التسعينيّات، وتبنّيها برنامجًا يستند إلى معايير اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ وطموحاتٍ تختلف اختلافًا جذريّاً عن معايير م.ت.ف وطموحاتها، أدّيا إلى تفاقم الصراع بين مؤيّدي المنظمة وتيّارها الرئيس "فتح" ومؤيّدي "حماس." وتزامنَ ذلك مع تحوّل النضال الفلسطينيّ الذي تقوده م. ت. ف، بقيادة محمود عبّاس، من تبنّي "الموديل الجزائريّ" إلى تبنّي "الموديل الأردنيّ،" بمعنى القبول بالمحتلّ والعدوّ طرفًا "مساعدًا" لإنجاز التحرّر الوطنيّ، بل واعتماده شريكًا لمشروع الاستقلال الوطنيّ، والذهاب إلى أبعد من ذلك من خلال تحوّل رموز السلطة والمنظمة إلى متعاونين مع إسرائيل ضدّ أجزاء معارضة في الحركة الوطنيّة.
إنّ التطوّرات المذكورة، وأخرى ليس هنا مقام ذكرها، أدّت إلى شلّ النظام السياسيّ الفلسطينيّ، وإلى إحداث استقطابٍ داخليّ يفكّك الحركة الوطنيّة من الداخل. وقد حدث هذا قبل أن تحقّق الحركة الوطنيّة أيّاً من الأهداف الكبرى التي حدّدتْها لنفسها على مرّ السنين، مثل: تحرير الوطن، ورفض الصهيونيّة كحركة استعماريّة، وعودة اللاجئين، وإنشاء دولة فلسطينيّة إلى جانب إسرائيل، وتحقيق سلامٍ مستقرّ.
***
يكمن العاملُ الذاتيّ لفشل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة مع بداية القرن الحادي والعشرين إلى طبيعة النظام الذي أنشأه عرفات داخل م.ت.ف، وقام لاحقًا بنقله إلى مؤسسات السلطة. وهذا النظام مبنيّ على التفرّد بالسلطة، واتّباع سياسة تهميش القوى والقدرات الفلسطينيّة، وتعطيل صياغة القرار السياسيّ، بحيث تحوَّلَ مشروعُ الفلسطينيين إلى مشاريع الزمرة المتفرّدة بالسلطة. كما تمخّض الانتقالُ بعد ذلك بين البرامج السياسيّة، وبشكلٍ ارتجاليّ، عن انتقالٍ سريع، وغير متّزن: من مشروع "التحرير" في البدايات، إلى مشروع "الدولة الواحدة،" فمشروع "إقامة الكيان على كلّ جزءٍ من فلسطين،" فالانتقال سريعًا إلى اتفاق عمّان، والتحوّل تدريجيّاً نحو القبول بالقرارات الدوليّة، بل الرضوخ للشروط الأمريكيّة في ما يتعلق بالتبرّؤ من النضال الفلسطينيّ وتجريمه، ومن ثم إعلان "الدولة الفلسطينيّة" الذي تعرّض لعمليّة غسيلٍ ونشرٍ سريعين، لنصل في نهاية المطاف إلى اتفاقيّات أوسلو التي مهّدتْ لإقامة كيانٍ فلسطينيٍّ تابعٍ لإسرائيل ويتلقّى دعمَها العسكريّ والأمنيّ والسياسيّ... وإنْ ضدّ الفلسطينيين أنفسهم.
هذا الكيان الفلسطينيّ (أو "المحميّة الإسرائيليّة") تحوّل عمليّاً إلى نظامٍ عميلٍ لإسرائيل، وللغرب، وللأنظمة العربيّة الموالية له. وتكشّف ذلك نهائيّاً في الدور (المكشوفِ والمخفيّ ـ والأخيرُ قد يكون أعظم) الذي لعبه رموزُ السلطة وم. ت. ف خلال الحرب الإسرائيليّة على غزّة، وفي إتمام ذلك الدور بالتخلّي عن تقديم إسرائيل إلى المحاسبة الدوليّة على خلفيّة تقرير غولدستون عن جرائمها في غزّة.
وللتلخيص، تمْكن الإشارة إلى الإخفاق الفلسطينيّ، وخصوصًا من حيث المبنى التنظيميّ المنهار للكيان الوطنيّ الفلسطينيّ الذي تمثّل حتى السنوات الأخيرة في م . ت. ف. كما أنّ المشاريع الفلسطينيّة في العودة، أو إقامة الدولة المستقلّة، أو مساواة الفلسطينيين داخل إسرائيل، وصلتْ إلى الإفلاس. وهنا يُطرح السؤالُ عن كيفيّة إنقاذ الوضع الفلسطينيّ ممّا آل إليه؟
إنّ أيّة محاولة لإخراج الوضع الفلسطينيّ من ضياعه الحاليّ والمتفاقم يجب أن يتطرّق، في رأيي، إلى شقّيْ أسس العمل السياسيّ: التنظيميّ والبرنامجيّ. ففي الشقّ التنظيميّ يتعلّق الأمر بإعادة تكوين الكيان السياسيّ للفلسطينيين. وذلك ممكن بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير ككيان سياسيّ جامع لعموم الفلسطينيين؛ أو باللجوء إلى إقامة كيانٍ سياسيّ بديلٍ وجديد، يعتمد على تمثيل عموم الفلسطينيين، ويكون حاملاً لهمومهم الجماعيّة. ولأنّ المقال لا يتطرّق إلى الجانب التنظيميّ فأنني لا أنوي الخوض أكثر في هذا المضمار، بل انتقل إلى الجانب البرنامجيّ، وهو يتعلّق بالبرنامج السياسيّ.
البرنامج السياسيّ الشموليّ الوحيد هو، في رأيي، مشروعُ الدولة الواحدة. فهو يستطيع أن يعطي إجابة منطقيّةً وعمليّةً للفلسطينيين على اختلاف أماكن وجودهم. كما أنه يستطيع إعطاءَ إجابةٍ منطقيّةٍ وعمليّةٍ لليهود الإسرائيليين. إنه بالضرورة حلٌّ ثنائيُّ القومية، مبنيٌّ على التكافؤ الفرديّ والجماعيّ في الدولة الواحدة.
وفي التفصيل، فإنّ هذه الدولة المفترضة هي الحلُّ الوحيد لكي يتخلّص للفلسطينيون في الضفّة والقطاع من الاحتلال. كما أنه الحلّ الذي يوفّر للاجئين العودةَ إلى ديارهم، وذلك باستعمال حقّ المقايضة المتّبع في الدول الديمقراطيّة والمنقسمة عرقيّاً. وهو الحلّ الوحيد الذي يستطيع تأمينَ المساواة للفلسطينيين داخل إسرائيل وتجاوزَ مسألة الدولة اليهوديّة المبنيّة على التفوّق العرقيّ. وهو بالتأكيد الحلّ الذي "يطبّع" وجودَ اليهود الإسرائيليين في فلسطين.
***
يعتقد بعضُ المعلّقين والسياسيين أنّ الحديث عن الدولة الواحدة هو من سبيل العبث، خصوصًا على ضوء إقامة السلطة الوطنيّة، وخروجِ إسرائيل الجزئيِّ من الضفّة وغزّة، و"نجاحِ" مشروع الفصل من طرفٍ واحد. والحقّ أنه ليس واضحًا لي المنطقُ الذي يقوم وراء هذا الموقف بعدما أصبح جليّاً أنّ إسرائيل وحكوماتها تعْرض "حلاً" لا يؤدّي إلى حلّ أيّ من "القضايا المؤجّلة" (وهي القدس، والمستوطنات، والحدود، واللاجئون، والسيادة الكاملة). كلّ ما يقدّمه هو "حلّ" منقوص مبنيّ على أساس إقامة دولة فلسطينيّة في غزّة، وفي 40-50% من الضفة الغربيّة، مع استمرار إسرائيل في تحكّمها بالغلاف الخارجيّ لهذا الكيان المشوَّه، ومع استعمالها القوة الغاشمة إنْ خرقَ الفلسطينيون أيّةَ "خطوطٍ حمراء" يحدّدها الإسرائيليون. فإذا اقتنعنا كفلسطينيين بأنّ المعروض من قِبل إسرائيل لن يلبّي، في سقفه الأعلى، أيَّ تطلّعٍ فلسطينيٍّ وطنيٍّ إلى إقامة دولة في الأراضي المحتلة كلّها، وإلى حلّ القضايا المعلّقة المذكورة آنفًا، فإنّ علينا في المقابل أن نَجْهد في وضع حلٍّ يتحدّى ما تريده إسرائيل، ويكون إنسانيّاً وأخلاقيّاً، لنا ولليهود.
ومع وعينا الكامل بأنّ القيادة الفلسطينيّة، وربما غالبيّة الفلسطينيين، ما زالوا يراهنون على حلّ الدولة الفلسطينيّة إلى جانب إسرائيل، فإنّ مؤيّدي الدولة الواحدة، الثنائيّة القوميّة، يجب أن يصرّوا على عرض تصوّرهم كبديلٍ فلسطينيّ من حلّ الدولتين. وعليهم ألاّ يتركوا البابَ مفتوحًا لأن يكون الحلُّ الإسرائيليّ مقبولاً... خصوصًا مع وجود فلسطينيين مروِّجين لهذا الحلّ، متذرّعين بالبرغماتيّة و"المناخ الدوليّ" و"ميزان القوة" وغيرِها من أعذار لقبول ما يعْرضه علينا الآخرون، أيْ من دون طرحٍ إستراتيجيّ بديل.
إنّ حلّ الدولة الواحدة ممكن، ويجب إن يكون مرغوبًا فيه، إذا أخذنا في اعتبارنا المسائلَ التالية:
أولاً، يجب أن يُطرح كحلٍّ بعيدِ المدى، يتم تطويرُه على ضوء وصول المشكلة الفلسطينيّة، من خلال "دولة في الضفّة والقطاع وذات سيادة كاملة،" إلى طريقٍ مسدود. وبالمناسبة، عندما يشير البعضُ إلى أنّ حلّ "الدولة الواحدة" نظريّ، لا يمْكن تطبيقه، فما هو الحلُّ الممكنُ تطبيقُه؟ يجب أن نجيب بصراحة على هذا السؤال بسؤالٍ آخر: هل إقامة دولة فلسطينيّة على كامل الضفّة والقطاع أمرٌ ممكن؟ الحقّ أنّ مواجهة هذا السؤال هي إحدى الطرق للوصول إلى القناعة بأنّ فكرة الدولة الواحدة أكثرُ واقعيّةً من فكرة الدولتين المؤسَّستين على الفصل القوميّ والإثنيّ، على اعتبار أنّ الدولة في الضفة والقطاع أمرٌ ممكنٌ فقط إذا قبل الفلسطينيون بدولةٍ منقوصةٍ على جزء من الأراضي المحتلّة عام 1967. وفي المقابل فإنّ من الواضح أنّ واقع فلسطين التاريخيّة هو واقعُ كيانٍ واحد، ثنائيِّ القوميّة، يجب تطويرُه لكي يترجَمَ إلى مبنًى سياسيّ متساوٍ للإسرائيليين والفلسطينيين.
ثانيًا، يفترض مؤيّدو إقامة دولة فلسطينيّة في الضفّة والقطاع أنّ الفلسطينيين في إسرائيل سوف يستمرّون في العيش كمواطنين، وأنّ بإمكانهم ذلك من خلال الإطار الإسرائيليّ. لكنّ المؤكّد أنّ هذا الإطار يستثنيهم كمتساوين، ويعاملهم بوصفهم غرباء وأعداء في كثير من الأحيان. هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى لا يمْكن حلُّ مشاكل هؤلاء إذا استمرّتْ قطيعتُهم السياسيّة والثقافيّة عن باقي أبناء الشعب الفلسطينيّ. وبالتالي، فإنّ أيّة إمكانيّة نظريّة لتطوير وضعهم يجب أن تأخذ في الحسبان ضرورة تغيير جوهر مكانتهم في إسرائيل وبين الفلسطينيين. وهذا ليس ممكنًا إلاّ في دولة واحدة، ثنائيّةِ القوميّة، يكون فيها الفلسطينيّون في إسرائيل مواطنين متساوين من جهة، وجزءًا من المجموعة الفلسطينيّة من جهة أخرى، بحيث يتمّ تجاوزُ كونهم أقليّةً عدديّةً ضعيفة. ويقوم تواصُلهم السياسيّ مع فلسطينيّ الضفّة والقطاع بمساندتهم وبتوسيع مجال تطوّرهم الحياتيّ. وفقط في إطارٍ كهذا يمكن أن تكتمل هويتُهم من ناحية المواطنة، ومن ناحية الانتماء الوطنيّ معًا.
ثالثًا، يفترض مؤيّدو إقامة دولة في الضفّة الغربيّة والقطاع أنّ اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربيّة المجاورة سوف يجدون حلاً لوضعهم في هذه الدول، أو أن يقوموا في مراحل متأخّرة بالهجرة إلى الدولة الفلسطينيّة العتيدة. لكنّ هذا الموقف غيرُ ممكن إذا أخذنا في حساباتنا ثلاثة اعتبارات: أ) أنّ إسرائيل تشترط لإقامة سلطةٍ فلسطينيّة ألاّ تفتح أبوابها للاجئين الفلسطينيين لأنه قد يساهم في تغيير الميزان الديموغرافيّ الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ بسرعة. ب) أنّ معظم اللاجئين أُخرجوا من مناطقَ تقوم عليها دولةُ إسرائيل. ج) أنّهم مازالوا يعانون سياسة تمييز سيّئةً في أماكن وجودهم في العالم العربيّ، ومازالوا يفتشون عن مخرج (وإلاّ فما هو تفسيرُ هجرة كثيرين من شبابهم إلى الدول الغربيّة وخصوصًا أوروبا؟). إذا أخذنا هذه الاعتبارات في حساباتنا فعلينا أن نفتّش عن حلٍّ يضْمن لهؤلاء، سياسيّاً على الأقلّ، إمكانيّة إرجاعهم إلى وطنهم الأصليّ. وهذا ممكنٌ فقط من خلال دولةٍ واحدةٍ تقوم على أساس المساواة وحقّ التكافؤ: فإذا كانت إسرائيل قد هجّرتْ ملايينَ اليهود إليها منذ سنة 1948، فيجب أن يُسمح في إطار الدولة الواحدة بأن يرجع مئاتُ آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم أو على الأقلّ إلى مناطق قريبةٍ منها.
رابعًا، يروِّج بعضُ معارضي الدولة الواحدة، الداعين إلى دولة فلسطينيّة في الضفة والقطاع، أنّ إسرائيل وغالبيّة اليهود لن ترضيا بهذا الحل لأنه ينهي فكرة دولة اليهود النقيّة. هذا الطرح صحيح بالتأكيد، لكنّ علينا في هذا الإطار أن نفكر في مسألتين. 1) هل إسرائيل واليهود يوافقون على إقامة دولة فلسطينيّة كاملة السيادة في الضفّة والقطاع؟ وهل الدعوة إلى هذا الحلّ أَخذتْ في الحسبان موافقة إسرائيل واليهود المسبّقة، أمْ طُرحتْ حلاً قد تجبَرُ إسرائيلُ على القبول به؟ 2) إنّ حلول المشاكل القوميّة لم تتمّ في أيّة حال بموافقة الأغلبيّة أو المجموعة المسيطرة، بل رغم أنفها؛ وهذا ما حدث لكلّ حركات التحرر الوطنيّ، وللأبارتهايد في جنوب إفريقيا. وبالتالي، فإنّ تطوير فكرة "الثنائيّة القوميّة" وتنفيذها أمرٌ لا يتطلّب موافقة إسرائيل في هذه المرحلة، بل موافقة فلسطينيّة وإسرائيليّة في نهاية المرحلة التي قد تمتدّ إلى عشرات السنين.
خامسًا، يدّعي بعضُ معارضي الدولة الواحدة، الثنائيّة القوميّة، أنّ هذه الفكرة تجهض المشروعَ الوطنيّ الفلسطينيّ، على اعتبار أنّ الدولة الفلسطينيّة في الضفة والقطاع هي ذلك المشروعُ. وعلى هؤلاء يكون الردّ بأنّ الدولة الواحدة هي توسيعٌ لفكرة المشروع المذكور، بحيث يشمل الفلسطينيين في إسرائيل ويقوم على كامل فلسطين الانتدابيّة... مع الأخذ في الحسبان أنّ المجموعة القوميّة الأخرى (اليهود) تستحقّ الدرجة عينها من المكانة.
***
وأخيرًا إذا كان حلُّ الدولة الثنائيّة القوميّة، على أساس الاعتبارات المذكورة، هو القادرَ على حلّ إشكاليّات صعبة تواجه الشعبَ الفلسطينيّ، فيجب أن لا نسوقه فقط كأننا مجبرون على القبول به بسبب تعثّر إقامة دولة فلسطينيّة في الضفة الغربية والقطاع. بل يجب أن يكون حلا نتطلّع إليه، ونسوّقه، ونعتبره أساسًا لعمليّة إنقاذ مستقبل الفلسطينيين ومشروعهم السياسيّ. وأولُ المطالبين بذلك هم المثقفون والساسة الفلسطينيّون الذين يروْن الواقعَ وإشكالاته، ويروْن أنّ الدولة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة والقطاع لن تحلّ المشكلة الفلسطينيّة بل قد تساهم فقط في حلّ مشكلة الفلسطينيين في الضفّة والقطاع فحسب، بما يؤدّي إلى تجزئةٍ أبديّةٍ للمشكلة الفلسطينية وللفلسطينيين أنفسهم.

الجليل
*محاضر في علم الاجتماع بجامعة حيفا.

المقالة منشورة في مجلة الآداب, ١١-١٢/ ٢٠٠٩


  • المقالة السابقة: الأرض الواعدة: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية (٢)
  • المقالة التالية: دفاعاً عن الدولة الواحدة
  • علِّق
  • نسخة للطباعةنسخة للطباعة

الدولة الواحدة

Submitted by مجهول on سبت, 19/12/2009 - 12:18am.

قد يبدو مشروع الدولة الواحدة أكثر واقعية. لكن ذلك يتطلب بناء جسر طويل من الثقة بين الفلسطينين و الأِسرائيلين. على اسرائيل اثبات حُسن النية و لا مانع أن يُعمل على مشروع الدولتين كحل مُؤقت و على اسرائيل أن تُعيد الجولان المحتل الى سوريا و أن تعامل فلسطيني الداخل على قدم المساواة مع الأِسرائيلين. كل ذلك سيسهم في بناء الثقة الضرورية لتعايش الشعبين في دولة واحدة و سيكون ذلك لصالح الشعبين معا حيث ستكون العلاقات طبيعية بين الدولة الوليدة و دول الجوار. فهل هناك من يستطيع اقناع اسرائيل بذلك؟

سليم محمد غضبان كاتب مترجم- الدنمارك

  • رد
© ٢٠١٠ جميع الحقوق محفوظة - مجلة ودار الآداب