ندوة: القصيدة الدرويشية أو البحث عن "المجهول الشعري"
أجراها وقدّم لها: عبد الحق لبيض (مراسل الآداب في المغرب)
المشاركون: علال الحجام، حسن مخافي، صلاح بو سريف، بنعيسى بو حمالة، خالد بلقاسم
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
عبد الحق لبيض: تخبرنا الكتبُ أنّ القبيلة العربية كانت، عندما يولد في أحضانها شاعر، تقيم الأفراحَ وتدقّ الطبول، إيذانًا بميلاد صوتها ورمز كلمتها. غير أنّ تلك الكتب أغفلتْ ذكر مراسيم موت الشعراء: فلم تخبرْنا ما كانت تفعله القبيلة حين يخبو صوتُها الناطق! ولعلّ في إغفالها ذاك ما يؤشّر على أنّ الشعراء لا يموتون كباقي البشر. ولا أدلَّ على ذلك من استمرار أسماء شعرية خالدة حتى يومنا هذا تعيش معنا ونعيش فيها. واليوم، عندما ينسحب من بيننا شاعرٌ في قيمة محمود درويش، فإننا نحسّ بحاجتنا الماسّة إلى معرفة هذا الشاعر الذي كانت شخصيتُه تسطو على مداركنا فلا تترك لنا متّسعًا لقراءة تجربته في ضوء ممكناتها الجمالية. فكأنّ ما أرّقه من تغييب النقد لمكانته الشعرية لم يكن ممكنًا تفاديه إلاّ مع انسحاب سطوته الجسدية، وانسحاب صوته المجلَّل بترنيمات السياسي والأخلاقي، تلك الترنيماتِ التي أضحت سماتٍ لاصقةً به حتى دفعتْه أحيانًا إلى التبرّؤ من مهنة "الناطق الرسميّ باسم شعبه" وإلى أن يعلو صوتُه في وجه النقد الذي صنّفه وطنيّاً لا شعريّاً. ولقد تغلّب حدسُ الشاعر ورهافةُ حسّه الشعري في نهاية المطاف، فأثبت درويش أنه شاعرُ قضية حقّاً، لكنها قضيةُ الشعر: قضيةُ القصيدة في مبناها، وتشكيل صورها، ورسم إيقاعاتها، واختبار إيحاءاتها واستعاراتها.
ثم إنّ درويش شاعر جماهيريّ. لكنه أدرك عمقَ المطبّ، فلم يستكنْ إلى فورة الجمهور، بل راح يصغي إلى دواخله ويأبى الانصياعَ إلى الخارج. كان يقيّد جمهورَه في لحظة الإلقاء ويشدّهم إليه في شبه أبويةٍ شعريةٍ، لكنه يَرفض أن ينقادَ إليهم وهو في مختبر القول الشعري. يتلذّذ بترويضهم، لكنه ينفلت دومًا من قبضة رغائبهم. إنه شاعر المناورة بامتياز. وكان كلما ابتعد في غور تجربته، انساق الجمهورُ إليه واستسلم لإرادته الشعرية. فأيةُ وصفةٍ هيّأها درويش ليستطيع أن يرحلَ بجمهوره إلى "المجهول الشعري"؟
اتّسمت القصيدةُ الدرويشية منذ ولادتها بسمة البحث القلق عن ممكناتٍ شعريةٍ جديدة. ولذا كان شعرُ درويش شعرَ مراحل: في كلّ مرحلة تكتمل صورةُ شاعرٍ رحّالةٍ، فتعْقبها مرحلةٌ جديدةٌ تستغرق في البحث عن الكامن في جوهر الإنسان والتجربة الحياتية. وفي كلّ مرحلة تظلّ القصيدةُ ذلك "الحدثَ الذي يجعل الشيءَ طيفًا ويجعل الطيفَ شيئًًا."
انفتحت القصيدةُ الدرويشية على أشكالٍ تعبيريةٍ عديدة وإواليّاتٍ متعددة، لكنها ظلّت محتفظةً بروح الشعر: الإيقاع. فهذا، بالنسبة إلى درويش، سحرُ الشعر وروحُه، بل "طريقةُ تنفّس الشاعر وموسيقاه الداخلية." ولم يكن موقفه سلبيّاً من "قصيدة النثر،" باعتبارها شكلاً تعبيريّاً جديدًا، وإنما كان سلبيّاً ممن يروْن أنّ الإبداع لا يتحقّق إلاّ داخل تلك القصيدة. فهو لا يؤْمن بالحدود في تجربة القول الشعري، ولا يولي الجمركةَ التصنيفية أيَّ اعتبار، لأنّ الشعر عنده يتّسع للسردي والنثري والموسيقي والتشكيلي ولكلّ الفيض الإبداعي الإنساني. ونحن عندما نجتمع اليوم لتدارس تجربة درويش الشعرية، فلأننا ندرك حجمَ المسؤولية التي تَفرض علينا، وعلى كلّ الباحثين، ضرورةَ الاهتمام بالتراث الدرويشي لما يَحْمله من بعدٍ جمالي ووطني وقومي وإنساني سيكون، في يومٍ قريب، مدخلاً أساسيّاً لقراءة تاريخ الأمة الجمالي والسياسي والفكري.
أرحّب باسمي الخاص، وباسم مجلة الآداب، وباسم "بيت الشعر" في شخص رئيسه الصديق الشاعر حسن نجمي، بالإخوة الأساتذة. وأشكرهم على قبول الدعوة لنتقاسم جميعًا متعةَ الارتحال في عوالم درويش، علّنا نسهم في الإفصاح عن مكامن الجمال والإبداع فيها. وأعطي الكلمةَ بدايةً إلى الأستاذ علال الحجام ليقدّم لنا صورةً متكاملةً عن أهمّ تفاصيل التجربة الشعرية عند درويش.
علال الحجام: أعتقد أنّ أول ما يلفت النظرَ في محمود درويش هو قدرته على أن يكون ظاهرة جماهيرية تَحْشد إليها الآلافََ؛ كما يستطيع في زمن إفلاس القراءة أن يوقّع أكثرَ من ثلاثمائة نسخة في جلسة توقيع واحدة. لكنّ درويش لم يستكنْ إلى جماهيريته ومقروئيته، ولم يكتفِِ بمداهنة الجمهور ليكون دائمًا إلى جانبه، بل راح يبحث عن آفاق أرحب. فقد كان يَمْلك من الذكاء ما يجعله يتمتّع بحسّ نقديّ ذاتيّ يتيح له دومًا إمكانيةَ إعادة النظر في شعره بعيدًا عن التنميط أو الاستقرار المميت. وهذا ما يدفعني إلى الحديث عن تجربة "الحداثة المتجدّدة" في مسيرته. ففي حين كان في بداياته يكتب كتابةً لصيقةً بالثورة الفلسطينية، إلا أنّه فكّر في مراجعة نفسه بعد سنة 1970 مباشرةً، وهي الفترة التي صادفتْ سفرَه للمشاركة في دورةٍ تكوينيةٍ في موسكو وانتقل بعدها إلى القاهرة. في هذه المرحلة راح يكتب قصيدةً تعاند في التحرّر من عبء الثورة الفلسطينية من دون أن يَقْطع معها نهائيّاً، وإنما اجترح لها وسائلَ شعريةً ولغةً شعريةً ذاتَ خيالٍ مجنّح. وفي كلّ مرحلة تالية من مراحل التجربة الشعرية كان درويش يعيد النظرَ في ما يكتبه، ويعمل على تقديم النصّ الذي يراه مواتيًا لمواصفات المرحلة الجديدة. والسؤال الذي يجب طرحُه في هذا الصدد هو التالي: هل استطاع درويش أن يحقّق قبل رحيله ما كان يحلم به؟ لا نحتاج إلى كثير تأمّلٍ لنقول إنه غادرنا وفي نفسه غصصٍ يُمكننا اختزالُها في ما يلي: 1) غصّة الوطن؛ فقد وَجد أنّ الوطن الذي حلم به اختُزل في الكلام. 2) غصّة الأم والحبّ؛ فقد ظلّ طوال حياته يحلم بلقاء أمه، لكنه بقي بعيدًا عنها حتى ووري الثرى. أما غصّة الحب فولّدتْها فيه حالةُ القهر الإسرائيلي التي منعتْه من أن يحقّقه (تذكّروا معي مثلاً قولََه: "بين ريتّا وعيوني بندقية"). 3) غصّة الحداثة؛ وفي هذا الصدد أتذكّر العديدَ من الحوارات، ومن بينها حوارٌ أجراه معه صديقُه صبحي حديدي ونُشر في القدس العربي منذ ثماني سنوات، وفيه شكا بمرارة من أنّ النقد العربي يدير ظهرََه لحداثته ولا يتحدّث عنه إلاّ كشاعرِ قضيةٍ ومقاومة، في حين ينبغي تأمّلُ ما أنتجه بعيدًا من هواجس القضية وحماسة الثورة، من دون نفيها البتة. وأستسمحكم في عرضٍ سريعٍ لبعض عناصر هذه الحداثة:
1) القدرة على خلق تركيبةٍ جديدةٍ من الماء والنار؛ وهي تركيبةٌ سحريةٌ عجيبةٌ فشل الكثيرُ من الشعراء في تحقيقها، وبخاصةٍ الشعراءُ الفلسطينيون من قبله مثل توفيق زيّاد وسميح القاسم الذي، رغم كلّ ما أنجزه، يتراجع أحيانًا نحو كتابة القصيدة العمودية. درويش لم يسقطْ في هذا المطبّ، بل مزج بين القضية والحداثة، مرتفعًا بالأولى من مستوى الخطابة والهتاف والأسطرة إلى مستوى الشعرنة.
2) توليد الاستعارات الجديدة. قام درويش بتأثيث حداثته على استعارات ملفوفة، وعميقةٍ جدّاً، وغريبةٍ أحيانًا، بحيث لا نَعْثر فيها على العلاقة بين طرفي الاستعارة.
3) التناصّ. استطاعت ثقافةُُ درويش الموسوعية أن تضخّ شعرَه بحوارٍ غنيّ بين النصوص المتعددة المصادر واللغات، إذ نجده مثلاً يستحضر القرآنَ الكريم والتراثَ العربي القديم والتوراة ورموزًا توراتيةً عديدة.
4) شعرية الإيقاع. وهنا نتحدّث عن الإيقاع بمعناه الشامل، لا الكمّيّ فقط. فبالإضافة إلى الوزن والقافية والرويّ، عمد درويش إلى الاستفادة من توازيات الصوت وتوازناته، والتكرار بأنواعه المتعددة. بل إنّ توظيفه للبحور الخليلية اتّخذ بعدًا تجديديّاً لمّاحًا. وقد قمتُ بالبحث الدقيق في هذا الموضوع، فخلصتُ إلى أنه يوظّف "المتقارب" و"المتدارك" في حوالى 45% من قصائد بعض دواوينه؛ وهذا يعني اقترابَه الكبيرَ من اللغة النثرية. وربما نَفْهم من ذلك أنّ درويش قد يبدو أحيانًا أقربََ إلى قصيدة النثر منه إلى قصيدة التفعيلة. وقد كتب في أحايينَ قصائدََ مَزَجَ فيها النثريَّ بالموزون؛ وأتذكّر في هذا السياق قصيدةَ "أحمد الزعتر" حيث أَلزمت العوالمُ التي كان يعيشها أحمد الزعتر درويشًا بالجنوح بالنصّ الشعري إلى بعض المستويات النثرية.
5) الميتا ـ شعري وقلق التجديد. اهتمّ درويش في الكثير من المحطّات بعملية تأمّل النصّ الشعري لذاته في أفق أسئلة المغايرة والتجديد. فقد كان يحمل تصوّرًا للحداثة الشعرية يجسّده في صياغة شعره، ويدافع عنه في حواراته وكتاباته. وكلُّ هذا من أجل أن يؤكّد أنه ليس فقط "شاعرَََ مقاومة" كما دأب النقدُ التقليديُّ على تصنيفه، وإنما له أيضًا مواقفُ تأمليةٌ عديدة كتأمّله للموت والحياة والانبعاث... أو ما سمّيتُه في مناسبةٍ سابقةٍ بـ "العوالم التموزية." كلُّ هذه العناصر الحداثية الأصيلة خَلقتْ لدرويش وضعًا اعتباريّاً قلّما تحقّق لغيره من الشعراء. ولذلك حُقَّ أن نعتبره قامةً سامقةً في المشهد الشعري العربي المعاصر.
لبيض: وَضَعنا الأستاذ الحجام في الصورة العامة لتجربة درويش، وفتح الآفاق أمام مقاربة عناصر الجمالية في قصيدته. وقد يكون درويش قد تلبّس القضيةَ أو لبستْه القضية؛ فالأمر سيّان. لكنه، بحسّه الإبداعي وبرؤيته الثاقبة، استطاع أن يورثنا، كمتلقّين، صورةً واحدةً عنه، هي صورةُ الشاعر الذي أخلص لموقفه من القضية من دون أن يخون رسالتَه كشاعر، وهي أن يبدع شعرًا لا سياسة، بل أن يجعل من القضية عنصرًا لخدمة رسالته الشعرية.
حسن مخافي: استكمالاً لما تقدّم به الحجام، أشير إلى أنّ بداية تجربة الكتابة الشعرية لدى درويش، في حدود بدايات الستينيات، صادفتْ تبلور اتجاهيْن رئيسيْن داخل المشهد الشعري العربي: الأول هو "شعرُ الرؤيا" الذي كانت تدافع عنه مجلةُ شعر، وعلى رأسها أدونيس ويوسف الخال؛ أما الثاني فهو "شعر الرؤية" الذي كانت تتزعّمه مجلةُ الآداب والشعراءُ الذين كانت تحتضنهم. وقد كان درويش في بداية عهده بالكتابة الشعرية أميلَ إلى الاتجاه الثاني، بالنظر إلى ارتباطه بالقضية الفلسطينية. لكنّ ما مَيّز تطوّرَ قصيدته أنه، بالرغم من انتمائه إلى شعر الرؤية، قد ظلّ يكتب عن القضية في ارتباطها بأسئلة الذات. فالقضية الفلسطينية في شعره لا تستكين إلى جغرافية ميتة، بل تتحوّل إلى حالةٍ وجوديةٍ تَختبر ما يعتمل داخل الذات من هواجس. وهذا ما سمح بالتبلور الحرّ لهذا الهامش الكبير الذي تحدّث عنه الحجام، والذي مكّنه من التجدّد المستمرّ في صوغ الشعر. فقد ظلّ درويش يكتب للقضية مدةً تزيد عن أربعين سنة من دون أن يَسْقط في التنميط الشعري، بل ظلّ يعطي لقصيدته في كلّ مناسبة نفسًا جديدًا وعبقًا متجددَ الروائح. وما كان للجماهيرية التي أشار إليها الحجام أن تمتدّد وتتّسع لولا ذلك التجدد المستمر وهذا الهروب الدائم من لعنة النمطية التي أَسقطتْ في حبائلها العديدَ من مجايليه ولاحقيه من شعراء الأرض المحتلّة. وسرّ التجدّد الشعري عنده كامنٌ في لغته التي تتميّز بالبساطة والطلاقة، لكنها تأتي دومًا محمّلةً بالهموم التي تعتمل داخل الإنسان العربي. وقد ساعده في تحقيق ذلك عنصران: الأول أنه ظلّ وفيّاً لتقليد القصيدة الموزونة، مع إدراجه للتنويعات الكبيرة التي يَسْمح بها العروضُ الخليلي، والتي أدّت بدرويش إلى استكشاف أوزانٍ لم تكن قد خطرتْ في بال مكتشفي علم العروض ومطوّريه. والعنصر الثاني قائمٌ في طريقة إلقائه التي جعلته يلتقي مباشرةً بالجمهور. ولعمري، فإنّ درويش هو الشاعر العربي المعاصر الوحيد الذي كانت تُفتح له مدرّجاتُ الملاعب، في حين كان الشعراء الآخرون لا يستمع إليهم سوى ثلّة من أصدقائهم وأفراد عائلتهم.
صلاح بوسريف: أميّز في تعاملي مع تجربة درويش بين مرحلتين. في المرحلة الأولى كان شعره مرتبطًا أساسًا بالقضية الفلسطينية و"ثقافة المقاومة." إلاّ أنّ هذا الارتباط ستتخلخل بعضُ بنياته لحظةََ مغادرته للأراضي المحتلة متّجهًا نحو موسكو في دورة تدريبية، وعودته بعد ذلك إلى القاهرة، ليجد نفسَه أمام بدايات مرحلةٍ جديدة تتشكّل فيها ملامحُ كتابةٍ غائرةٍ في أعماق اللغة الشعرية، بعيدًا عن سياقات اللغة الحماسية والهتافية. وستتعمّق ملامحُ هذه المرحلة في باريس، حيث كتب سرير الغريبة، ولماذا تركت الحصان وحيدًا، ولا تعتذر عمّا فعلت، وجزءًا من جدارية. وتُعدّ هذه الأعمال، في تصوّري، من أهمّ الأعمال التي حاول أن ينتقل عبرها من مرحلة "شعر السياسة" إلى مرحلة "سياسة الشعر،" أيْ من قصيدة الثورة والمقاومة بمعناهما التقني المباشر إلى قصيدة الثورة والمقاومة بمعناهما الجمالي والشعري، لنجدَه يعطي الأهميةَ للبعد الاستعاري الذي أشار إليه الأستاذ الحجام. وفي هذه الفترة بالذات انتقلت الجملةُ الشعريةُ عنده من بعدها المباشر إلى بعدها العميق. ومن دون أن يطلّق درويش القضية، راح يضفي عليها تلويناتٍ مختلفةً، فانتقلتْ مما هو جمعيّ إلى ما هو ذاتيّ، إذ أصبحتْ ذاتُه هي المنطلقَ في كلّ ما يجري داخل القصيدة. اغتنت تجربةُ درويش في مرحلتها الثانية بانفتاحها الذكيّ على محاورة النصوص خدمةً لبعدٍ جماليّ يعطي القصيدةَ نفسًا ملحميّاً. وفي هذا السياق يأتي حرصُه الكبير على الانفتاح على النص التوراتي، وعلى التراث البابلي، والآشوري. وتشكّل عودتُه إلى النصوص الإنسانية الأولى (جلجامش، الإلياذة، الأوديسة، التوراة، القرآن الكريم، ...) عودةً إلى حقيقة الوجود الإنساني، وعودةً إلى نثرية الحياة ــ وهو الشاعر المهووس بشعريته ذاتِ النبرة العالية. وأتذكّر أنني سألتُه في ندوةٍ عُقدتْ في الرباط منذ سنوات إنْ كان يستجيب ضغوطاتِ قصيدة النثر، فأجابني أنّ ناقدًا معروفًا قرأ أحدَ دواوينه فهنّأه بتحوّله إلى كتابة قصيدة النثر! وأضاف درويش: "فوجئتُ بمقاربته، خصوصًا أنني لم اكتب سوى قصيدة الشعر الموزونة." وأعتقد أنّ التصرّف المحكم والمرن، معًا، في الأوزان هو الذي جعل لغتَه الشعريةَ طيّعةً. كما أعتقد أنّ قيمة شعريته تكمن في صيغة تركيبه للجملة، وفي طريقة بنائه لاستعاراته، وهي طريقة مكّنتْه من بناء جملٍ كاملةٍ بأقلّ ما يمكن من المفردات وبأكبر ما يمكن من الإيحاءات.
لبيض: ما يجعل درويش شاعرًا استثنائيّاً أنه استطاع أن يرهن ذاتَه لمعادلةٍ من جحيم، لكنه خرج منها سالمًا. وإنني لأحدسُ أنّ آخر ما تبدّى له وهو يصارع الموتَ هو صورةُ الوطن مجلّلاً في قصيدة. بيْد أنه، وهو الذي دخل السياسةَ من بوّابة حب الوطن، لم يكن ليتنازل عن هويته كشاعرٍ له أجندتُه المميّزة وأسئلتُه الخاصة. فراح يشيّد لنفسه موقعًا مميّزًا في خارطة المشهد الشعري العربي، لم تكن "القضيةُ" هي بطاقةَ مروره إليه، وإنما شعريتُه الدائمة التجدد والحداثة. فكان بذلك شاعرَ الوطن ووطنَ الشعر. لكنْ ما هي الوصفة السحرية التي فكّ بها ألغازَ معادلةٍ احترق بلهيبها شعراء كثيرون؟
بنعيسى بوحمالة: أعتقد أنّ الإجابة عن مدى نجاح درويش أو إخفاقه في الجمع بين المقتضى الوطني والمقتضى الجمالي قد تجد نفسَها في صميم كاريزما الشعراء الكبار. فدرويش واحدٌ من قلّة امتلكتْ كاريزما شعريةً بامتياز، إذ لا يكفي أن يكون الشاعر موهوبًا وذكيّاً ومتابعًا لمستجدّات الشعر والمعرفة الإنسانية لكي يكون شاعرًا كبيرًا، وإنما يحتاج إلى جرعةٍ مأساوية. وقد اجتمعتْ في درويش كلُّ هذه الصفات، بما فيها الجرعةُ المأساويةُ بوصفه فلسطينيّاً يَحْمل على كاهله مأساةَ شعبه. وإنّ شاعرًا بهذه المواصفات لا يمكنه إلا أن يعْثر على مخارجَ لكثيرٍ من الإشكالات التي قد تواجهه، لكنْ ـ وكما في سِيَرِ المبدعين الكبار ـ لا بدّ من مواعيد تظلّ مرتهنةً بالنضج البيولوجي والفكري. وأرى أنّ موعد خروج درويش من الأرض المحتلة، وما عاشه من مواقف مأساوية لشعبٍ يُطرد من أرضه، سيعطيه إمكانيةَ صناعة قصيدة تتجمع فيها كلُّ العناصر رغم تناقضها؛ ذلك لأنّ الجرعة المأساوية تستطيع أن تولّد التآلفَ بين المتناقضات. وقد شكّل خروجُه من الأراضي المحتلة إمكانيةً مهمةً لإعادة صياغة المعادلة بين انتمائه إلى مأساةٍ تاريخية، وبين قدره كشاعرٍ يشْغله قبل كلّ شيء إنتاجُ الأخيلة والمجازات. ولذا رَفَضَ أن يتماهى مع الرأي العامّ العربي الذي صنّفه "شاعرًا للمقاومة." وأتذكّر هنا الكتاب المهمّ الذي أصدره الناقدُ الراحل رجاء النقّاش بعنوان محمود درويش: شاعر الأرض المحتلة، لأشير إلى أنّ درويش، بذكائه، لا بدّ أن يكون قد انتبه ساعتَها إلى أنّ النقد سيتحوّل إلى مديحٍ مجّاني يمنع التجربة من أن تتطوّر. وكان لا بدّ لهذا الانتباه من أن يكون مشفوعًا بجهدٍ قرائيّ مضنٍ؛ فالمعروف عن درويش أنه قارئٌ نهمٌ للمتون الروائية، وأعتقد أنّ قسطًا وافرًا من أعماله الأخيرة بشكلٍ خاصّ لا يمكن أن يُقرأ إلاّ في ضوء استيعابه العميق للجماليات السردية.
والحقّ أنّ تجربة درويش في التوليف بين المقتضى الوطني والمقتضى الجمالي نجد لها نظائرَ في العديد من التجارب الشعرية العالمية. فالشاعر الروسي الكبير ماكايوفسكي، الذي أشعل الثورةَ بقصائده، سيُضطرّ في لحظة تمفصلٍ كبرى إلى أن يجعل الثورةَ عنصرًا من عناصر خدمة النصّ الشعري، لا العكس. كما حضرتْ فرنسا في بعدها النضالي والوطني لدى المنتمين إلى السوريالية من شعراء المقاومة الفرنسية، لكنّ حضورَ القصيدة كان أقوى. وأظنّ أنّ المرحلة الأخيرة من أعمال درويش، بدءًا من ديوان ورد أقلّ، شكّلتْ بدايةَ الانعطاف في تجربته من حيث التطلّع إلى الإمساك بجملة شعرية أقلّ توترًا وأكثر هدوءًا. صحيح أنّ هذه المرحلة سيشوبها نوعٌ من العياء، إلا أنه يظلّ ملمحًا طبيعيّاً جدّاً في مسار أيّ شاعرٍ كبير، إذ تطارده فتراتٌ بيضاءُ وخفوتُ نَفَسٍ...
بوسريف (مقاطعًا): أعتقد أنّ مسألةَ العياء لا تمْثل حقيقةً في مسار درويش لسبب بسيط، هو أنّ النص الأخير الذي نشره في القدس العربي بعنوان "لاعبُ نرد" جاء قويّاً جدّاً بالرغم من أنه كتبه وهو مقْبلٌ على إجراء العملية الثالثة في القلب. وهناك، فيما علمتُ، نصوصٌ أخرى مكتملة تركها على مكتبه تنتظر النشر. وهذا يدلّ على أنّه انتهى قويّاً كشاعر، ولم يستسلمْ للحظات الضعف التي عاشها كإنسان. ربما عنيتَ بكلمة "العياء" العياءَ البيولوجي الناتجَ عن الحالة النفسية التي كان يعيشها؛ لكنّ الرجل ظلّ قويّاً شعريّاً. بل إنه، كما يبدو، كان قد شرع في استيعاب النفَس الشعري القوي الذي يهيّئه للمرحلة القادمة التي لو كُتب له أن يعيشها لأغنى المشهدَ الشعري العربي بأعمالٍ من العيار الثقيل. غير أنه كُتب للاعب النرد أن يترجّل راحلاً بعيدًا عن التباساتنا، ممجِّدًا وضوحَه السافرَ في قصيدته التي أخبرنا فيها أنه ذاهبٌ إلى مكانٍ ما، وأنّ اللعبة انتهت، وأنّ الحظوظ لم تكن وافرةً بما يكفي. فإذا كان درويش في جدارية قد تحدّى الموتَ، فإنه في "لاعب نرد" قد تعايش معه واقتنع بمصاحبته... لكنْ بقوة الشاعر الحالم بأنّ ما أنتجه قادرٌ على أن يجعله خالدًا بيننا وبين من سيأتي من الأجيال.
بوحمالة: لا خلاف على ما أشرتَ إليه. وكنتُ أستعيد، وأنتَ تتكلّم، نصوصًا قويةً كـ "لاعب نرد" وديوانًا استثنائيّاً كـ أحد عشر كوكبًا. لكنني، بالموازاة مع ذلك، كنتُ أستحضر بعضَ النصوص في ديوان لماذا تركت الحصان وحيدًا، والتي تحسّ فيها نوعًا من التقريرية. وهذه الاستثناءات، بالطبع، لا تشين المكانةَ الاعتباريةَ لشاعرٍ مثل درويش، بل إنّ حالة الضعف حتميةٌ يعيشها أيُّ شاعر. خالد بلقاسم: أولُ ما يمكن الانطلاقُ منه في إعادة قراءة نصوص درويش هو تحريرها من الصوت الإعلامي الذي زاحمها من غير أيّ سندٍ نظريّ يؤهّله لهذه المزاحمة. فكان من نتائج ذلك أن عَمّم بعضَ الأحكام القيمية السريعة: ومنها أنّ درويش عَوّل على جماهيريته، وعلى قدرته الإنشادية الخارقة، في تحديد قيمته الشعرية. غير أنني أرى أنّ الجماهيرية ليست مقياسًا شعريّاً، بل مصدرٌ خارج الشعر. علينا أن نقرّ بأنّ الشعر نخبويّ، وبأنّ المعرفة الشعرية لا تتحقّق بالتواصل "الجماهيري." ولا مراء في أنّ الجماهيرية شكّلتْ عبئًا كبيرًا على درويش لأنها دفعتْه إلى البحث عن مخارج لتدبيرها في علاقتها بالشعر، باعتبار هذا الأخير جوهرًا إبداعيّاً لا يقاس بما هو خارج الجمالي واللغوي. أما بالنسبة إلى الإنشاد فإنني أرى أنه جسدٌ آخرُ موازٍ لجسد القصيدة، ولا يمكن أن يتحوّل بديلاً منها. ولا أعتقد أنّ درويش كان يراهن، في إقامة مجده الشعري، على عنصر الإلقاء والإنشاد. ذلك لأنه، ببصيرته وألمعيته، كان يَعْلم أنّ الخالد هو النصّ وجماليتُه، وأنّ الإنشاد لحظةُ انتشاءٍ عابرة.
لهذا فإنّ قيمة شعر درويش لا تتحدّد بالجماهيرية والإنشاد، وإنما بقدرته على تحصينه بوعيٍ شعريّ مكّنه من الانفلات من سطوة العلاقة المعقدة التي طرحها البعدان السياسي والشعري في تجربته. صحيح أنّ القراءات الأولى لتجربته رََسّختْ صورةً عامةً عنه في الوجدان العامّ؛ كما أنّ نصوصه الأولى حملتْ هي نفسها نبرةَ السياسي بقوة؛ لكنه فيما بعد راح يخلخل هذه الصورةَ ليُحلّ محلَّها صورةَ الشاعر المغامر في مسارب القصيدة بقلق الباحث عن فضاءٍ يسع أحلامه. لكنْ كيف تأتّى لدرويش خلخلة هذه الصورة؟ أولُ ما عمد إليه هو أنه راح يوسّع مفهومَ "المقاومة" وينقله من بعده السياسي الضيق إلى مقاومةٍ جماليةٍ أرحب. كما عمل على تغيير الذائقة الشعرية الجمعية من دون أن يَسقط في أيدي مَنْ أسماهم "فقهاءَ الحماسة،" محترفي إطلاق الأحكام التخوينية، ومن دون أن يخسرَ شيئًا من جماهيريته.
على أنّ أهمّ ما يميّز تجربةَ درويش هو أنه لم يصاحبْ مشروعَه الشعري بمشروعٍ نظريّ يحضنه أو يرمّم به ما لم يتحقّقْ في المنجَز النصّي، بل جعل هذا الأخيرَ هو المختبر، وفي هذا المختبر كانت الأوعاءُ تتغيّر. وقد ذكر الإخوة مجموعة من المنجزات الكبرى في القصيدة الدرويشية، ويجدر أن أضيف إليها منجزيْن. أولاً: تحويلُه المنفى إلى سؤالٍ فلسفيّ من خلال ثنائيتي الحضور/الغياب والأنا/الآخر، ومن خلال السفر بعيدًا في مفهوم الهوية، ومن تأمّلٍ عميقٍ لمفهوم الحلم. ثانيًا: الألفة التي خلقها بين النثر والشعر، حتى إنه أعاد كتابة سيرته انطلاقًا من الألفة بين السردي والشعري، وسبق أن صدّر كزهر اللوز أو أبعد بقولةٍ للتوحيدي تشير إلى التقارب بين الشعر والنثر... هذا من دون أن يكون درويش مهيّأً لوضع نموذج يختزل الشعرَ أو يكون بديلاً من الوزن. فدرويش أبقى على الوزن قيمةً كبرى في جنّة الشعر، ولم يساومْ عليه كما يحلو للبعض أن يروّجوا.
علال الحجام: أستاذ جامعي في جامعة الأخوين، إفران، وشاعر.
حسن مخافي: أستاذ جامعي في كلية الآداب، مكناس، وناقد.
صلاح بوسريف: شاعر وناقد.
بنعيسى بو حمالة: أستاذ التعليم العالي، ناقد.
خالد بلقاسم: أستاذ جامعي، ناقد، عضو الهيئة التنفيذية لـ "بيت الشعر بالمغرب".
لمتابعة هذه الندوة المهمة راجع النص الورقي.
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| القصيدة الدرويشية أو البحث عن المجهول الشعري.pdf | 852.05 ك.بايت |










التعليقات
علِّق