عن المفعول السياسيّ لشعار "الدولة الديمقراطيّة في فلسطين"

بين المشروع والشعار
إنّ المهمّ في موضوع "الدولة الديمقراطيّة" هو المشروع السياسيّ؛ فهو يشمل تصوّرًا للمستقبل وكيف نريد أن نعيش، كما يشمل البنيةَ السياسيّةَ والاقتصاديّةَ والمجتمعيّة. ومن ناحيةٍ ثانية، تبدو الشعاراتُ كأنّها كلامٌ عابر؛ فلكلِّ مناسبةٍ، ولكلّ مزاجٍ جماهيريّ، شعاراتٌ ملائمة.
لكننا نتساءل: ما هو مفعولُ أيّ مشروعٍ على أرض الواقع، وإنْ كان أحسنَ المشاريع؟ فلقد علّمَنا التاريخُ أنّ أصحابَ القوّة هم الذين يقرّرون بنيةَ النظام، ويشرّعون القوانينَ التي تخْدم مصالحَهم. لذلك، وكي نتغلّبَ على الظلمِ والقهرِ والمنفى والاحتلال، علينا أن نصنعَ القوّةَ التي تستطيع فرضَ مشروع التحرّر؛ فمن دون القوّة قد يبقى كلُّ مشروعٍ حبرًا على ورق.

من هنا لا بدّ من البحث في دور الشعار السياسيّ كمحرّكٍ وموجِّهٍ لحركة الجماهير في الوقت الحاليّ وظروفه؛ ذلك أنّ عملَنا النضاليَّ اليومَ يسهم في صياغة المستقبل، وفي حسم الصراع، وتحديد مَن يكون أصحابُ القرار في المراحل القادمة: فإذا حافظتِ الإمبرياليّةُ والصهيونيّةُ على هيمنتهما، ضمنّا لأنفسنا المزيدَ من الاحتلال والحروب والتطهير العرقيّ والظلم؛ أمّا إذا انتصرتْ حركةُ التحرّر، فقد تفتح الطريقَ أمام العودة وتقرير المصير والديمقراطيّةِ والعدالةِ الاجتماعيّة.

ديناميكيّة الحلّ – لكنس الهيمنة الإمبرياليّة
يعتمد عملُنا لبناء حركة الجماهير على رؤيةٍ شاملةٍ لعمليّة التغيير، تقتضي أنْ نحدِّد القوى المتصارعة، والديناميكيّاتِ التي تؤدّي إلى تغيير ميزان القوى بينها.
إنّ فهم مصير فلسطين لا يتحقّق من خلال النظر إلى الحركة الصهيونيّة كحركةٍ استعماريّةٍ تستهدف الاستيلاءَ على أرض فلسطين فحسب، بل نرى أيضًا أنّ الاستعمار الصهيونيّ مركّبٌ من مركّبات الهيمنة الإمبرياليّة على المشرق العربيّ. لذا، من المهمّ جدّاً رؤيةُ الأزمة التي وصل إليها نظامُ الحكم الإمبرياليّ/الصهيونيّ:
فقد كان غزوُ العراق يجْمع بين أطماع الإمبرياليّة بالسيطرة على مصادر النفط، وبين موقف الصهاينة والمحافِظين الجدد في ضرورة منع تطوير أيِّ نظام قوميًّ عربيٍّ لضمان "التفوّق الإستراتيجيّ" الإسرائيليّ. ولكنّ هذا الغزو أثبَتَ فشلَ الاعتماد الأمريكيّ على الحليف الإسرائيليّ؛ فبدلاً من أنْ تخوض إسرائيلُ حروبَ أمريكا في المنطقة، تأتي أمريكا بجنودها لتحافظَ على مصالح خُدّامها.
وإلى ذلك، فقد قامت المقاومةُ الشعبيّةُ للغزو الأمريكيّ للعراق بالدور التاريخيّ في قلب ميزان القوى، إذ كشفَتْ عجزَ الإمبرياليّة عن ترجمة جبروتها العسكريّة إلى سيطرةٍ سياسيّةٍ تفرض نظامًا مواليًا لها. وترافَق ذلك مع تراكُمِ بطولات المقاومة الشعبيّة العربيّة وانتصاراتها خلال السنوات الأخيرة ـ من معركة لبنان عام 2006، إلى صمود غزّة في وجه الحصار الإجراميّ، فإلى مقاومة الاحتلال الأجنبيّ المدعوم إمبرياليّاً في الصومال.
إنّ عجزَ الإمبرياليّة عن فرضِ هيمنتها بالقوة يعيد الدورَ المركزيّ إلى الجماهير العربيّة لإقرار مستقبل هذه المنطقة. لذا، فإنّ المهمّة المركزيّة، اليومَ، هي صياغةُ البديل، وبناءُ التحالفات التي تكْنس نظامَ الهيمنة والاستبداد، وتُنشئ المجتمعَ العربيّ الحرّ المزدهر.

شعار الديمقراطيّة ومهمّةُ بناء التحالف المعادي للإمبرياليّة
يسود الطابعُ الإسلاميُّ، اليومَ، حركاتِ المعارضة الجماهيريّة والمقاومة، وذلك بفضل بنيتها كحركةٍ جماهيريّةٍ تجْمع بين الاهتمام بهموم الناس وحاجاتهم اليوميّة وبين الضرورة الوطنيّة في مقاومة الإمبرياليّة. كما يؤمّن المَيْلُ الشعبيُّ نحو الدين، والحصانةُ النسبيّةُ للمساجد والمؤسّسات الدينيّة، حدّاً أدنى مطلوبًا للتحرّك، ولو في أسوإ الظروف القمعيّة. لذلك حاولتِ الإمبرياليّةُ الأمريكيّةُ، بالتعاون مع بعض الأنظمة المحلّيّة، بعد فشل مشروع احتلال العراق، اصطناعَ الخلافات بين المذاهب الإسلاميّة بهدف منع توحيد قوى المقاومة. وقد فشلتْ هذه المحاولةُ البغيضة.
إلاّ أنّ الحركات الإسلاميّة لا تمثِّل كلَّ الجماهير، وذلك لتنوّع المذاهب والطوائف الدينيّة من ناحية، ولوجود قطاعاتٍ من الجماهير لا ترى في الدين مرجعيّتها السياسيّةَ الرئيسةَ من ناحيةٍ أخرى. من هذا الواقع تنبع ضرورةُ بناء تحالفٍ واسعٍ مناهضٍ للإمبرياليّة، يشْمل ويمثّل الغالبيّةَ العظمى من الجماهير من كافّة الطوائف والمذاهب الدينيّة والاتّجاهات السياسيّة القوميّة واليساريّة. لكنّ قيامَ مثل هذا التحالف مرهونٌ بسياسة التحالفات لدى الحركات الإسلاميّة قبل غيرها لكونها الفريقَ السائد. وقد أثبتَ حزبُ الله اللبنانيّ، بالتحالف الوطنيّ الواسع الذي بناه في السنوات الصعبة الأخيرة، جدارتَه في هذا المضمار. فهل يمْكن بناءُ مثل هذا التحالف الواسع [في أماكن أخرى] لكي لا تغرقَ المعارضةُ في التناقضات الثنائيّة، أم أنّ تجربةَ حزب الله استثنائيّةٌ ناتجةٌ من خصوصيّة الواقع اللبنانيّ؟
مثلُ هذا السؤال تستدعيهِ تجربةُ حركة "حماس" في غزّة. فبعد الانسحاب الإسرائيليّ الأحاديّ الجانب من القطاع المحاصَر، وفشلِ المحاولات الإمبرياليّة في إشعال حربٍ أهليّةٍ في القطاع، استطاعت "حماس" أن تفرضَ فعليًا حكومتَها المنتخَبة. وبالتالي جمَعَ التاريخُ سابقتين مهمّتين: تحرير أوّل قطعةٍ من أرض فلسطين من الاحتلال الصهيونيّ وقيامُ السيادة الفلسطينيّة عليها رغم كلّ بشاعة الحصار؛ وقيام تجربة سلطويّة أولى لتيّار الإخوان المسلمين المقموع. فهل تتبنّى حركةُ "حماس" البرنامجَ الديمقراطيّ الذي حملتْه منظمةُ التحرير الفلسطينيّة قبل خضوعها للمشاريع الإمبرياليّة، وتعمل بالتالي على تشكيل تحالفٍ واسعٍ مناهضٍ للصهيونيّة؟ أمْ تنجرّ وراء سابقتِها "فتح" إلى الطريق المسدود نحو الحلول المبنيّة على استمرار الهيمنة الإمبرياليّة؟

مفهوم الدولة الديمقراطيّة - فلسطينيّاً وعربيّاً
يستمتع بعضُ السياسيّين والمثقفين الغربيّين، في لحظات غياب الوعي الذاتيّ، بالاستماع إلى محاضرات زملائهم العرب عن "غياب الديمقراطيّة في العالم العربيّ." ولا يؤثّر فيهم تأييدُ الإمبرياليّة (التي تنتمي دولُهم إليها) للتطهير العرقيّ في فلسطين، وللنظام العنصريّ الصهيونيّ، في خضمّ مشروعِها المسمّى "نشر الديمقراطيّة." ولكنْ، هل يكون انكشافُ زيف الطرح "الديمقراطيّ" الإمبرياليّ مبرِّرًا لرفض الديمقراطيّة الحقيقيّة المرجوّة في العالم العربيّ، مع أنّ غيابَها يُبعد الجماهيرَ الشعبيّةَ عن مركز القرار ويمنع التحرّكَ الجماهيريّ الحرّ ويضمن استمراريّة تركيز القوّة والثروات في أيدي الأقليّة المسيطرة؟ أمْ تكون تعريةُ الطرح الإمبرياليّ، وكشفُ حقيقة موقفه الداعم للأنظمة الاستبداديّة، هما المدخلَ إلى حراكٍ جماهيريٍّ ديمقراطيٍّ حقيقيّ، يواجِهُ أوّلاً الهيمنةً الإمبرياليّةَ والنظامَ العنصريّ الصهيونيّ، ويسعى ثانيًا إلى توسيع الديمقراطيّة من حرّيّة التعبير والتنظيم والنضال وصولاً إلى تشكيل أسسٍ جديدةٍ لحقّ تقرير المصير للجماهير في كلّ قضاياها؟
فلسطينيّاً، يعتمد شعارُ الدولة الديمقراطيّة على تعبير "في فلسطين" أو "في كامل فلسطين،" ليَظهرَ نقيضًا واضحًا لطرح "التسوية" الذي يقْبل بالسيطرة الصهيونيّة على معظم الأرض الفلسطينيّة، وبإلغاء حقّ العودة لأغلبيّة اللاجئين الفلسطينيين. وفي حين تعتمد إستراتيجيّةُ "الحلّ الممكن" على استمرار التفوّق الإسرائيليّ، والرهانِ على السياسة الأمريكيّة وعلى حاجتها إلى "شريكٍ فلسطينيٍّ" يبرِّر ويشرعن الهيمنةَ الإمبرياليّةَ الصهيونيّة، فإنّ السؤال هو: هل يمْكن أن يكون سقفُ التطلّعات الفلسطينيّة مشروطًا بالقبول الإسرائيليّ؟ ألا يشكّل "الحلُّ الديمقراطيّ" بديلاً يعمل على خلق وضعٍ جديدٍ من خلال زعزعة الهيمنة الإمبرياليّة، وتحويلِ دعمها للمشروع العنصريّ الصهيونيّ إلى عبءٍ وخسارةِ يهدّدان مصالحَها في المنطقة؟

الموقف الفلسطينيّ تجاه المجتمع اليهوديّ في فلسطين
يشكّل طرحُ حلّ "الدولة الديمقراطيّة" (وضمنه عودةُ اللاجئين) "تنازلاً فلسطينيّاً" يُفضي إلى استيعاب اليهود الموجودين في فلسطين في إطار الحلّ وإنهاءِ السيطرة اليهوديّة. وتعتمد الديمقراطيّةُ في الدولة الفلسطينيّة العتيدة على وعي جماهير الشعب الفلسطينيّ وإرادتها.
وهذا الطرح يشكّل أساسًا لبناء الدولة الفلسطينيّة بعد التخلّص من الصهيونيّة. فهو لا ينطلق من مفهوم "الاسترداد،" المحدَّدِ وعيًا ولغةً بمحدِّداتٍ ماضويّة، بهدف استعادة فلسطين ما قبل الغزو الصهيونيّ، وإنّما يقوم على مفهوم "التحرير والبناء،" أيْ على اعتماد منظورٍ مستقبليّ: فهو يعطي الأولويّةَ لتحقيق عودة اللاجئين والحقوق المسلوبة لجميع الجماهير الفلسطينيّة، ولا يتجاهل ـ في الوقت نفسه ـ وجودَ اليهود في فلسطين، بل يسعى إلى دمج مَن يريد منهم أن يكونوا مواطنين شركاء في الدولة الفلسطينيّة الديمقراطيّة.
وفي سبيل تحقيق ذلك، تكمن الأولويّةُ اليوم في خلق الحراك الجماهيريّ وعمليّة تغيير ميزان القوى، حتّى يمكنَ التخلّصُ من نظام الهيمنة والاضطهاد. وبالتالي فإنّ السؤال عن كيفيّة التعامل الفلسطينيّ مع اليهود، بعد سقوط الصهيونيّة، ليس مجديًا؛ بل الأهمّ هو كيفيّة التأثير اليوم في الجماهير اليهوديّة في فلسطين لفصلهم عن آلة الحرب الصهيونيّة، ولتسهيل المضيّ في طريق الحلّ الديمقراطيّ. وهنا يشكّل شعارُ "الدولة الديمقراطيّة" حجرَ الأساس لسياسةٍ فلسطينيّةٍ تفْصل اليهودَ في فلسطين عن الحركة الصهيونيّة.

تأثير شعار الدولة الديمقراطيّة داخل المجتمع اليهوديّ
إنّ القراءة النقديّة لتركيبة المجتمع اليهوديّ في فلسطين ولديناميكيّاته الداخليّة تُظهر أنّ غالبيّة اليهود الإسرائيليين قدِموا إلى فلسطين من بلدان العالم الثالث، أو من دولٍ اشتراكيّةٍ فقيرةٍ في شرق أوروبا، كمهاجرين اقتصاديّين طمعًا في تحسين أوضاعهم المادّيّة. وهؤلاء تفتح لهم الصهيونيّةُ أبوابَ الهجرة، وتمنحهم الامتيازات، مقابلَ انضمامهم إلى المشروع الاستعماريّ.
كما أنّ النخبة الصهيونيّة، المرتبطةَ ثقافيّاً واقتصاديّاً بالإمبرياليّة الغربيّة، تنقسم بين مؤسّسةٍ عسكريّةٍ معنيّةٍ باستمرار الصراع وبدور إسرائيل كرأس حربة للإمبرياليّة، وبين قطاعات الاقتصاد الحديث الساعي إلى التخلّص من الصراع العسكريّ والاندماج في اقتصاد المنطقة والعالم. أمّا الجماهيرُ الشعبيّةُ اليهوديّةُ المكوّنة من جماعاتٍ مختلفة ـ من المتشدّدين دينيّاً والروس و"الشرقيّين" وغيرهم ـ فلا توجد روابطُ كبيرةٌ بينها في غير حالة الصراع والتمسّك بالامتيازات التي تقدّمها لها الدولةُ الصهيونيّة.
ومع فشل المشروع الصهيونيّ في ضمان الأمن المنشود للجماهير اليهوديّة، ومع ارتفاع العبء الاقتصاديّ نتيجةً لاستمرار الصراع، سيكون البديلُ الديمقراطيّ ـ وإمكانيّةُ الحلّ الحقيقيّ الذي يُنهي الصراعَ ويفْسح إمكانيّاتِ الاندماج الإيجابيّ في فلسطين وفي العالم العربيّ ـ هو البديل الأفضل للجماهير اليهوديّة في فلسطين، بل لأجزاءٍ أيضًا من النخبة البرجوازيّة، التي يمكن أن تختار التنازلَ عن المشروع الصهيونيّ حِفظًا لمصالحها.

العلاقات مع بعض الشعارات الأخرى
إلى ذلك يتوافق شعارُ الدولة الديمقراطيّة في فلسطين مع الكثير من الشعارات الأخرى، مع حفظ مجال التمايز بينها:
أ. شعار الدولة الديمقراطيّة عمادُه عودةُ اللاجئين. إنّ مشروع الدولة الديمقراطيّة يأتي أولاً لخلق الإطار السياسيّ والاقتصاديّ المناسب لممارسة حقّ العودة؛ إذ لا معنى لشعار الدولة الديمقراطيّة في غياب حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى كلّ الأماكن التي طُردوا منها؛ أو في تكريس التطهير العرقيّ ونفي الحقوق الإنسانيّة والقوميّة. وفي هذا يكْمن الفرقُ الحاسمُ بين شعار الدولة الديمقراطيّة ومشروع "دمقرطة إسرائيل"؛ فالثاني يتوهّم اندماجَ بعض الفلسطينيّين في دولة "الأغلبيّة اليهوديّة."
ب. بين التحرير والدولة الديمقراطيّة. لا يوجد تناقضٌ بين شعار "تحرير فلسطين" وبين "إقامة الدولة الديمقراطيّة" على أرض فلسطين. والفرق بينهما أنّ الأوّل يركّز على عمليّة التحرير، بينما يطرح الثاني حالةَ الأرض المحرَّرة. لكنّ التكاملَ بيّنٌ بينهما: فهل يمْكن الحصولُ على الدولة الديمقراطيّة في حالةٍ غيرِ "التحرير" – أو من خلال اتّفاقٍ بين حركة التحرّر الفلسطينيّة وبين قادة الصهيونيّة؟ ومن ناحيةٍ ثانية، فإنّ إمكانيّة التحرير تعتمد على تغيير ميزان القوى القائمة حاليّاً، وهو ما قد يُسهم في إعادة حسابات المصلحة عند القيادات الصهيونيّة، وعند أسيادهم الإمبرياليّين، ليستنتجوا أنّ الحلّ الديمقراطيّ هو أفضلُ مخرجٍ لهم من صراعٍ لا يمكن أن ينتصروا فيه. ولنا في الاتّفاق على تفكيك نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا أحسنُ مثالٍ على إمكانيّة التحوّل لدى قيادة نظامٍ عنصريٍّ مسلّح نوويّاً.
ج. بين الدولة الديمقراطيّة والثنائيّة القوميّة. يرى الكثير من دُعاة الدولة الديمقراطيّة في كامل أرض فلسطين أنّه من المفيد تحديد طابع هذه الدولة بوصفها "ثنائيّة القوميّة"؛ ذلك أنّهم يعتبرون هذا الطرحَ ضمانًا لعدم ذوبان "الهويّة القوميّة" لليهود في "البحر العربيّ".
لكنّ النقاش مع شعار الدولة "الثنائيّة القوميّة" يبدأ من ضرورة التمييز بين البحث الشرعيّ عن صيغةٍ توافقيّةٍ للدولة الديمقراطيّة، وبين محاولة المسّ بمضمونها الديمقراطيّ المتمثّل أولاً بالموقف من حقّ العودة. ذلك أنّ أيّة محاولةٍ لتقييد حقّ العودة ـ من خلال العدد أو من خلال المناطق ـ بهدف ضمان مساحةٍ للوجود اليهوديّ، هي استمرارٌ للسياسة الصهيونيّة وتناقُضٌ مع الديمقراطيّة.
ولمّا كان طرحُ الدولة "الثنائيّة القوميّة" لا يُعدّ تنازلاً من الصهيونيّة، فإنّه يبقى مجرّدَ اجتهادٍ شرعيٍّ لصياغة مبنى الدولة الديمقراطيّة. من هنا نطرح الأفكارَ الاعتراضيّةَ التالية:
. إنّ تشكيلَ الدولة الديمقراطيّة في فلسطين هو البابُ لإعادة فلسطين إلى موقعها الطبيعيّ كجزءٍ من مشروع النهضة والتحرّر العربيّ. ولا داعي لأن يكون الماضي الاستعماريُّ الخاصُّ حاجزًا أمام اندماج فلسطين في هذا المشروع.
. إنّ اعتماد المبادئ الديمقراطيّة يضْمن من تلقاء نفسه حقوقَ الأقليّات، ويفتح الفرصةَ الكاملةَ لتطوير كلّ هويّةٍ ثقافيّةٍ وإثنيّة. ولا يحتاج هذا الأمر إلى تكريس هذه الهُويّات في البنية السياسيّة للدولة.
. إنّ الفائدة الرئيسة للجماهير اليهوديّة في مشروع الدولة الديمقراطيّة هي في إسقاط أسوار الجيتو الصهيونيّ، وفتحِ المجال للاندماج. وفي حال التخلّص من الامتيازات الصهيونيّة الحاليّة، فإنّ مصلحة اليهود ليست في التقوقع في مجتمعٍ منفصل، ولا سيّما أنّه ليس هناك مجتمعٌ يهوديّ واحد.

بعض العِبَر من تجربة جنوب إفريقيا
كان نظامُ الفصل العنصريّ في جنوب إفريقيا الأقربَ تاريخيّاً إلى تجربة الاستيطان الصهيونيّ في فلسطين. وعلى الرغم من أنّ هذا الأخير أخطرُ وأبشعُ من نظام الأبارتهايد، لكونه يسعى إلى اقتلاع الشعب الفلسطينيّ من أرض الوطن، لا الاكتفاء بالسيطرة عليه، فإنّه تمْكن الاستفادةُ من المقارنة بينهما نظريّاً وعمليّاً. فعلى الصعيد السياسيّ، كسب تمسّكُ حركة التحرّر في جنوب إفريقيا بمبادئ الديمقراطيّة، كنقضٍ عمليٍّ للنظام العنصريّ، تضامنًا واسعًا في المحافل الدوليّة. وقد وََفّق "المؤتمرُ الوطنيّ الإفريقي" بين اعتماد حقّ المقاومة لتثبيت شعاره "إنسانٌ واحد – صوتٌ واحد،" وبين المرونة السياسيّة لتجنيد الدعم لعمليّة التغيير.
إلاّ أنّ "نموذج" جنوب إفريقيا الناجحَ لا يخلو من السلبيّات. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتيّ، وفي قمّة جبروت النظام الإمبرياليّ العالميّ بقيادة الولايات المتحدة، وافقت القيادةُ الإمبرياليّةُ على التنازل عن النظام العنصريّ الحليف لها بعد "زوال الخطر الشيوعيّ." وقد تمّ ذلك من خلال اتّفاقٍ بين زعماء النظام العنصريّ وقيادة حركة التحرّر. من هنا كان التغيير محدودًا، إذ لا تزال السيطرةُ على الاقتصاد في قبضة البرجوازيّين من الأقليّة المستعمِرة.
إنّ قراءة هذه التجربة تكشف عن إمكانيّة التغيير السياسيّ بالاستفادة من تغيُّر الظروف. لكنّها، في الوقت نفسه، تطرح التساؤلَ عن حتميّة أن يكون كلُّ تغييرٍ سياسيّ محدودًا وسطحيّاً بحيث يتجاهل مصالحَ الجماهير. فعلى الرغم من أنّ كلّ اتّفاق يوجب شيئًا من التنازل، إلاّ أنّ حكمَ "المؤتمر الوطنيّ الإفريقيّ" جمع بين ضغوط بقايا النظام القديم، وبين إيمان قياداته بالنهج الرأسماليّ و"الليبراليّة الجديدة" ومصالحِ بعض "المتبرجزين" والمستفيدين من المقرّبين إليه، مبتعدًا بذلك عن مصلحة الجماهير.
والعِبْرة، هنا، هي أنّ تشكيل الدولة الديمقراطيّة، سواءٌ باتّفاقٍ سياسيّ، أو بانتصارٍ ثوريّ، ليس آخر خطوةٍ في طريق النضال. لكنّ التخلّصَ من النظام العنصريّ يضْمن ظروفًا أفضلَ لحفظ مصلحة الجماهير، ولا سيّما إذا تحقّقت الديمقراطيّةُ تحت قيادةٍ مخلصةٍ تسعى ـ عبر التحوّل الديمقراطيّ ـ إلى إحداث التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المطلوبة.

مَن يحملُ الشعار؟
إنّ دُعاة الدولة الديمقراطيّة ليسوا فصيلاً أو حزبًا جديدًا، بل تسعى إلى هذا الحلّ حركةُ الجماهير المناهضة لمشروع الاستعمار والترحيل والاستعباد، عبر التنظيمات الأهليّة والقطاعيّة والحركات الشبابيّة وغيرها. من هنا يسهم التشديدُ على توضيح جوهر الصراع، من خلال توضيح هدفه الرئيس، في جعل شعار الدولة الديمقراطيّة شعارًا جامعًا وموحّدًا لكلّ النضالات العينيّة.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الانزلاق الخطير في مسار "العمليّة السلميّة،" التي يديرها السادةُ الإمبرياليّون، يُثبت أهميّةَ التمسّك بالمبادئ الديمقراطيّة وبأسس الحلّ الحقيقيّ. وآخرُ ظاهرةٍ لهذا الانزلاق هو مطالبةُ العرب بأن يثْبتوا "حسنَ النيّة" تجاه إسرائيل، من خلال تطبيع العلاقات معها مقابلَ "تجميدٍ" مؤقّتٍ في توسيع المستوطنات.
إلى ذلك، تنمو، يوميّاً، حركةُ المقاطعة العالميّة كردّ فعلٍ صحّيّ على بشاعة الجرائم الصهيونيّة. وقد وصل التضامنُ والغضبُ الشعبيّ قممًا جديدةً إبّان المجازر التي ارتكبتها آلةُ الحرب الصهيونيّة في حقّ أهالي قطاع غزّة المحاصَر أوائل هذه السنة. إلاّ أنّ ذلك كان من دون شعارٍ واضحٍ وناظِم، الأمرُ الذي أبقى كلّ هذه الحركة مجرّدَ ردّ فعل عاطفيّ موسميّ. فهل تتوقّف حركةُ المقاطعة مع "تجميد المستوطنات" واستئنافِ "العمليّة السلميّة؟" أمْ نتمسّك برفضنا المبدئيّ للنظام العنصريّ، فلا يتوقّف نضالُنا إلاّ بنشوء البديل؟

فلسطين
(*) يوآب بار، ناشطٌ فلسطينيّ من حيفا؛ عضو المكتب السياسيّ لـ "حركة أبناء البلد،" ومن المبادرين إلى مؤتمر حيفا لأجل حقّ العودة والدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين.

التعليقات

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.