ملحق: من أهمّ مظاهر التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ في غزة

التوصيف العامّ للعدوان الإسرائيليّ من ناحية قانونيّة: كان مندوبُ الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، البروفيسور ريتشارد فولك، أوّلَ مَن قاد الرأيَ السياسيّ والقانونيّ في وصف حصار غزّة بـ "المحرقة قيد التنفيذ"http://www.transnational.org/Area_MiddleEast/2007/Falk_PalestineGenocide.html وبـ "مقدِّمة لإبادة جماعيّة." كما كان من أوائل القانونيين الذين فنّدوا حجّةَ "الدفاع عن النفس" التي تتبنّاها إسرائيلُ في تبرير عدوانها على غزّة، إذ أدان العدوانَ بوصفه "جرائمَ حرب" و"جريمةً ضدّ الإنسانيّة." وتوّج فولك موقفَه المبدئيّ والرياديّ بالدعوة إلى مقاضاة إسرائيل على جرائمها. بل إنه حاول إقناعَ الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتشكيل محكمة جنايات خاصّة لمحاسبة إسرائيل، ولكنّ تواطؤ الدول الغربيّة وبعض الدول العربيّة وممثّل منظّمة التحرير الفلسطينيّة في الأمم المتحدة (حسب ما تسرّب في الإعلام) أجهض تلك المحاولةَ النبيلة.

رَسَّخَ فولك بهذا التوجّه خطابًا قانونيّاً حاسمًا ورصينًا، فاتحًا المجالَ للعديد من الأسماء اللامعة في القانون الدوليّ لتبنّي التوجّه نفسه، بدرجةٍ أو بأخرى، تجاه العدوان وضرورة محاسبته. فقد وقّع العديدُ من القانونيين الدوليين رسالةً نُشرتْ في جريدة التايمز البريطانيّة ترفض حجّةَ إسرائيل في "الدفاع عن النفس" وتطالب بتحميلها مسؤوليّةَ جرائم الحرب التي ارتكبتْها. وصَدرتْ كذلك وثيقةٌ من مؤسّسات حقوقيّة دوليّة ومحليّة عديدة تبنّت المواقفَ نفسَها. وساعد ذلك كلّه في خلق ما يُشْبه الإجماعَ القانونيّ حول طبيعة العدوان ومواجهته قانونيّاً.
وكان رئيسُ الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، الأب ميخيل ديسكوتو بروكمان، قد أَعلن من على منصّة الجمعيّة العامّة قبل الحرب بأسابيع أنّ إسرائيل دولةُ أپارتهايد ويجب أن يواجهَها العالمُ، كما واجه سابقتَها في جنوب أفريقيا، بالمقاطعة وسحبِ الاستثمارات وفرضِ العقوبات، رافعًا بذلك هذا الشعارَ إلى أعلى مستويات الدبلوماسيّة الدوليّة، ولأولِ مرةٍ منذ انطلاق الحملة الوطنيّة الفلسطينيّة لمقاطعة إسرائيل.
منظّمة العفو الدوليّة بدورها كانت من أواخر مَنِ اتّهم إسرائيلَ بارتكاب جرائم حرب، وتحديدًا بسبب استخدامها الفوسفورَ الأبيضَ ذخيرةً ضدّ أحياء سكنيّة. ولكنها كانت قد طالبتْ من قبل العدوان بقطع إمدادات السلاح إلى "جميع أطراف النزاع،" ثم عادت وأكّدْت هذا الموقفَ مجدّدًا أثناء العدوان. ورغم تذبذب هذه المنظمة، وعدم إمكانيّة الاعتماد على موقفها المتلوّن بسبب الضغوط السياسيّة التي تَفْرضُها الدولُ العظمى واللوبي الصهيوني أحيانًا، فإنّ موقفها الواضح من ضرورة منع توريد السلاح إلى إسرائيل يشكّل رافعةً مهمّةً لمطالب حركة المقاطعة العالميّة لإسرائيل في هذا المجال.
* * *
شهدتْ ساحةُ التضامن الأوروبيّة خصوصًا، والعالميّة بشكل عامّ، تطوّرًا ملحوظًا في الخطاب السياسيّ المتماهي مع موقف المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، كما عبّرتْ عنه "الحملةُ الوطنيّة للمقاطعة." من أهمّ هذه المظاهر:
فنزويلا وبوليفيا وقطر وموريتانيا: قامت هذه الدولُ بقطع العلاقات الدبلوماسيّة مع إسرائيل، أو إغلاق مكاتب تمثيلها، موجِّهةً ضربةً دبلوماسيّةً وسياسيّةً موجعةً إلى عدوانها على غزّة وجرائمها.
السويد: في سابقةٍ غايةٍ في الأهميّة قد تعلِنُ بدءَ تشكّل حملةٍ عالميّةٍ لمناهضة إسرائيل، شبيهةٍ بتلك التي ناضلتْ لإنهاء نظام التمييز العنصريّ في جنوب أفريقيا، قرّرتْ بلديّةُ ستوكهولم منحَ عطاء إدارة نظام مترو الأنفاق بالمدينة للسنوات الثماني القادمة إلى شركة مختلفة عن "فيوليا،" التي كانت قد ربحت العطاءَ السابقَ القائمَ منذ سنين. وكانت مظاهراتٌ واحتجاجاتٌ واسعة قد انتشرتْ في السويد ضدّ مشاركة فيوليا في العطاء أصلاً، وذلك لتورّطها في المشروع الإسرائيليّ، ألا وهو "قطارُ القدس الخفيف" الذي سيَرْبط القدسَ الغربيّةَ ببعض أكبر الكتل الاستيطانيّة، وذلك في مخالفةٍ واضحةٍ للقانون الدوليّ واتفاقيّة جنيف. وكانت "الحملة الفلسطينيّة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" قد ناشدتْ جميعَ حركات التضامن الضغطَ على فيوليا عبر منعها من المشاركة في العطاءات الضخمة في أنحاء أوروبا لتورّطها في جرائم حرب. فكان هذا الانتصارُ في السويد (والعطاء للسنوات الثمانية القادمة قيمتُه 3.5 مليار يورو) أهمَّ إنجازٍ على هذا الصعيد.
فرنسا: رفع التحالفُ الذي نظّم مظاهراتٍ في عشرات المدن والبلدات الفرنسيّة شعارَ "تعليق اتفاقيّة الشراكة الأوروبيّة ـ الإسرائيليّة برمّتها،" ولأول مرة؛ بالإضافة إلى تكرار شعار "العقوبات الفوريّة ضد إسرائيل." الجدير ذكرُه أنّ الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ وبعض القوى الكبيرة في المجتمع المدنيّ الفرنسيّ وافقتْ على هذين الشعارين، بعد تردّد كبير قبل العدوان. كما بدأتْ حملاتٌ شعبيّةٌ في أرجاء فرنسا بمقاطعة المنتجات الإسرائيليّة.
النرويج: انضمّت ستُّ نقابات عمّاليّة أساسيّة إلى حملة المقاطعة هناك. كما نفّذ عمّالُ نقابة المواصلات الهائلة التأثير إضرابًا تضامنيّاً مع غزّة لمدة دقيقتين، شلّ حركةَ المواصلات في البلاد. وهناك تطوّرٌ كبيرٌ في مواقف أحزاب اليسار (المشاركة في الحكم وغيرها)، والكنيسة النرويجيّة، باتجاه محاسبة إسرائيل. كما أنّ مواقفَ بعض أهمّ الكتّاب والمثقفين تطوّرتْ بشكل ملحوظ نحو تبنّي المقاطعة. وفي سابقة، ربما تكون تاريخيّة، أمرت الحكومةُ النرويجيّةُ القائمين على صندوق استثمار عائدات النفط، وهو ثاني أكبر صندوق استثمار من نوعه في العالم، بدراسة دور الشركات المتورّطة في العدوان الإسرائيلي لجهة سحب الاستثمار منها جميعًا.
بريطانيا: بالإضافة إلى حملة التضامن مع فلسطين (PSC) وحلفائها الكثر، الذين دعموا منذ البداية مقاطعةَ إسرائيل وسحبَ الاستثمارات منها وفرضَ العقوبات عليه، رفع الحزبُ الديمقراطيّ الليبراليّ شعارَ "تعليق الشراكة الأوروبيّة ـ الإسرائيليّة،" وهذا إنجاز هامّ جدّاً لكون هذا الحزب يعدّ ثالثَ أكبر حزب في البرلمان البريطانيّ. كما طالبتْ بعضُ الشخصيّات المهمّة بسحب السفير البريطانيّ من تل أبيب احتجاجًا. ومؤخّرًا قام عضوُ البرلمان المرموق عن حزب العمل، جيرالد كاوفمان، وهو يهوديّ، بتشبيه أعمال إسرائيل في غزة بأعمال النازيّة؛ وهذا ما دَعَمَ توجّهًا مشابهًا بين عدد كبير من المثقّفين اليهود في بريطانيا وغيرها، الذين شبّهوا بدورهم غزّة بغيتو وارسو، والمقاومةَ الفلسطينيةَ للعدوان الإسرائيلي بمقاومة اليهود للنازيين في وارسو. كما أيّد عدد كبير من أعضاء البرلمان شعارَ "وقف تجارة السلاح مع إسرئيل كليّاً."
بلجيكا: نشر عشراتُ الفنّانين والمثقفين إعلانًا في جريدةٍ رئيسةٍ يتّهم إسرائيلَ بجرائم الحرب ويتبنّى مطلبَ محاسبتها بالمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. كما شَهدتْ بروكسل مظاهراتٍ غيرَ مسبوقة في حجمها، وصلتْ إلى ما يقارب 100،000 متظاهر، وتبنّت شعار مقاطعة البضائع الإسرائيلية وتعليق اتفاقيّة الشراكة.
كندا: أعادت نقابةُ عمّال البريد ونقابةُ العمّال الحكوميين ـ أونتاريو دعمَهما للمقاطعة. كم قام نشطاء يهودٌ باحتلال قنصليّتيْن لإسرائيل، وتقديم مذكّرة تطالب الدبلوماسيين الإسرائيليين بمغادرة البلاد بسبب تورّط بلادهم في جرائم حرب. وقد أعادت هذه الخطوةُ إلى الأذهان بعضَ تكتيكات الحركة المناهضة للأپارتهايد في جنوب أفريقيا.
مصر: من أهمّ الشعارات التي رفعها مئاتُ آلاف المتظاهرين شعارٌ يطالب بإغلاق سفارة إسرائيل؛ وهذا مطلبٌ ثابتٌ منذ سنين. والأهمّ من ذلك، ربّما، أنّ المتظاهرين طالبوا بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل. وقد تبنّى قانونيّون ونشطاءُ حقوق الإنسان ومهنيّون مصريون مرموقون هذا الشعارَ الأخيرَ بقوة، وبدأوا يعبّئون الرأيَ العامّ من حوله. كما حَكمتْ إحدى المحاكم المصريّة على الحكومة بضرورة إعادة النظر في اتفاقيّة توريد الغاز المذلّة.
تركيا: شهدتْ تركيا بعضَ أكبر التظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين في تاريخها الحديث، إذ شارك ملايين في تلك المظاهرات التي لم تنقطعْ. وقد انعكس ذلك مباشرةً على تطوّر مواقف الحكومة والبرلمان، فشهدنا استقالاتٍ بالجملة من "لجنة الصداقة التركيّة ـ الإسرائيليّة." ورَفَعَ رئيسُ الوزراء، رجب طيّب إردوغان، سقفَ موقف بلاده السياسيّ بشكل غير مسبوق، مناديًا بـ "تعليق عضويّة إسرائيل في الأمم المتحدة" إذا لم تلتزمْ بوقف إطلاق النار، وبمحاكمتها لـ "جرائمها ضد الإنسانيّة." كما شهدتْ أنقرة مقاطعةً رياضيّةً عشوائيّةً من قِبل الجماهير لفريق كرة سلّة إسرائيليّ، وذلك لأول مرة. وتَشْهد تركيا الآنَ حركة ًضخمةً لمقاطعة البضائع الإسرائيليّة، ومناشداتٍ واسعةً لقطع العلاقات الدبلوماسيّة.
نيوزيلندة: بدأ الناشطون الذين قادوا المقاطعةَ الرياضيّةَ ضدّ جنوب أفريقيا بمقاطعةٍ رياضيّةٍ لإسرائيل، في سابقةٍ تاريخيّةٍ من حيث رمزيّتها. كما أيّد اتّحادُ نقابات العمّال، الذي يمثّل حوالى 350،000 عامل، أشكالاً عديدةً للمقاطعة والعقوبات، وذلك لأول مرةٍ في تاريخ نيوزيلندة.
الولايات المتحدة: انتشرتْ حملةُ المقاطعة بشكل غير مسبوق، ونشأتْ عدةُ مبادرات للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة ومقاطعة البضائع والضغط على الحكومة لوقف الدعم العسكريّ لإسرائيل. وفي تطوّر مهمّ، وقّع ما يفوق 900 أكاديميّ أمريكيّ عريضةً موجّهةً إلى الرئيس أوباما تطالبه بمعاملة إسرائيل كما تَعامَلَ الجميعُ مع حكومة الأپارتهايد في جنوب أفريقيا، بالعقوبات وسحب الاستثمارات. كما توسّعتْ حملةُ مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال، كشركتيْ موتورولا وكاترپيلر.
إسبانيا: انتشرتْ حملةُ مقاطعة البضائع الإسرائيليّة في مناطق الباسك وكاتالونيا وسائر مناطق إسبانيا. هذا وبدأتْ حملةٌ جادّة للمقاطعة الأكاديميّة من مئات أساتذة الجامعات. كما تبنّت قطاعاتٌ كبيرةٌ من حركات التضامن شعار المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، وجاء هذا تتويجًا لما بدأ في مؤتمر بِلباو.
هناك العديد من الأمثلة المهمّة في بلدان أخرى، ولكنّ ما سبق التوجّهَ العامّ إلى رفع السقف السياسيّ لحركات التضامن والنقابات وبعض القوى السياسيّة المهمّة.

فلسطين

التعليقات

عاين التعليق | مجلة الآداب

It's very effortless to find out any topic on
net as compared to textbooks, as I found this article at this web page.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.