الصفحة الرئيسية

إعادة نشر المقال

في وجه قرار المحكمة الظالم تجاه الآداب ورئيس تحريرها ومديرها المسؤول، لا يسع الآداب في هذه العجالة إلا إعادة نشر المقال ـ موضوع الدعوى الجائرة، الإفتتاحية: نقد الوعي "النقدي": كردستان-العراق نموذجاً، ويعلن رئيس تحريرها تشبثه بكل كلمة جاء فيه، وقراره الاستئناف... لا في المحكمة فقط بل في فضح أدعياء اليسار ومبرري الاحتلال ومستشاري السلاطين وأعداء الحرية

  • حول مجلة الآداب
  • العدد الأخير من مجلة الآداب
  • كتّاب الآداب
  • اﻷرشيف
  • دار الآداب
  • الاشتراك
  • نشرة قاطعوا
  • اتصل بنا
  • البحث

الأعداد السابقة لمجلة الآداب

عدد ١-٢-٣/ ٢٠١٠
عدد ١١-١٢/ ٢٠٠٩
عدد ٩-١٠/ ٢٠٠٩
عدد ٧-٨/ ٢٠٠٩
عدد ٤-٥-٦ /٢٠٠٩
عدد ١-٢-٣ /٢٠٠٩
عدد ١٢ / ٢٠٠٨
عدد ١٠-١١ / ٢٠٠٨
عدد ٧-٩ / ٢٠٠٨
عدد ٤-٦ / ٢٠٠٨

مواقع صديقة

نادي اصدقاء الآداب
جريدة الأخبار
منتدى صوتك
مجلة الكلمة
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي


ابحث

تصفح الآداب باستخدام متصفح فايرفوكس
Firefox 3

مجلة الآداب » 3-2-1 /2009 » ستّون عامًا على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان

ستّون عامًا على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان

  • عدد 1-2-3 /2009
  • ألبير فرحات

احتفل العالمُ في 10/12/2008 بالذكرى الستّين لإقرار "الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان" من قِبل الجمعيّة العموميّة للأمم المتحدة في 10/12/1948. ولقد سجّل ذلك الإعلانُ محطّةً مهمّةً في طريق النضال الذي خاضته البشريّةُ من أجل التقدّم، وكان إحدى ثمرات الانتصار الذي حقّقتْه الشعوب ـ عبر مآسٍ رهيبة ـ في وجه النازيّة والفاشيّة، واستكمالاً لما تحقّق في الماضي: بدءًا بمدوّنة حمورابي التي نادت بشرعيّة القانون في مواجهة الاستبداد، مرورًا بما أعلنه الإسلامُ على لسان عمر بن الخطّاب القائل: "متى استعبدتُم الناسَ وقد وَلَدَتْهم أمّهاتُهم أحرارًا؟،" وبإعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1793 الذي كرّس المبادئَ التي نادت بها الثورةُ الفرنسيّةُ الكبرى في الحريّة والإخاء والمساواة، وبما أعلنتْه ثورةُ أكتوبر الاشتراكيّة الكبرى من إلغاء استثمار الإنسان للإنسان، وحقّ الأمم في تقرير مصيرها بنفسها، وبناءِ دولها المستقلّة، ولو بالانفصال.

إلا أنّه ليس بالإمكان فهمُ المكانة التي بات يحتلّها الإعلانُ المذكورُ في القانون الدوليّ العامّ (وكذلك في القانون الداخليّ لمختلف البلدان كما سوف نرى لاحقًا) دون أن نستجلي المراحلَ التي مرّ بها هذا الأخيرُ لكي يبلغَ ما وصل إليه اليومَ. فعلى مدى قرون، كان العالمُ محكومًا بموازين القوى القائمة بين الدول، وبما يَنْجم عنها من صداماتٍ أو توافقٍ على تقاسُم الثروات ـ ومنها البشرُ. وعليه، كان القانونُ الدوليّ العامّ يقتصر على الإفتاء في مضمون المعاهدات والاتّفاقات التي كانت تُعقد بين الدول، وعلى إعطاء الرأي في مدى التزام الأطراف بها، وبمبدإ المعاملة بالمثل. وهكذا فقد كان بالإمكان آنذاك اختزالُ القانون الدوليّ العامّ بكامله بالمبدإ القائل بموجب احترام المعاهدات (pacta sunt servenda)، إلا إنه كان يجري ربطُ هذا المبدإ على الفور بآخرَ من شأنه الحدُّ من فاعليّته، وهو القائل بتغيُّر الأحكام مع تغيّر الظروف والأزمان، أيْ ذلك الذي عبّر عنه الشرعُ الرومانيُّ بعبارة (mutatis mutanda).
ولم يتغيّر الأمرُ كثيرًا مع تأسيس "عصبة الأمم" بعد الحرب العالميّة الأولى، وهو تأسيسٌ كان وراءه الرئيسُ الديموقراطيّ الأميركيّ توماس وودرو ويلسون، الذي دَفَعَ بالولايات المتّحدة الأميركيّة إلى الخروج من عزلتها وخوضِ الحرب العالميّة الأولى ضدّ ألـمانيا، ثم عاد وطَرَحَ في مؤتمر الصلح في باريس البنودَ الاثنيْ عشر الشهيرة الداعية إلى الأمن الجماعيّ دوليّاً وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها: ذلك لأنّ مجلسَ الشيوخ الأميركيّ بأكثريّته الجمهوريّة الداعية إلى عزلة أميركا، لم يوافقْ على الانضمام إلى تلك العصبة التي لم تتّخذ الصفةَ الدوليّةَ الشاملة، ولم تأخذ في شرعتها بمبدإ سيادة الشعوب. وعليه، فإنّها وإنْ كانت قد وَضعت اللمسات الأولى لنظامٍ دوليّ جماعيّ، إلا أنها ظلّت، هيئةً انبثقتْ عن اتفاقٍ انعقد بين عددٍ من الدول، كانت في معظمها دولاً استعماريّة.
* * *
إلا أن الأمر تغَيَّر عامَ 1945 مع نشوء منظمة الأمم المتحدة التي يَجْدر القولُ عنها، منذ البداية، إنها انبثقتْ عن شرعتها، لا العكس. كما تجدر الإشارة إلى أنها لم تكتفِ بتقنين القواعد المعمول بها سابقًا، وبتعديلها، بل شكّلتْ أولَ نصٍّ في تاريخ البشرية أَعْلَنَ مبادئَ ذاتَ بعدٍ عالميّ، تسري تجاه الكافّة (erga omnes)، أيْ في حقّ الدول والمنظّمات الدوليّة المنضمّة إلى منظّمة الأمم المتّحدة أو المنبثقة عنها، كما في حقّ غيرها من غير المنضمّين أو المنبثقين.
تاريخيّاً، يعود الطابعُ الثوريُّ للشرعة المذكورة إلى كونها وليدةَ تلك الفلسفة التي جسّدتْها المقدِّمةُ، والتي تَحْكم جميعَ الاعتباراتِ والاستنتاجاتِ اللاحقة لها.
ماذا تقول المقدّمة؟ إنها تنصّ بوضوح على ما يلي: "نحن، شعوبَ الأمم المتحدة (...)، قرّرنا أن نوحِّد جهودَنا لتحقيق (...). وعليه، فإنّ حكوماتِنا المجتمعةَ في سان فرانسيسكو (...) قد تبنّت هذه الشرعةَ (...). وأقامت، بالاستناد إليها، منظّمةً دوليّةً تحمل اسمَ منظّمة الأمم المتحدة." إذنْ، فإن المقدّمة تَعتبر أنّ الشعوب هي صاحبةُ السيادة، ما ينفي أيَّ تفويض للصلاحيّات، وهو الأمرُ البالغُ الأهمية فلسفيّاً وسياسيّاً وحقوقيّاً، إذ باتت الشرعيّةُ الدوليّةُ قائمةً على إرادة الشعوب بصرف النظر عن هذا القرار أو ذاك الذي تتّخذه هذه الهيئةُ أو تلك من هيئات المنظّمة.
إننا لا نَجْهل أنه ما زالت هناك مسافةٌ طويلةٌ تَفْصل ما بين الإعلان عن هذا المبدإ وتطبيقه. وهذه هي الحالُ أيضًا بالنسبة إلى تطبيق مبادئ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان في الميدان الداخليّ لكلّ دولة، وفي الميدان الدوليّ، بحيث إنّ المحاولات ما زالت مستمرّةً، بل تزايدتْ مؤخّرًا بغاية تعطيل ميثاق الأمم المتّحدة، أو عدم تنفيذ العديد من قرارات المنظّمة، وكذلك من خلال تحويل مبدإ الإجماع بين الدول ذاتِ العضويّة الدائمة في مجلس الأمن إلى "حقّ فيتو" مشكوكٍ في شرعيّته، وصادرٍ عن تفسيرٍ اعتباطيّ لمبدإ الإجماع الذي يُلزم الأعضاءَ الدائمين بالسعي إلى الإجماع، لكنه لا يرتِّب الإبطالَ على عدمه.
* * *
والآن، لنعدْ إلى الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي أقرّته الجمعيّةُ العموميّة في الموعد الذي احتفل العالمُ فيه مؤخّرًا بذكراه الستّين. كانت المنظّمة (وجمعيّتُها العموميّة) تتألّف آنذاك من 58 عضوًا فقط. وقد بدأت القصّةُ عامَ 1946 عندما قرّرت الجمعيّةُ العموميّةُ صياغةَ "شرعةٍ عالميّة لحقوق الإنسان." إلا أنه، وبسبب النزاع الذي أخذ بالتفاقم بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتيّ، جرى التخلّي عن فكرة "شرعةٍ" تكون إلزاميّةً لسائر الدول، والاكتفاءُ بـ "إعلانٍ" لا يتّخذ هذه الصفة.
ومع ذلك فقد اعتَبَرَ دعاةُ حقوق الإنسان أنّ الإعلان قد مثّل "إحدى الطوباويّات التي تَدْفع بالتاريخ إلى الأمام،" على غرار تلك التي تحوّلتْ إلى قوةٍ ماديّةٍ عندما تبنّتْها الشعوبُ وناضلتْ في سبيل تحقيقها. ويقول برتراند بادي (Bertrand Badie)، الأستاذُ الجامعيُّ في العلوم السياسية (باريس)، إنّ الإعلان قد تمتّع بأمرٍ جديد مهمّ: "فهو قد أدّى إلى خلخلة تلك الأسوار التي كانت مطْلقة، أيْ سيادة الدول،" بحيث لم يعد بإمكان أيّ طاغيةٍ أن يتمترسَ وراء السيادة الوطنيّة لكي يَرْفضَ ممارسةَ "رعاياه" لحقوقهم، لكون هذه الأخيرة قد باتت ملْكًا لكلّ فردٍ وللبشريّة جمعاء. وتابع بادي قائلاً: "إنّ الإعلان يطبَّق أيّاً كان النظامُ السياسيّ السائد في البلد المعنيّ، وأيّاً كانت الأصولُ العرقيّةُ أو الدينيّةُ أو الجنسيّةُ التي ينتمي إليها صاحبُ الحقّ".
وقبل التطرّق إلى السِّجال الذي دار لدى صياغة الإعلان بين الاتجاهيْن الليبراليّ واليساريّ، لا بدّ لنا من أن نحيّي، بمناسبة الذكرى الستّين، الدورَ الذي لعبه رهطٌ من كبار الحقوقيين والسياسيين ذوي النزاهة الديموقراطيّة في تلك الصياغة، ولاسيّما رئيسة لجنة الصياغة أليانور روزفلت، زوجة الرئيس الأميركيّ الكبير فرانكلين روزفلت، والفرنسيّ رينه كاسين، وستيفان هيبل.1 ولقد دار ذلك السجالَ أيضًا بين مفهوم لحقوق الإنسان يقتصر على الحقوق المدنيّة والسياسيّة، ومفهومٍ آخر يؤكّد شموليّةَ حقوق الإنسان بحيث تتناول أيضًا الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة معًا. ولقد نجح التيّارُ اليساريّ في تضمين الإعلان تلك الحقوق.
إلا أنّ الأمور تطوّرتْ بفضل نضال الشعوب، الذي خاضه دعاةُ حقوق الإنسان. فأصبحت الكافّة، ما عدا أقليّةً ضئيلةً، تأخذ بإلزاميّة تلك الحقوق، لا على الصعيد الداخليّ وحده ولكنْ أيضًا على الصعيد الدوليّ، خصوصًا بعد أن عُقدتْ معاهداتٌ واتفاقيّاتٌ دوليّة تتناول هذه الحقوق وأقرّتها مختلفُ الدول؛ فضلاً عن كون العديد من الدساتير قد أَدرجتْ تلك الحقوقَ والمعاهدات في صُلْبها (أشارت مقدِّمةُ الدستور اللبنانيّ مثلاً إلى التزام لبنان بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والمعاهدات الدوليّة الأخرى التي أُقِرّت في إطار الأمم المتّحدة، فضلاً عن ميثاقها). كما أنّ معظمَ دول العالم أخذتْ بمبدإ سموّ قواعد القانون الدوليّ على أحكام القانون الداخليّ من ضمن مبدإ تسلسل القواعد، كما لحظت المادة /2/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة. وجديرٌ بالتنويه هنا أنّ 171 دولةً أعادت التأكيدَ عامَ 1993 على التزامها بالإعلان العالمي. وقد أصبح عدد هذه الدول الآن 193، في حين أنّ عدد الدول التي صوّتتْ في الجمعيّة العموميّة عليه عامَ 1948 لم يتجاوزْ الـ 58 دولة كما قلنا أعلاه. وفضلاً عن المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة (على غرار تلك الخاصّة بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة،...)، فثمة هيئاتٌ تابعةٌ للأمم المتّحدة مثل "المفوَّضيّة العليا لحقوق الإنسان" و"مجلس حقوق الإنسان."
كما توجد أيضًا آليّاتٌ تابعةٌ للأمم المتّحدة لجمع المعلومات وممارسة الرقابة ووضع التقارير. وتلعب كلُّها دورًا مهمّاً في إلزام الدول باحترام حقوق الإنسان. إلا أن كلّ ذلك يجب ألاّ يجعلنا نعتقد أنّ الأمور قد أخذتْ، وفي كلّ مكان، مجراها الطبيعيّ إلى التطبيق، وخصوصًا في الجزء المتعلّق بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة. ولكنّ ذلك لن يجعلنا نفقدَ الأمل لأننا نَعْرف ما هي التضحيات التي قدّمتْها الشعوبُ للوصول إلى الإعلان. فكما قالت الإيرلندية ماري روبنسون، المفوّض السامي السابقُ لحقوق الإنسان، فـ "إنّ الشعوب، والناسَ عمومًا، يدركون أنّ كلّ ما تحقَّقَ لم يكن عبارةً عن هديّة قدّمتْها الحكوماتُ عن طيبة خاطر، بل يشكِّل صرحًا من الحقوق الثاتبة وغير القابلة للتنازل، تحتلّ موقعَ الصميم من إنسانيّة الإنسان."
وقد أخذت بعضُ الدول في العمل بـ "الصلاحية الشاملة" في قضايا حقوق الإنسان بحيث يعتبر القضاءُ فيها أنه يتمتّع بصلاحيّةِ ملاحقةِ ومعاقبةِ الجرائم ضدّ الإنسانيّة التي تُرتكب خارج أراضيها من قبل فاعلين أجانب ويكون ضحاياها من غير رعاياها. ولعلّ آخرَ ملاحقة من هذا النوع هي تلك التي تعرَّض لها في فرنسا مفوَّضُ الشرطة التونسيّ السابق خالد بن سعيد، بجرم تعذيب المواطنة التونسيّة السيدة "زليخة غربي" لإجبارها على إعطاء معلومات عن زوجها الملاحَق من قِبل قوّات الأمن؛ وقد قضت عليه محكمةُ الجنايات في ستراسبورغ يوم 15/12/2008 بالسجن لمدة 8 سنوات بالصورة الغيابيّة، علمًا بأنّ النظام الداخليّ للمحكمة الجنائيّة الدوليّة ينصّ على أنّ "مِنْ واجب كلّ دولة أن تحيل أمام قضائها الجزائيّ المسؤولين عن ارتكاب جرائم دوليّة."
وبعد مضيّ 60 عامًا تُطرح اليوم تلك المسألة التي أشار إليها برتراند بادي والخاصة بـ "إعادة صياغة الإعلان بواسطة إشراك العالم بأسره في هذا العمل،" بعد كلّ التطورات التي شهدتْها البشريّةُ خلال هذه الفترة الطويلة، وبعد أن أصبح عددُ أعضاء المنظّمة الدولية يناهز المائتين، أكثرُهم من بين البلدان التي حقّقت استقلالَها إثر انهيار نظام الحكم الاستعماريّ.
* * *
غير أنّ المطلوب في نظرنا هو الذهابُ إلى أبعد من ذلك ـ أي التوجّه نحو إقرار إعلان عالميّ لحقوق الشعوب يشكّل نقلةً نوعيةً في مضمار "الحقّ الإنسانيّ،" ويساعد على إقامة العلاقات الدوليّة على قاعدة العدالة.
ذلك لأنّ العالم يَشْهد اليومَ تفاقمًا في الأخطار التي تهدِّد السِّلْمَ وأمنَ الشعوب، ولاسيّما من خلال ما يسمّى بِـ "الحرب العالميّة ضدّ الإرهاب" ـ وهي حربٌ لا تتصدّى لإرهاب الدولة المنظّم الذي تمارسه، من دون عقاب، دولٌ معروفةٌ أعطت نفسَها الحقَّ في شنّ "حروب وقائيّة" وتوجيهِ "ضربات استباقيّة" والتدخّل في شؤون الغير تحت شعار "التدخّل الإنسانيّ" و"إشاعة الديمقراطيّة".
وتترافق هذه السياساتُ العدوانيّةُ مع المحاولات الحثيثة التي تَبْذلها بعضُ الدول الكبرى لتحويل منظّمة الأمم المتحدة، ولاسيّما مجلس الأمن التابع لها، إلى أدواتٍ لها، بما يتناقض مع شرعتها ومع القانون الدوليّ العامّ. ولنا في بعض القرارات التي أصدرها مجلسُ الأمن حول لبنان أمثلةٌ ساطعةٌ على تلك السياسات.
إنّ الجرائم بحقّ الشعوب ليست بجديدة: فهي كانت على مدى التاريخ تترافق مع الحروب التي كانت تصيب دومًا المدنيين قبل العسكريين. إلاّ أنّ هذا كان يبدو "من طبيعة الأمور،" مثله مثل الاعتداءات التي كانت موجَّهة ضدّ حقوق الإنسان والتي تطلّب الوعيُ بضرورة التصدّي لها أجيالاً وأجيالاً.
بمعنًى آخر، فإنّ ما يصبو إليه دعاةُ "إقرار الإعلان العالميّ لحقوق الشعوب" هو ما ناضلت البشريّةُ من أجل إقراره تحت عنوان "حقوق الإنسان"... ولكنْ على مدًى أوسع وأكثر عمقًا.
فرغم التطوّر الهائل في أسلحة الدمار الشامل، ومع تفاقم الأخطار التي باتت تهدِّد وجودَ البشريّة برمّتها، أصبح الأمرُ يستدعي وقفةً. فنحن لا نستطيع أن نتفرّج على استخدام السلاح النوويّ ضدّ المدنيين في هيروشيما وناغازاكي، وجرائم الإبادة الشاملة التي ارتكبها النازيون، وما جرى مؤخّرًا في غزّة من تدابير انتقاميّة بحقّ المدنيين، وما سبق لإسرائيل أن أقدمتْ عليه في "حرب لبنان الثانية" عندما أعلنتْ أنها سوف تشنّ "حربًا شاملة" على لبنان "تعيده عشرين عامًا إلى الوراء" ردّاً... على قيام المقاومة الإسلاميّة بأسْر جندييْن.
من هنا فقد انطلقت "المبادرةُ اللبنانيّة من أجل إعلان عالميّ لحقوق الشعوب" وأصدرتْ نداءً موجّهًا إلى الرأي العامّ في مختلف البلدان، وخصوصًا إلى رجال القانون ودعاة حقوق الإنسان، يجري طرحُه على مختلف الأوساط للوصول إلى هذا الهدف.
يُبدي البعضُ اعتراضَهم على هذه المبادرة بالقول إنّهُ لا حاجة إلى إقرار مثل هذا الإعلان ما دامت شرعةُ الأمم المتحدة قائمةً وكافيةً. غير أنّ هذا الاعتراض سمعه المعنيّون، كما أسلفنا القول، عندما طَرحوا ضرورةَ إقرار شرعة ثم إعلان عالميّ لحقوق الإنسان، وهو يَصْدر عن نزعة نيهيليّة ]عدميّة] لا تأخذ في الاعتبار أنّ النصوص تكون مقدِّمةً لتغيير النفوس، وتغيير الواقع.
ولقد كانت هناك مناسبةٌ في يوميْ 10 و11/12/2008 خلال المؤتمر الدوليّ الذي دعت إليه الرابطةُ العالمية للحقوقيين الديموقراطيين (AIJD)، احتفاءً بالذكرى الستّين للإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، لأن نَطْرح على النقاش المبادرةَ اللبنانيّة التي حظيتْ بالاهتمام.2 وهو ما سوف نتابع العملَ من أجله في مختلف المحافل اللبنانيّة والعالميّة، ولاسيّما خلال المؤتمر السابع عشر الذي ستعقده الرابطةُ العالميّة (AIJD) في هانوي، في حزيران 2009 المقبل.

بيروت

* محامٍ من لبنان.

  1. 1. وللأسف لم نعثرْ في مختلف المصادر التي راجعناها بهذا الصدد على أيّ ذكْرٍ للدكتور شارل مالك، الذي كان ممثِّلاً للبنان في لجنة الصياغة، والذي يعيد إليه مروِّجو الأساطيرِ المؤسِّسةِ للنخبويّة اللبنانيّة الفضلَ في وضع الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان (!).
  2. 2. للحصول على نصّ المبادرة يرجى الاتّصال بكاتب هذا المقال: albertoft@dm.net.lb

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 3-2-1 /2009


  • المقالة السابقة: الافتتاحيّة: شركاء في النكبة... شركاء في الانتفاضة
  • المقالة التالية: سـرّ العجـز العربـيّ
  • علِّق
  • نسخة للطباعةنسخة للطباعة
© ٢٠١٠ جميع الحقوق محفوظة - مجلة ودار الآداب