سهيل إدريس يرحل، لكن اﻵداب باقية

مجلة الآداب العدد 4-6 / 2008

غلاف مجلة الآداب عدد 4-6 / 2008غلاف مجلة الآداب عدد 4-6 / 2008
صدر العدد الأخير من مجلة الآداب 4-6/ 2008 وفيه تقرأون ثلاثة ملفات. الأول هو القسم الأول من ملف ضخم بعنوان: مقاطعة إسرائيل، وهو من إعداد وتقديم الباحث الفلسطيني المستقل عمر البرغوثي، ويضم أبحاثًا بالغة الأهمية كُتبت خصيصا للآداب، وهي لـ: إيلان بابه، إصلاح جاد، روني كاسريلز، سوندرا هايل، سوزان بلاكول، طوني كيليبردا. أما الملف الثاني فهو استكمال لملف سابق عن الدكتور سهيل إدريس، الذي رحل في شباط 2008، وهو من إعداد سماح إدريس وعبد الحق لبيض وياسين الحاج صالح، ويضم مشاركات لـِ: سماح إدريس، صبري حافظ، نصري الصايغ، أحلام مستغانمي، فيصل درّاج، عبد الحق لبيض، نبيل سليمان، جمال باروت، حسن المودن، محمد معتصم، ميلود العثماني، شعيب خليفي، الياس خوري، عبد الرحمن مجيد الربيعي، أحمد دحبور، عبد العزيز المقالح. أما الملف الثالث فهو استكمال لمناقشة الدعوى التي رفعها فخري كريم على الآداب بسبب افتاحية رئيس تحريرها في ربيع 2007، ويضم مقالات عميقة عن اليسار "الجديد" والعراق "الجديد" لـ: عامر محسن، باقر إبراهيم، آرا خاجادور، سلام عبود، فيصل جلول، أمجد ناصر. ويتضمن العدد أيضًا قصيدة بعنوان العراق لعمران القيسي، فضلا عن حوارات طريفة بين رغداء زيدان وسماح إدريس وميرين غصين، محورها افتاحية العدد السابق، إضافة الى مقال لملاك خالد عن الراحل سهيل ورسائل تعزية. في ما يلي تقرأون بعض مواد العدد

الإفتتاحية: الاعتصامُ بحبلِ فلسطين

الآداب بعد أن "خلعها" أبي عَلَيَّ


سهيل إدريس المتظاهر بالموت


السيرة الذاتية: صورة سهيل إدريس الشابّ


سهيل إدريس: من الحيّ اللاتيني إلى الآداب


سهيل إدريس داخل جيله وخارجه


"الحيّ اللاتيني والخندق الغميق: قراءة في مكوِّنات الصوغ السردي وبناء الدلالة


المقاطعة الأكاديمية: بصيص أمل


المقاطعة: من البطاطا إلى البرتقال إلى الحرية


رحلتي من "إقناع الآخر" إلى مقاومته


بصدد الشكوى ضدّ مجلة الآداب البيروتية


شهود الزور وقضيّة فخري كريم


الخطاب والهيمنة: في تلمّس وجه "العراق الجديد"


ثقافة الاحتلال وثقافة المقاومة امام القضاء


نقد المثقّف الشيوعي: قيادة "طريق الشعب": فخري كريم نموذجًا!

الإفتتاحية: الاعتصامُ بحبلِ فلسطين

سماح إدريس

ما أبعدَ فلسطينَ في يوم نكبتها!
أكتبُ هذه الكلمات وبيروتُ تَخْرج للتوّ من فصل جديد من الحرب الداخلية اللبنانية الطويلة (يخطئ مَن يظنّ أنها انتهت بتسليم الأسلحة والمراكز إلى إلى الجيش)، سببُها المباشرُ قراران أحمقان أصدرتْهما حكومةُ السنيورة ويَستهدفان سلاحَ المقاومة. والذريعة هي هي: أمنُ الدولة وسيادتُها.
لا! أنا لا أحنّ إلى الماضي؛ ففي الماضي لم تكن بيروتُ أفضلَ كثيرًا. كنّا نعيش في منطقة الجامعة العربية (معقلِ "تيّار المستقبل" اليوم)، وذُقْنا ويلاتِ أبي الزعيم و"الصاعقة" وقوات الـ 17. أما مبادئُ الحكيم جورج حبش، القائدِ العظيمِ الراحل، ومازِجِ الثقافة بالسياسة والأخلاقِ على نحوٍ فريد، فكانت أعجزَ من أن تتصدّى للزعرنات والخوّات والتشبيحات (التي كنّا نسمّيها "تجاوزات" كي لا نجد أنفسَنا، بغير علمِنا وإرادتِنا، في معسكر العداء للثورة الفلسطينية). ومع ذلك، فلم تكن بيروتُ بمثل بُعْدِها اليومَ عن فلسطين، بل بمثل بعدها عن جزءٍ أساسٍ من تاريخِها نفسِه: تاريخِها العلمانيّ والعروبيّ والمفتوحِ على العالم. صحيح أنه قد صارت لدينا محطّاتٌ فضائيةٌ كثيرة اليوم حتى توهّمنا أننا صرنا في قلب "الحضارة"؛ لكنْ هل لاحظتْم أين بات مراسلونا؟ ها هم انتقلوا من القاهرة والدار البيضاء وموسكو وباريس... واستقرّوا في بربور وعايشة بكّار وحيّ الطمليس! وقريبًا، بهمّة "شعب لبنان العظيم" بمختلف طوائفه ومذاهبه وعشائره، سيصير لكلّ محطّةٍ مراسلون داخل شُوَيْرِعات البلد (هل تسمح لي يا بابا الدكتور سهيل بهذا التصغير)؟

الآداب بعد أن "خلعها" أبي عَلَيَّ

سماح إدريس

كُتب الكثيرُ عن سهيل إدريس ومجلّة الآداب. أريد اليومَ أن أكتفي بالتحدّث قليلاً عن موقع الآداب في نفس سهيل إدريس، وعن علاقتي به بعد أن "خَلَعَها" عليَّ في نهاية العام 1991 متوقّعًا ومتوهِّمًا وطامعًا في أن يكون جسمي "لبّيسًا." مجلةُ الآداب هي أعزُّ نتاجٍ من نتاجات سهيل الثقافي. ففيها يندمج حبُّه للغة العربية، بالتزامِه السياسي، ودفاعِه عن حرية التعبير، وعشقِه للترجمة، وآرائِه الصارمةِ في الشعر، وشغفِه بتقديم الجديد دومًا، وتشجيع المواهب الشابّة، وسعيِه إلى المعارك، وهيامِه بمقارعة الأنظمة. إنّها، في ما أرى، جماعُ مواهبه، وآرائه، وطموحاته. وهي، أيضًا، المثقفُ الجمْعيّ: المنبرُ الذي يُصْدره فردٌ ليعبِّرَ فيه عن روحِ فئةٍ متوثِّبةٍ إلى التغيير الأكمل، المنبثقِِ من فهمٍ واعٍ ونقديّ للتراث.

سهيل إدريس المتظاهر بالموت

أحلام مستغانمي
كنتُ في تونس مع الدكتور سهيل إدريس، رحمه اللّه، حين بَلَغَنا خبرُ وفاة الغالي نزار قبّاني. بكى سهيل إدريس يومَها كطفل. أَجْزم أنّ شيئًا منه مات يومَها بموتِ رفيقِ عمره. فقد كان، رحمه اللّه، عاطفيّاً ووفيّاً لصداقاته. أما أنا فلم أذرفْ يومَها دمعةً على نزار، ولا أدليتُ بكلمةٍ إلى الصحافة؛ فقد كان حزني عليه غيرَ قابلٍ للإشهار.

السيرة الذاتية: صورة سهيل إدريس الشابّ

محمد جمال باروت

احتلّ سهيل إدريس مكانتَه في تاريخ الرواية العربية الحديثة وتطوّرها بفضل روايته الحيّ اللاتيني (1953) التي صدرت حين كانت الروايةُ العربيةُ تنجِز مرحلتَها الثانيةَ على يد رعيلٍ شابٍّ تباينت سبلُه وتلامعت فيه أسماءُ نجيب محفوظ وحنّا مينة وإحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي وحسيب كيّالي... ومن إرث ذلك الرعيل كانت تتلامع رواياتُ إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وتوفيق يوسف عوّاد وشكيب الجابري.1 وتمثِّل روايةُ إدريس علامةً في تطوّر الرواية العربية في مرحلتها تلك، كما في العودة إلى اكتشاف جوانبها الريادية في مرحلةٍ لاحقةٍ، وتحديدًا في إطارِ ما تمكن تسميتُه بلغة جورج طرابيشي نوعًا من تقليد الرواية الجنوسية الحضارية، أو ما وضعه محمد كامل الخطيب تحت اسم "المغامرة المعقّدة،" ونبيل سليمان تحت اسم "وعي الذات والآخر."

  1. 1. نبيل سليمان، "ثلاثية سهيل إدريس تندرج في الجيل الثاني للرواية العربية،" الحياة، 21/2/2008

سهيل إدريس: من الحيّ اللاتيني إلى الآداب

صبري حافظ

تمهيد وسياق
كنتُ قد بدأتُ الكتابةَ عن محنة مجلة الآداب، التي جرّها إلى المحكمة شخصٌ يُدعى فخري كريم يصف نفسَه بـ «كبير مستشاري رئيس الجمهورية العراقية» ورَفع عليها دعوى أمام القضاء اللبناني، وعلى كلٍّ من مديرتها المسؤولة عايدة مطرجي إدريس ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس. ويعرف الكثيرون أنّ فخري كريم قد أصبح شخصًا فاحشَ الثراء، يستطيع توكيلَ أكبر المحامين (...)، بينما تعاني الآداب الفقرَ وضعفَ الإمكانيات في هذا الزمن العربي الرديء. وكان مقالي الذي لم أكمله قد بدأتُه كالتالي:
«ليس دفاعًا عن مجلة الآداب. ذلك لأنّ هذه المجلة أصبحت-بفضل تاريخها العريق، وإنجازاتِها المشرقة التي حافظ أبناءُ مؤسِّسها وصانعِ مسيرتها الصديقِ الكبير الدكتور سهيل إدريس، شفاه اللهُ، على شعلتها متّقدةً برغم أعاصير التردّي والهوان التي تعصف بالثقافة العربية-صنوَ الثقافة العربية الأصيلة والشريفة والمقاومة. لذلك فإنّ الدفاع عن مجلة الآداب، كالدفاع عن كلِّ ما هو أصيلٌ وجميلٌ في الثقافة العربية، أمرٌ بديهيٌّ لا يحتاج إلى الدفاع عنه، كما لا تحتاج الشمسُ إلى مَن يدافع عنها ضدّ جحافل الظلام، أو الهواءُ النقي إلى مَن يردّ عنه أبخرةَ السوء وسمومَه الزعاف.»

سهيل إدريس داخل جيله وخارجه

فيصل درّاج

كيف نقوِّم مثقفًا راحلاً تجاوز الثمانين؟ وكيف يُقوَّم إن كان قد اتّخذ من الثقافة مهنةً وعملاً ورسالةً مدة خمسين عامًا أو يزيد؟ وإذا كان المثقف الفاعل هو ما يتبقّى منه، فما هو الأمر الثقافي الذي يتبقّى من الراحل سهيل إدريس؟
كلُّ كتابةٍ تقويميةٍ هي كتابةٌ جزئيةٌ مهما كان إخلاصُها، وبخاصةٍ إذا اختلط فيها الذاتيُّ بالموضوعي، أو إذا كان الراحلُ إنسانًا ذا طبائع متميّزة، ومثقفًا متعدّدَ الوجوه، وشخصيةً عامةً توزِّع صوتَها على قضايا كثيرة... ولقد كان سهيل إدريس ذلك كلَّه.

"الحيّ اللاتيني والخندق الغميق: قراءة في مكوِّنات الصوغ السردي وبناء الدلالة

عبد الحقّ لبيض

أ‌- الحيّ اللاتيني: بحثٌ عن المغايرة في الكتابة والدلالة

يتوزّع فضاءُ الحيّ اللاتيني إلى ثلاثة أقسام، يؤطّرها تمهيدٌ وخاتمة. غير أنّ شخصية البطل تبقى إحدى العلامات المميّزة في سبك خيوط المحكيّ وتأثيث بنياته السردية. فمن سطح الباخرة التي تَمخر عبابَ البحر إلى باريس، ننفتح على فضاءٍ مكثّفٍ قابعٍ داخل وعي البطل. ومن خلال هذا الوعي تتعالق الأشياءُ، وبفضله تنتظم الحوافزُ المؤطِِّرةُ للوحدات السردية والمراقِِبة لتحوّلاتها في تيماتٍ خاصةٍ، لتَستكمل أشواطَ رحلةٍ مقلقةٍ إلى الضفة الأخرى من كينونة البطل التي تشغله أحلامُه المترقّبة للحظة التغيير.

المقاطعة الأكاديمية: بصيص أمل

إيلان پاپِهْ (ترجمة سماح إدريس)
هذه السنة سنةٌ تذكارية: إنّها الذكرى الستّون للنكبة، والحادية والأربعون للاحتلال [الإسرائيلي عامَ 1967]. وليس من حلٍّ منظورٍ لا لضحايا التطهير الإسرائيلي العرقي لفلسطين عامَ 1948، ولا للخاضعين لاحتلالٍ قاسٍ في الضفة الغربية وقطاع غزّة.

المقاطعة: من البطاطا إلى البرتقال إلى الحرية

روني كاسريلز (ترجمة سماح إدريس)
نَبَع الحافزُ إلى حملة المقاطعة العالمية لجنوب أفريقيا الأپارتهادية من نجاحات مقاطعاتنا الداخلية المحلّية المبكّرة. وقد اتُّخذتْ هذه الأخيرةُ جزءًا من المقاومة الشعبية لقوانين العزل العنصري، وهي مقاومةٌ ارتبطتْ بـ "حملة التحدّي" في الخمسينيات، وكانت حملةُ مقاطعة البطاطا مثالاً عليها. هذه المقاطعة استَهْدفتْ مزارعي البطاطا البِيضَ، الذين كانوا يَسْتخدمون مُنتهِكي قوانين المرور من السُّود ـ أولئك الذين تحدَّوْا قوانينَ المرور البغيضة [من منطقةٍ إلى أخرى] ـ للعمل في مزارعهم، فيُخْضعونهم للذّلّ اليومي والضربِ بل والموتِ أيضًا.

رحلتي من "إقناع الآخر" إلى مقاومته

إصلاح جاد
أقدِّم هنا تلخيصًا لرحلة مضيتُ فيها داخل نفسي، حول كيفية التعامل مع الطرف الإسرائيلي المحتلّ. وأودّ أن أُشْرك القرَّاءَ فيها لما قد تَحْمله من إفادةٍ لآخرين في موقعي نفسِه.
أنا مصرية من جيل عبد الناصر، فكريّاً وسياسيّاً. وبعد هزيمة 1967، تحوّلتُ إلى اليسار الراديكالي المصري، وشاركتُ في الحركة الطلاّبية المصرية عاميْ 1971 و1972. تزوّجتُ من فلسطيني، وانتقلتُ للعيش في مدينة البيرة/رام اللَّه عامَ 1979. وقد جاء قرارُ انتقالي بناءً على طلب حَمِي، عبد الجواد صالح، مؤسِّسِ الجبهة الوطنية الفلسطينية عامَ 1972 والمبعَدِ عن بيته ووطنه منذ عام 1973؛ إذ جاء لرؤيتنا، أنا وزوجي، في باريس بعد انتهائنا من دراسة الماجستير، وكنّا على وشك التسجيل للدكتوراه، فعاجَلَنا بطلبه: "بإمكانكما إنهاءُ الدكتوراه فيما بعد. زوجتي بعيدةٌ عنِّي منذ ستّ سنوات، ومن حقِّها الانضمامُ إليَّ مع طفليْنا الصغيريْن. الكبار ممنوعون من السفر، ويحتاجون إلى مَنْ يكون معهم في البيت."

شهود الزور وقضيّة فخري كريم

باقر إبراهيم
في 18 كانون الثاني (يناير) الماضي، شاركتُ في توقيع «ميثاق شرف بين أنصار الكلمة الحرّة» دفاعاً عن مجلة «الآداب» البيروتية، ورئيس تحريرها سماح إدريس. ومع توقيعي ذلك الميثاق أرسلتُ إلى ادريس الرسالة التالية:
«إني أحد المتابعين من موقع المسؤوليّة السابقة، ولمدة تزيد على ربع قرن في الحزب الشيوعي العراقي، الأحداث والوقائع التي انتهت بتخريب وطنية وإنسانية ذلك الحزب المناضل، ما مهّد وشارك في احتلال وتدمير وطننا العزيز، بعد تحطيم مناعاته وحصونه. كما أنّني أحد ضحايا النضال دفاعاً عن مبدئية ذلك الحزب وعن وحدة حركته الوطنية والقومية. ومن هذا المنطلق، أعبّر لكم عن تأييدي وتضامني مع موقفكم الذي احتوته افتتاحيةُ مجلة الآداب الغرّاء (نقد الوعي النقدي ــ كردستان العراق نموذجاً). أحيّي موقفكم الجريء الذي هو في حقيقته وقفة مشرّفة على طريق النضال من أجل تحرير العراق ووحدته وتقدّمه».

الخطاب والهيمنة: في تلمّس وجه "العراق الجديد"

عامر محسن

1-فنون الهيمنة

في أواسط الثمانينات، صَدم ارنستو لاكلو وشانتال موفه الوسطَ الثقافي الماركسي بكتابهما الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية، الذي حاججا فيه بأنّ الهويّات الاجتماعية والسياسية نتاجٌ لـمشاريع هيمنة تَغرسها مراكزُ القوّة المجتمعية في نفوس المواطنين.
والحال أنّ مصطلح الـ "هيمنة" كان مستعمَلاً في الأدبيّات الماركسية منذ غرامشي، ولكنّه كان مشخصَنًا في الدولة، وكان يرمز إلى قيام النخبة الحاكمة بـ "خلق" الهويّات الوطنية التقليدية. ما فعله لاكلو وموفه هو أنّهما وسّعا مفهومَ الهيمنة ليضحي في قلب كلّ مشروعِ هويّةٍ يسعى إلى رسم الحدود التي تفصل الذاتَ المتخيّلة عن "الاَخر،" سواء كان ذلك على مستوى الدّولة، أو ما هو أدنى منها أو أوسع. وبهذا المعنى، لم يقدّم الفيلسوفان جديدًا في ما يتعلّق بمفهوم الهويّة: فالوسط الفكري الغربي، منذ السبعينات، كان قد بدأ يرفض باطّراد التعاريفَ "الجوهرانيةَ" للهويّة كـ "معطًى" لاتاريخيّ مرسومٍ سلفًا ومستمرّ إلى الأبد. وقام أندرسون وغلنر، كما سعيد وهوبسباوم، بدراسة الهويّات الوطنية بوصفها عمليّةَ بناءٍ تاريخي، يتركّز جلُّها في عصر الحداثة السياسية (حيث وُلد مفهوما الـ "مواطن" والـ "مجتمع الوطني" كما نعرفهما اليوم).

ثقافة الاحتلال وثقافة المقاومة امام القضاء اللبناني

فيصل جلول
كاتب وصحافي لبناني مقيم في باريس.
يروي فرنسوا ماسبيرو في كتابه الرائع شرف سانت ارنو، مستعينًا بتقريرٍ أعدّه ألكسيس دوتوكفيل عن الحال التربوية في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي وبعده، أنّ مقاطعة قسنطينة كانت مزدهرةً تربويّاً إلى حدّ أنها تخرّج نخبةً من الطلاب الذين لا يقلّون شأنًا عن نظرائهم الأوروبيين (بمقاييس الحضارتين الإسلامية والغربية)، وأنّ الأمير عبد القادر الجزائري كان يخطّط لإقامة مكتبة عامة في المدينة شبيهة بالمكتبة الوطنية في فرنسا (وفق المقاييس نفسها). ويؤكّد ماسبيرو، نقلاُ عن المصدر نفسه، أنّ عدد المدارس والكلّيات في المدينة قد سجّل انخفاضًا ملحوظًا في السنوات التالية لغزوها الوحشي (قتل الناس في مغارات جبلية خنقًا وحرقًا) بقوات الجنرال "سانت ارنو" المتوحشة. لا أعرف تفاصيل تالية لهذه القضية، لكنّ ما أصبح معروفًا من بعد هو أنّ نسبة المتعلمين (التعليم الغربي) من السكّان الأصليين في الجزائر لم تتجاوز 5 بالمئة بعد أكثر من قرن وربع القرن من الاحتلال الفرنسي الشامل لهذا البلد.

نقد المثقّف الشيوعي: قيادة "طريق الشعب": فخري كريم نموذجًا!

سلام عبّود

1- مهرّج ومهرجان!

"إنّ السيد عبد الحليم خداّم، الذي كان نائبًا لرئيس الجمهورية العربية السورية، وعضوًا مرموقًا في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سوريا، كان قد تساءل في اجتماع للقيادة القطرية، عُقد في أعقاب أحد المهرجانات الثقافية للمدى التي أقيمت في دمشق، قائلاً: نحن دولة، لدينا عشرات السفارات في العالم العربي وفي خارجه، ولدينا عشرات المكتبات الثقافية، لماذا نعجز عن أن نقيم مهرجانًا ثقافيّاًً واحدًا يضاهي المهرجانَ الذي تقيمه مؤسسةُ المدى ورئيسًها فخري كريم؟!"

بصدد الشكوى ضدّ مجلة الآداب البيروتية

آرا خاجادور

لم أتوقّّع أن يُزَجَّّ الرفيق عزيز محمّد وسط معركةٍ قضائيةٍ معروفةِ الأسباب والنتائج ضدّ مجلة الآداب (البيروتية موقعًا، والعربية والتقدّمية والإنسانية فعلاً ودورًا) بهذه السهولة، وبصفته الأمينَ سابقًا على أسرار حزبنا (الحزب الشيوعي العراقي) قبل مهادنة الاحتلال. ولم أتوقّع أن يُجرجِرَ معه اثنين من أعضاء المكتب السياسي السابقين (عبد الرزاق الصافي وكريم أحمد)، وأن تـُنتزع منه شهادةٌ عجلى، خاصةً أنه يَعلم أنّ الهدف من الدعوى/الشكوى التي أقامها فخري كريم على الآداب مجردُ محاولةٍ بائسةٍ ورعناءَ لإخراس الأصوات الحرّةِ المساندةِ للشعب العراقي المحتلّ قهرًا وعدوانًا، ومجردُ محاولةٍ فاشلةٍ لإخراسِ وتخويفِ بقية الأصوات المتألّمة على شعبنا: شعبِنا الذي أكّد بسالتَه على الرغم من هول المعركة وضخامة آليّاتها العسكرية والمالية والإعلامية والنفسية والتجسّسية والتجنيدية التي يوظّفها المحتلُّ وحلفاؤه وبعضُ القوى المحلّية التي غامرت بشرفها من أجل أوهامِ مكاسب أو آمالٍ زائفة. هذا إلى جانب أنّ الشكوى المذكورة انطوت على محاولة تبرئة شخصٍ من دون وجه حقّ، وبما يضرّ بمصلحة الحزب وسمعته وعلاقاته وتاريخه. وإنّ شهادة الثلاثة قد تجاهلت وحدةََ المصير والضمير والوجود المشترك بين مواطني البلاد العربية، وتجاهلت أيضًا موقعَ العراق في نفوسهم وذاكرتهم (ألم تكن بغداد في يومٍ ما عاصمةَ الكلّ وحاضرةَ الدنيا جمعاء؟).