خواطر عربي غاضب: المذكّرات وكتابتها

ابتداءً من هذا العدد، يستأنف د. أسعد أبو خليل (أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا ـ ستانيسلوس، والملقّب بـ "العربي الغاضب،") مقالاته في الآداب (التي يصرّ على أنَّه لم يغادِرْها يومًا)، وإنما في صيغةٍ جديدةٍ تركّز على الإصدارات الجديدة، وامتداداتِها في التاريخ القريب، بالإنجليزية والعربية معًا. هنا الحلقة الأولى من سلسلة حلقات تُعنى بكتابة المذكّرات أو السِّيَر الذاتية.

كتابةُ المذكّرات صنفٌ قديمٌ في الكتابة. نتذكّر مذكّراتٍ غربيّة أولى، مثل اعترافات القديس أغسطنيوس، الذي أقرّ بأنه في سنوات الخطيئة كان يناشد ربَّه "اللهم، أنقِذْني، لكنْ ليس الآن،" قبل أن يتحوّل من التمتّع باللذّات إلى نكرانها حتى درجة الزهد المتطرّف: فقد بات لا يَسمح للنساء بالوجود حيث هو إلاّ على مسافةٍ ليست قريبةً منه؛ كما كان يزدردُ طعامَه من دون مضغٍ خشيةَ الولوجِ في اللذّة. وتلك هي الجوانب التي جسّدت "المثلَ الزهديّةَ" التي لم يستسغْها نيتشه.
وشبيهًا بالقديس أغسطنيوس، كتبَ الغزالي سردًا بارعًا لمسيرته الفلسفية. فكتابُه الشهير، المُنقِذُ من الضَّلال، فريدٌ من نوعه في مختلف الثقافات واللغات، وقد تُرجم إلى لغاتٍ عدّة. يمثّل الغزالي فكرًا محافظًا بمقياس اليسار والعَلْمانية، بل بمقياس الفلاسفة الذين تعرّضوا لنقده الحادّ. ومذكّراتُه عقليّة، أيْ تتّصل برحلاتِ عقله وتجوالاتها، كَتبها بقلمٍ أدبيّ حادّ، وبإيجازٍ بليغٍ بحيث لا تستطيع أن تَحْذفَ منها كلمة (سمعتُ أنّ كمال الصليبي يعيد قراءةَ ما يَكتب، فيَحذفُ ما لا ينتقصُ المعنى). تقرأ الكتابَ فتشعر بالشوق إلى حقبةٍ كان فيها الفكرُ (الديني نفسُه) أكثرَ انفتاحًا: فهو، مثلاً، وَصف كيف انغمَسَ بلذّةٍ في معرفة كلّ التيّارات، بما فيها الزنادقة؛ في حين لا تستطيع أن تتخيّلَ اليومَ رجلَ دينٍ يقرأ لكارل ماركس أو لمفكّرٍ كافر (مَنْ مِنَ الفقهاء الحاليّين، أو الكهنوت، قرأ نيتشه أو راسِلْ أو الراوندي؟). ورحلةُ الغزالي، وإنْ جنحتْ ظلمًا ضدّ الفلاسفة، تخلّلها صدقٌ كبيرٌ عن تعرّضِ كاتبها لجاذبية الشهوة. وهي منعشة لأنها تصف التقلّبَ في الدراسة بين الأفكار. فقد كان الغزالي يفاضل بين العقائد، محاولاً، قدرَ المستطاع، استخدامَ مقياس العقل والدين. ولم يكن وحده في هذا المجال: فأدبُ المقامة تضمَّنَ وصفًا للذات الراوية، وإنْ خلطتِ الواقعَ بالخيال؛ فيما كان أدبُ الرحلات (مثلُ أدب ابن بطوطة وابن جبيْر) يتحدّث عن وقائع في حياة الراوي.
لكنّ أدبَ المذكّرات تطوّر غربًا وشرقًا في القرن العشرين، وصار الحديثُ عن الذات من الفضائل، وإنْ تأخَّرَ العالمُ العربي بعضَ الشيء، خصوصًا في ما يتعلّق برجال السياسة في بلادنا (النساء عورات في عالم "الشخبوطية" السائد ـ بلغة ياسين الحافظ)، مع أنّ لبنانَ شَهِدَ كتابةَ مذكّراتٍ سياسيةٍ بكثرةٍ وطفرة، ولاسيّما بعد سنوات الحرب. والحقّ أنّ كتابةَ المذكّرات تحتاج إلى حدّ من النرجسيّة كان المسلمون الأوائل، كما يبدو، يأنفون منها، مع أنّ التباهي والتفاخر سمةٌ من سمات الشعر العربي قبل الإسلام وبعده. ولا شكّ في أنّ بعضًا من المذكّرات كان علاماتٍ فارقةً في مسيرة الأدب العربي المعاصر في القرن العشرين، بل في القرن التاسع عشر من قبل.
فكتابُ أحمد فارس الشدياق، الساق على الساق (لم يصدرْ كاملاً منذ منتصف القرن التاسع عشر في باريس إلاّ في طبعةٍ قاهريةٍ في العشرينيات)، ليس عاديّاً في مضمونه أو أسلوبه. وفيه، بالإضافة إلى كتب الرحلات للشدياق، من السيرة الذاتية ما يجعل قراءتَه واجبًا على مَن يريد الإحاطةَ بجوانب فكر مؤلِّفه وسيرته... هذا من دون أن نبالغَ في تعظيم ليبرالية هذا الرجل: ذلك أنه ارتضى أن يَخدمَ أكثرَ من سلطان، وأن يدبّجَ أكثرَ من قصيدة مديح؛ كما أنّ كتابته عن المرأة لم تكن منسجمةً مع نفسها، إذ إنّ فيها شيئًا من النسويّة النسبيّة وشيئًا من العنصرية الذكوريّة. وتقييمُ الشدياق ليس سهلاً في كلّ الأحوال، وقد يكون اعتبارُه ليبراليّاً أو حرّاً أو نسويّاً حُكمًا متعجّلاً، إلاّ إذا نسينا حقبةَ خدمته في الآستانة أو عمله في خدمة الباي التونسيّ في تونس. ومع ذلك، فإنّ كتابَه يتضمّن، ربما لأول مرة في هذا النوع من الكتابة، قبسًا من السيرة النفسية وبعضًا من الانفعالات العاطفية والزوجية التي تأنف المذكّراتُ العربيةُ (والغربية) عادةً منها. كما أنه عبّر في وقتٍ مبكّر (أو متأخّر؟) عن نقمةٍ شعبيةٍ ضدّ ظلم الإكليروس. وكان عقلُ الشدياق يضجّ بالأفكار والتشعّبات والتساؤلات. لم يقلّدْ أحدًا، ويَصْعب أن يقلّدَه أحد. ثم ماذا تراك تقول في استطراداته المعجمية المذهلة؟
وهناك أيضًا كتاباتٌ سير ـ ذاتيّة من القرن التاسع عشر، كُتبتْ بالإنكليزية، مثل مذكّرات أسعد خيّاط الصادرة في لندن (تُرجمتْ بتصرفٍ واختصارٍ مزعجيْن من قِبل ميخائيل صوايا). وتتضمّن هذه المذكّرات أول دعوى عربية معاصرة لتعليم المرأة ومساواتها في جوانب معيّنة مع الرجل. وقد نزع، شأنَ مَن كَتب من القساوسة ومعتنقي البروتستانت على يد المبشّرين، إلى محاولة إرضاء الرجل الأبيض ومخاطبة النزعة المعادية للإسلام والمسلمين (والمسلمات).
وأما الايام فهي المذكّرات التي شَهرتْ طه حسين. أسلوبُها كئيب وصريح وجريء ونقديّ ومتهكّم. لم يكتبْ أحد عن صعوبات الضرير كما كَتَبَ عنها حسين. وفي هذه السيرة تستطيع أن تَفهم كيف تطوّر فكرُه منذ البدايات: فقد نَفَرَ من الأزهريين (وعن حقٍّ) باكرًا، لكنّه وَجَدَ ضالّتَه في الاستشراق الفرنسي، على استعماريته ونظرته الدونية إلينا.
وهناك مذكّراتُ "العامة" ومذكّراتُ رجال الفكر والسياسة. وقد روى لي المؤرّخ الاجتماعي الفذّ حنّا بطاطو أنه أثناء دراسته لتاريخ سوريا وَجَدَ صعوبةً لأنه لم يجد أثرًا مكتوبًا للعامة في البلاد، إلى أن عَثَرَ على كتاب حوادث دمشق اليومية للبديري الحلاّق. تقرأ يوميّاته وتتعجّب: تاريخُنا أكثرُ تنوّعًا مما قد نظنّ. فالبديري يكتب، مثلاً، عن يومٍ مَشَتْ فيه مومساتٌ في الشوارع حاسرات. وإزاء ذلك، أبدى البديري هولَه... وسكت!
***
ثم إنّ بعضَ رؤساء لبنان يكتبون مذكّراتهم هم أيضًا. بدأها بشارة الخوري، وأكملها كميل شمعون، وتبعهما شارل حلو، وإلياس الهراوي. وأما سليمان فرنجية فكان نزقًا وبعيدًا عن العلم والمعرفة، فلم نتوقّعْ منه أن يَترك مذكّرات. إلياس سركيس، من جهته، كان صامتًا، حتى في سدّة الرئاسة، وكان يخْطب في حشرجة. وأمين الجميل أيضًا لم يكتبْ مذكّرات، لكنّ مذكراتٍ وكتبًا إسرائيليةً كَشَفت الكثيرَ عنه وعن عهده المرتبطيْن بإسرائيل، كما كان أخوه وعهدُه من قبله.
أفْضلُ كتّاب المذكّرات من بين رؤساء لبنان هو بشارة الخوري: فقد كان متمكّنًا من اللغة العربية، وعَرف كيف يحاول أن يعيدَ البريقَ إلى سمعته الهابطة (كانت مذكراتٍ اعتذاريةً طبعًا). وأما شمعون فكتب بالفرنسية، وكان يريد أن يخاطب الرجلَ الأبيض الذي وقع أسيرُه رئيسًا. عجيبٌ أمرُ هذا الرجل: فإذ تَعُود إلى خطبه في الأمم المتحدة وفي لبنان عاميْ 1947 و 1948 تعْجب لثقابته وصوابِ تحذيراته من خطر الصهيونية ولتشديده على ضرورة هزيمة إسرائيل؛ ولكنْ ما هي إلا سنواتٌ قليلةٌ حتى أصبح الرجلُ أداةً طيّعةً في يد استعماريْن أو ثلاثة؛ كما أنه في الحرب الأهلية اللبنانية كان واحدًا من كثيرين في "الجبهة اللبنانية" أقاموا علاقةً وطيدةً مع العدوّ الإسرائيلي. وأما شارل حلو فكان يَطْمح على الدوام إلى أن يكون التلميذَ النجيبَ، فكتب أكثرَ من مذكّرات (على طريقة أحمد الشقيري)، وتباهى بأنه تدخَّلَ في مداولات الأكاديمية الفرنسية أثناء زيارةٍ رسميةٍ إلى فرنسا محاولاً أن يصحّحَ فهمَ فقهاء اللغة الفرنسية في كلمةٍ ما؛ تقرأ ذلك وتَشْعر بالخجل نيابةً عنه، ثم تتساءل عمّا قالوه وراء ظهره (لعلّهم لاحظوا ما لاحظناه: من أنه يريد أن يكون فرنسيّاً أكثرَ منهم). وإلياس الهرواي كَتَبَ مذكّرات، أو روى "خبريّات" دوّنها له كميل منسّى، وكنّا نُفضّل لو كتبها بنفسه: فقد كان الهرواي، بالرغم من قصوره وعثراته وفساده وعدم أهليّته، أكثرَ رؤساء لبنان "هضامةً." نعم، كان ظريفَ الرؤساء والساسة، ومعظمُ هؤلاء سمجون ثقلاءُ الظلّ... مثلَ حكّام العرب. ويقال أخيرًا إنّ هناك مَنْ يساعد إميل لحّود على كتابة مذكّراته التي نشكّ في أنها ستكون أدبيةً على غرار حقائق لبنانية. وللكلام صلة.

كاليفورنيا