تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
تشير ملاحظةُ الممارسة الدستورية في سورية إلى حالةِ تعايشٍ بين الدستور و"حالة الطوارئ." يؤسِّس الدستورُ السوريُّ لعام 1973، ظاهريّاً، لنظامٍ قانونيٍّ عاديٍّ، بكلّ ما فيه من مؤسّسات تشريعية وتنفيذية وقضائية. ولهذه المؤسّسات صلاحيّاتُها في سنّ القوانين العادية، وتطبيقِها، وإعطاءِ القرار في حال الخلاف حولها. كما أنّ لكلٍّ من هذه المؤسّسات إجراءاتِه المفصَّلةَ واختصاصاتِه المحدَّدةَ بالدستور والقانون. أما نظامُ الطوارئ، المعلن في الثامن من آذار عام 1963،1 فإنّه يُطْلق العنانَ أمام السلطة التنفيذية لممارسة أوسع السلطات في المجتمع. وهو ما يُمْكن أن يؤدِّي في النتيجة إلى تعطيلٍ كاملٍ للدستور.
قد تبدو حالةُ التوازي والتعايش، بين الدستور من جهة ونظام الطوارئ من جهة أخرى، وكأنَّها تمثِّل تعارضًا يعرقل عملَ المؤسّسات الدستورية. ومع ذلك، فإنّ ما يبدو لظاهر العيان تعارضًا إنّما ينمّ عن علاقةٍ أكثر التباسًا، قد تَحْمل في السياق السوري تناغمًا بين الدستور ونظامِ الطوارئ.
أسبقيةُ الدستور على الطوارئ
ناقش الفقهُ الدستوري في سورية حالةَ التعايش التي برزتْ بين نظام الطوارئ والدستور، إذ حاول الكثيرون وضع حالة الطوارئ تحت إطار الدستور والقانون.
تُؤسِّس لهذا الاتجاه مقولةُ إنّ الدستور، من حيث كونه أداةً من أدوات التنظيم القانوني، سابقٌ للدولة (فهو منشئُها ومنطلقُها)؛ فإذا كان من الضروري تعطيلُ الدستور أو بعضِ أحكامه في حالاتٍ معينة تَفْرضها ظروفُ الطوارئ، فإنّ آليّات الدستور قادرةٌ على تنظيم الانتقال من الحالة العادية والرجوعِ إليها. يَتْبع ذلك أنّ للدستور القدرةَ على تنظيم الشروط الشكلية لإعلان حالة الطوارئ، والقدرة على وضع إجراءاتٍ تَسْمح بمراقبة التقيّد بمتطلّباته، وعلى توزيع الصلاحيات أثناء ممارسة سلطات الطوارئ، وعلى تحديد إجراءات المحاسبة في حالِ تجاوُزِ تلك الصلاحيّات. وبعبارةٍ أخرى، ما الطوارئ إلاّ حالةٌ مِنْ وضع الدستور، أو مؤسّسةٌ منبثقةٌ من كنف القانون، وهو قادرٌ على تنظيمها ووضعِ الضوابط عليها.
وعليه، يمكن القولُ بسموّ الدستور وأسبقيّتِه على حالة الطوارئ. والدستور قادرٌ على حصر إعلان الطوارئ بحالات الضرورة الاستثنائية فقط. فالطوارئ تعبِّر عن "حالة حقوقية،" لا واقعية.2 وما هي إلاّ استجابةٌ إلى حالةِ ضرورةٍ، وهو ما يعني أنّها لا ترخّص للعمل إلاّ بقدْرها. كما أنّ للقضاء سلطةَ الرقابة على مشروعية الأوامر الصادرة عن السلطة التنفيذية في حالة الطوارئ، على اعتبار أنّها قراراتٌ إداريةٌ قابلةٌ للمراجعة.3
كانت تلك بعضَ الحجج الفقهية التي حاولتْ أن تُبقي نظامَ الطوارئ، الذي قد يكون منفلتَ العقال، في حظيرة القانون. إنَّها محاولات لتأكيد وضع يد القانون على حالة الطوارئ، بهدف ضبط السلطات المطْلقة التي يمكن أن تَنْجم عنها
استحواذُ نظام الطوارئ على الدستور
لكنّ ذلك لم يمنعْ من أن تستمرّ حالةُ الطوارئ معلنةً في سورية لعشرات السنين، من دون أن تكون هناك أيّةُ بارقةِ أملٍ في رفعها في المستقبل القريب.
ومعروفٌ أنّ نظام الطوارئ في سورية قد أَطلق العنانَ لإنشاء مجموعة أجهزة موازية تمارس أوسعَ الصلاحيات في المجتمع. وقد عَرَفَ المجتمعُ السوري، من هذه الأجهزة الموازية، الأجهزةَ الأمنيةَ، أو ما يشار إليه في الحياة اليومية بـ "المخابرات،" وما يُطْلق عليه "الحاكم العُرْفي" ونوّابه. كما عَرفتْ سورية نظامَ محاكم موازيًا ذا طبيعةٍ خاصةٍ مع نياباتٍ عامةٍ ملحقةٍ بها، كمحكمة أمن الدولة العليا. وتدعم أجهزةَ الطوارئ شبكةُ سجونٍ ومعتقلاتٍ متصلةٌ بها، ولا تَتْبع إداراتُها للمؤسَّسات القضائية. وغالبًا ما تمارِسُ تلك الأجهزةُ سلطاتِ الطوارئ بلا مساءلة، أو بلا ضوابط مساءلة واضحة ومتاحة لاطلاع المجتمع. وقد يصل الأمرُ بسلطات الطوارئ إلى أن تتعدّى على عمل مؤسّسات الدولة الرسمية، وعلى النظام القانوني الرسمي الناشئ عن الدستور. ويتجلّى هذا التعدّي بإيقاف العمل بقوانين معيّنة، أو بخرقها من دون محاسبة، أو بسنِّ قواعد وأوامر من غير اعتبار لأساسٍ دستوريّ.
لم تُفْضِ حججُ القانونيين، أو الآليّاتُ الإجرائيةُ المنصوصُ عليها في الدستور، إلى التقليص من نظام الطوارئ، من أجل الوصول إلى خلق الظروف الاجتماعية لإيقاف العمل بها. بل على العكس: فالاتجاهُ في الدساتير العربية ذاهبٌ إلى شرعنة المزيد من التوسيع في ممارسة السلطات المطْلقة، تحت اسم "مكافحة الإرهاب،" كما حدث في مصر بإقرار المادة 179 من الدستور.4
وتشير التجربةُ اليوميةُ للمؤسّسات الدستورية في سورية إلى أنّها تَرَكَتْ نفسَها تُستخدم من قِبل نظام الطوارئ لشرعنة حالة الطوارئ وإدامتها. فبدل أن يَضْبط الدستورُ استخدامَ الطوارئ، استحوذتْ سلطاتُ الطوارئ على الدستور لتشرعنَ وجودَها وديمومتَها. لقد بقيتْ حالةُ الطوارئ عصيّةً على الانضواء تحت سقف القانون: فلا موجباتُ إعلان الطوارئ، ولا ممارسةُ سلطات الطوارئ، قادرةٌ على الخضوع لأية محاسبة.
وقد بَيَّنت التجربةُ أنّ بإمكان السلطة التنفيذية الركوبَ على ما يَمْنحه الدستورُ من صلاحيةٍ في إعلان حالة الطوارئ للوصول إلى إحلالِ نظامِ طوارئ يَدْخل في تكوينه العضوي ازدراءٌ كاملٌ للدستور، بكلّ ما يتضمّنه من مبادئَ وضماناتٍ وإجراءاتٍ مكبِّلة ـ وهو ما يَسْمح بوقف العمل به أو إلغائه من دون مساءلة!
أسبقيةُ الاستثناء على الدستور
وعليه، فبدلَ أن يقال إنّ الأصلَ هو الدستور، وإنّ الطوارئ استثناء، تبدو الصورة منقلبةً. وقد عَرَفَ الفقهُ الدستوري الأوروبي، المنبثقُ عن فلسفة هوبز،5 وخصوصًا في الفقه الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية، ككتابات كارل شميت، صياغاتٍ نظريةً متقدِّمةً لأسبقية الطوارئ على الدستور وغلبتِها عليه.6 وتَميّز هذا الاتجاهُ الفقهي بالتركيز على افتراض وجود حاكمٍ سيّدٍ مطلقٍ في الدولة (The Sovereign) يتمتّع بأوسع السلطات، ويُعتَبرُ الأساسَ لنشوء الدولة وضمانِ وجودها واستمراريتها: فإرادتُه، والسلطةُ التي يتمتّع بها، هما المنشِئتان للقانون والدستور والحالة العادية. وهو الكفيلُ باستمرار العمل بالدستور في الحالات العادية، كما أنّه هو القادرُ على تعليق العمل بالقانون للولوج في حالة الاستثناء إن اعتبر ذلك ضروريّاً.
وبناءً عليه، يمكن التمييزُ، على مستوى التحليل القانوني، بين "حالة الطوارئ" التي ينصّ عليها القانونُ والدستورُ، وهي تعبِّر عن حالةٍ منبثقةٍ من كنف الدستور... وبين "حالة الاستثناء" التي تعبِّر عن حالةٍ ما قبل قانونية يَسْتفرد فيها الحاكمُ بالمجتمع، أو يكون فيها المجتمعُ مستباحًا أمام إرادة الحاكم.7 تمثِّل حالةُ الاستثناء، إذن، وضعًا تبقى فيه قوةُ القانون الإكراهية ساريةً، من دون أن يكون للقانون أيُّ مضمون.
يرى هذا الاتجاهُ الفقهي أنّ كلّ محاولة تَهْدف إلى وضع حالة الاستثناء تحت كنف القانون محكومةٌ بالفشل، إذ يستحيل على القانون المتوقِّفِ عن العمل أن تكون له القوةُ الملزِمةُ لضبط السلطات الاستثنائية التي يمارسها الحاكم. بعبارة أخرى، فإنّ حالة الاستثناء هي وضعٌ يتجاوز في وجوده حيِّزَ القانون. إنّها حالةٌ تشكّل إطارًا يحيط بالقانون، ويَضْمن العملَ به في الحالات العادية. ولا تعني حالةُ الاستثناء الفوضى، بل هي حالةٌ من النظام كفيلةٌ بإدامة الدولة والمحافظة عليها. كلُّ ما تعنيه هو إيقافُ العمل بالقانون، الأضيقِ نطاقًا، مع بقاء الدولة والنظام العامّ مضمونيْن. إنّ حالة الاستثناء لا يمكن إخضاعُها، إذنْ، وهي عصيّةٌ على التقنين. إنّها تَكْشف عن قرار الحاكم الأخير بأوضح صوره. وهي سابقةٌ للقانون، من حيث إنّها وحدها ما يَسْمح للقانون بالوجود، وما يمدّه بالقوة الملزمة.
أما الحاكم فهو مَنْ يمسك بزمام حالة الاستثناء. فهو الذي يعلن إيقافَ العمل بالقانون. وهو صاحبُ القرار الأخير عند العمل بالقانون في الحالات العادية. كما أنّه صاحبُ القرار في تحديد الأوضاع العادية التي تستلزم الرجوعَ إلى حكم القانون. وهو صاحبُ القرار في تحديد الأوضاع الاستثنائية التي تَفْرض تعليقَ العمل بالقانون، كليّاً أو جزئيّاً. ولا ضابط أو أساس لهذا القرار إلاّ الإرادة. ولا يخفى أنّ الإرادة قد تكون عبثية.
قد يَكْشف التحليلُ المعمَّقُ للدستور السوري أنَّه جاء بصيغةٍ تحقِّق الغلبةَ المطلقةَ لحالة الاستثناء وسلطات الحاكم على الدستور. فبدلَ أن يشكِّل الدستور منطلقًا وأساسًا لحقوقٍ ومبادئِ شرعية، يجري تصغيرُه إلى جملة قواعد يَسْتخدمها الحاكمُ "أداةَ" سيطرةٍ و"تكتيكَ" سلطةٍ لفرض الانصياع على الجموع.8
عن الحاكم وسلطاته الاستثنائية
تبيِّن الملاحظةُ المتأنّيةُ لنصوص الدستور أنّ أحكامها رُكِّبتْ على نحوٍ يُقرّ بخضوع الدستور لمتطلّبات الاستثناء العليا التي يحدِّدها الحاكمُ؛ وهو ما من شأنه أن يَتْرك له أن يضطلعَ بالدور الأسمى في ضبط التنقّل بين حالة الاستثناء والأوضاع العادية التي يَحْكمها الدستور.
ومع ذلك، فإنّ طبيعة الحاكم قد تختلف بحسب مراحل الحكم: فتارةً يتمثّل الحاكمُ برئيس السلطة التنفيذية؛ وتارةً يتمثّل بتركيبة سلطةٍ جماعيةٍ معقّدة، تتألّف من شبكة مناصب ومؤسّسات تَضْمن في منتهاها أحاديةَ القرار الأخير في كلّ وقت. وقد تنضوي في تركيبة السلطة جهاتٌ غيرُ معلنة، من أشخاص نافذين وأجهزةٍ أمنية وعسكرية، كلٌّ له شأنُه في المساهمة في تحديد القرار الأخير. وفي هذا الإطار يلاحَظُ أنّ الدستور السوري قد نصّ في المادة الثامنة على مبدإ الحزب القائد للدولة والمجتمع. وبقي لافتًا أنّ الدستور لم يفصِّلْ في صلاحيّات الحزب، الأمرُ الذي سمح بالتأكيد أنّ قيادتَه المنصوصَ عليها في الدستور تعني عمليّاً شرعنةً لغَلَبته المطْلقة على المؤسّسات الدستورية، وهو ما قد يؤدّي إلى إفراغ الدستور من كلّ فعّالية. لقد وفّر مبدأُ "الحزب القائد،" في الواقع الدستوري السوري، الغطاءَ الذي تتلطّى خلفه سلطاتُ القرار الأخير الاستثنائية.
كما يشار إلى أنّ الدستور السوري نَصَّ على سلطاتٍ شبهِ مطْلقة لرئيس السلطة التنفيذية في التشريع، عبر صلاحيته إصدارَ ما يسمِّيه الدستورُ بـ "المراسيم التشريعية" (المادة 111). كما يلاحَظ النصُّ في الدستور السوري على رئاسة السلطة التنفيذية ممثّلةً برئيس الجمهورية ووزير العدل ومجلس القضاء الأعلى (المادة 132). وقد كَشفت الممارسةُ أنّ غلبةَ رئاسة السلطة التنفيذية على المستوى التشريعي والقضائي تتراكب وتتكامل، بما يَضْمن لإرادتها أن تكون فوق المؤسّسات المنبثقة عن الدستور وضابط وجودها واستمرار عملها. بكلماتٍ أخرى، لم يأتِ الدستور ليُحْدثَ مؤسسةَ رئاسة السلطة التنفيذية، وليحدِّدَ صلاحيّاتِها بفعلٍ تأسيسي، وإنما جاء ليُقرّ بسلطاتها المطْلقة وكأنّها سابقةٌ للدستور.
ومع ذلك، قد تَكْشف القراءةُ الشكليةُ للدستور السوري أنّ أحكامه جاءت لتحقّق بعضَ التوازن بين السلطات الدستورية. من ذلك: واجبُ رئيس السلطة التنفيذية أن يَعْرض المراسيمَ التشريعيةَ الصادرة بقوة القانون في أولى جلسات مجلس الشعب (المادة 111 (1))، وصلاحيةُ هذا المجلس في عدم إقرارها (المادة 111(3)). إلا أنّ التدقيق المتأنّي في صياغة الدستور بمجمله تشير إلى أنّ أحكامَه تتراكب لتحتفظَ بمجالٍ مريحٍ لتَنْفذ عَبْرَه سلطاتُ رئيس السلطة التنفيذية المطْلقة. من ذلك سلطةُ رئيس الجمهورية في حلّ مجلس الشعب (المادة 701 (1)). وتمثِّل هذه السلطةُ صمامَ أمان، فيما إذا حاول مجلسُ الشعب أن يحقِّق بعضًا من التوازن بين السلطات. بعبارة أخرى: ما يعطيه الدستورُ في يد، لا يلبث أن يأخذَه باليد الأخرى، ليؤكِّد في محصِّلته الغلبةَ المطْلقةَ لسلطات رئيس السلطة التنفيذية.
وقد كَشفت الممارسةُ العمليةُ أنّ اللجوءَ إلى الدستور والعملَ في إطاره لا ينبعان من احترامٍ لمبادئه بقدْرِ ما يشكّلان فرصةً لتأكيد تبعيّته لتركيبةِ سلطةٍ تقع خارجه. ولا يخفى في هذا الإطار كم تَطْبع عملَ المؤسسات الرسمية اليوميَّ التأثيراتُ التي تتلقّاها من جهاتٍ خارجةٍ عن نطاق عملها. يساعد على ذلك تكريسُ الدستور لرجحان إرادة الحاكم في عمل المؤسسات الرسمية، وهو ما يَضطرّ مؤسّساتِ الدولة إلى إعطاء الأولوية لتوجيهات غير رسمية صادرة عن دوائر الحكم الخاصة. وقد تَصْدر هذه التوجيهاتُ بشكلٍ شفهيّ ومتعارض مع المبادئ الدستورية. وقد تتضمّن استثناءاتٍ لا ترخّصها التشريعاتُ القائمة. وغالبًا ما يكون لها وقعٌ أكثرُ فعّاليةً من أيّ تشريع، بشكلٍ يجعلها قابلةً لإنتاج مفعولٍ فوريّ على مستوى المؤسّسات الدستورية، دون المرور بالإجراءات التي يَفْرضها الدستور. ولا ريب في أنّ غياب الشفافية في دوائر القرار الأخير يجعل من غير الممكن للدارس أن يحاول مقاربةَ طرق نفاذ هذه التوجيهات غير الرسمية على مستوى الممارسة اليومية.
في كلّ الأحوال، فإنّ التدقيقَ في ممارسة التوجيهات التي يُسْديها الحاكمُ سيَكْشف عن ذلك الجانبِ المخفيّ في إدارة الشؤون العامة، المرتبطِ مباشرةً بإرادة الحاكم، الذي يتصرّف على أنّه أصلُ السلطات ومنطلقُها، وكأنّه في حالة استثناءٍ سابقةٍ للدستور. وبدلَ أن يشكِّل الدستورُ فرصةً لإحلال أوضاع اجتماعية عادية، بكلّ ضماناتها القانونية، فإنه جاء ليشرعنَ ويكرِّس ممارسةَ الحاكم لسلطات استثناءٍ مُطْلقة.
كيف يَخْتبر المجتمعُ العيشَ في حالة الاستثناء؟ كيف يتعامل أفرادُ المجتمع في ظلّ أوضاع يبدو فيها الدستورُ ومؤسّساتُ الدولة امتدادًا لشرط الاستثناء؟ أين ملاذُهم إذا كان الدستورُ لا يُستخدم إلاّ من حيث كونه استكمالاً لسلطات الاستثناء؟ لا ريب في أنّ الإجابة على هذه التساؤلات يتطلّب الخروجَ من قوقعة التحليل القانوني الصرف، إلى فضاء الملاحظة السوسيولوجية للممارسات اليومية. فمن شأن هذه الملاحظة أن تَكْشف عن ممارساتٍ اجتماعيةٍ خلاّقةٍ لصدّ مشروع الاستثناء ومنعِ إكماله.
دمشق
* ـ محام وأستاذ قانون في دمشق.